عدنان
أوسي
تحية العظمة إلى الشعب العراقي العظيم الذي وضع قدميه على أولى
عتبات الحرية و التحضر !
و تحية إكبار إلى هذا الشعب الحي بجميع مكوناته لأنه أراد أن يحيا
من جديد و خلع عن جسده رداء العبودية و الاستبداد و قتل مارد الخوف
و الإرهاب.
ومبروك لهذا الشعب هذا الأوسكار على بنائه صروح الديمقراطية و الذي
استطاع أن يولد في هذا الزمن . زمن الانهيار و التصدع الفكري و
الأخلاقي .!!!
من خلال متابعتي أمس الأربعاء 6/4/2005 لوسائل الأعلام و قنوات
التلفزة الفضائية . الكردية و العربية و الأجنبية و بعض أصحاب
الأقلام الذين يصنفون ككتاب كرد و طريقة تناولهم لموضوع ترشيح
السيد جلال الطالباني لرئاسة جمهورية العراق وخاصة في فترة
انتقالية لا تتعدى بضعة اشهر أي ريثما تنتهي الجمعية الوطنية من
كتابة الدستور الدائم للعراق و عرضه على الشعب للاستفتاء و من ثم
تحديد موعد قد يكون نهاية شهر كانون الأول 2005موعد نهائي لأجراء
الانتخابات الرئاسية الحقيقية أصبت بالدهشة و الذهول لما رأيت و ما
شاهدت عبر تلك الوسائل الإعلامية فقد عرضت إحدى الفضائيات العربية
سيرة و حياة المناضل الكبير جلال الطالباني ثلاث مرات متتالية لقد
أصيبوا بالذهول لأنهم لم يتصورا يوماً أن يقود العراق المناضل جلال
الطالباني أولاً لأنه كردي و ثانياً لأنه من ألد أعداء الدكتاتور
المخلوع صدام حسين الذي قاد ضده حرب ضروس و تسبب في سقوطه أخيراً
!!
أما دهشتي فكانت لسببين أولاً : من ردة فعل الشارع الكردي تجاه
الحدث وما رافقه من مظاهر الابتهاج حتى كادت هذه المظاهر تخرج
أحياناً عن طورها العقلاني إلى وضع ٍ استفزازي ..!!
و الثاني: ردة فعل بعض القومجيين العرب الشوفينيين و بعض الأصوليين
المزملين بعفونة و قذارة الأيديولوجيات الصدئة تجاه الحدث و كأن
بغداد تسقط للمرة الثالثة . المرة الأولى عندما دخلها هولاكو و
دمرها و المرة الثانية عندما دخلتها قوات التحالف و أسقطوا حكم
الطاغية ضحاك العصر صدام و المرة الثالثة سقطت بغداد نتيجة تولي
كردي الحكم في العراق !!!
لكنني سأقف قليلاً على ردة الفعل الشارع الكردي و خاصة في سوريا و
سأطرح عليهم السؤال التالي : هل هذا الانبهار و الاستغراب في تولي
كردي وطني منصب رئاسة العراق مرده أن الكرد غير مهيئين سياسياً و
فكرياً ليكون الحدث مذهلاً إلى هذا الحد ؟! أم أن هناك شكوك في
وطنية الكرد وولاءهم تجاه أوطانهم ؟!
آلم يكن الرجل الذي قاد سوريا في العصر الحديث إلى الاستقلال عام
1946 وصنع أول وحدة عربية مع مصر كرديا الرئيس شكري القوتلي ؟!
آلم يكن الرئيس أديب الشيشكلي الذي قاد انقلابين عام 1954 ضد
الفساد وعنصرية البعث آنذاك ووضع أساس الدولة القوية المؤسساتية
كردياً.؟!
ألم يكن كلاً من عصمت اينونو و عدنان مندرس أكراداالذان أسسا مع
كمال أتاتورك الجمهورية التركية الحديثة وحافظا على ميراث
الإمبراطورية العثمانية ..؟!
ثم آلم يكن الرئيس حسني الزعيم كردياً الذي قاد الجيش السوري إلى
حرب فلسطين عام 1948لمناصرة الأشقاء الفلسطينيين و لأول مرة في
تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ً ؟!
ألم يكن كردياً الزعيم عبد الكريم قاسم الذي قام بثورة تموز وقضى
على الحكم الملكي عام 1958 و أسس الجمهورية العراقية ؟!
آلم يكن والي مصر محمد علي باشا الذي حكم مصر مائة وخمسون عاماً و
التي تعتبر فترة حكمه من أزهى تاريخ مصر الحديث والذي قاد مصر إلى
العصرنة مع أولاده و من ثم أحفاده خد يدا توفيق و خد يدا إسماعيل و
أخرهم الملك فاروق الذي فقد الثقة بالإنكليز نتيجة لمواقفه الوطنية
و القومية مم جعل الإنكليز ينقلبون عليه و يدعمون تمرداً قام به
بعض الضباط الأحرار عام 1952ووضعوا نهاية لحكم دام مائة و خمسون
عاماً مليء بالإنجازات العظيمة لن تزول من ذاكرة المصريين الشرفاء
إلى الأبد؟!
أما بالنسبة لردة الفعل القومجيين و الأصوليين الذين ليس لديهم أي
انتماء حقيقي إلى العروبة الحقيقية الذين يكيلون المواقف و الأحداث
حسب شوفينيتهم بمكيالين أقول لهم : آلم يكن الرئيس الأرجنتيني الذي
حكم الأرجنتين أكثر من عقد من الزمن كار لوس منعم عربي سوري و لم
يعترض شعب الأرجنتين عليه و مازال يكنون له كل الاحترام ؟!
آلم يكن المبعوث الأمريكي في الشرق الأوسط أبان الغزو الإسرائيلي
للبنان عام 1982 فيليب حبيب عربي لبناني ؟! آلم يكن بطرس غالي
العربي المصري أميناً عاماً للأمم المتحدة أي رئيسا للعالم ؟!
أليس عربياً لبنانياً قائد القوات الأميركية في الخليج الآن
الجنرال جون أبي زيد ؟!
الدكتور عزمي بشارة العربي الفلسطيني البرلماني المتمرد على
الكنيست الإسرائيلي الذي لو كان برلمانيا ًفي إحدى الدول العربية
لما استطاع أن يتمرد هكذا ألم يرشح نفسه لرئاسة الحكومة في دولة
إسرائيل ؟!
أليس إيرانيا السفير الأمريكي الجديد إلى العراق الذي عين قبل
يومين زلماي ذاده ؟! هذه هي ضريبة الديمقراطية و التحضر عند الأمم
التي تفكر بالإنسان كقيمة إنسانية من دون التفكير في معتقده أو
انتمائه العرقي!! و مع هذا فأنا شخصياً أشعر بالقلق وبشيء من
التوجس حيال انتخاب السيد جلال الطالباني و هذا الهاجس مبني على
بعض هذه المعطيات التاريخية حيث لم يكن كرسي الرئاسة يوماً نعمة
للكرد بل العكس كان نقمة حيث لاحظنا سياسة البعث تجاه الكرد بعد
انتهاء الحكم الكردي لسوريا ابتداء من الإحصاء الجائر عام 1962وما
تبعه من المظالم بحق الكرد في سوريا و مروراً بالحزام العربي إلى
بناء المستوطنات الغمرية وانتهاء بالأحداث العنصرية المأسوية و
الاعتقالات ، و كذلك بالنسبة لتركيا آلم يرتكب كمال اتاتورك
المجازر بحق الكرد ومنعهم حتى التكلم بلغتهم ووصفهم بأتراك الجبال
؟!
وفي العراق تكرر المشهد نفسه بعد اغتيال عبد الكريم قاسم حيث شن
نظام البعث حملة الإبادة الجماعية ضد الكرد من خلال ثورة القائد
مصطفى البرزاني انتهاء بكارثتي حلبجة و الأنفال كل ذلك كان انتقاماً
عنصرياً من الكرد على توليهم الرئاسة فهل الرئاسة نعمة للكرد أم
نقمة و خاصة ما شاهدناه بالأمس من مظاهرات التنديد و الرفض في
تركيا ينذر بويل للكرد قادم...!!
و الهاجس الأكبر عندي هو خشيتي من أن يقدم السيد جلال الطالباني
بصفته رئيس العراق على اتخاذ قرارات أو مواقف سياسية مصيرية تكون
كارثية بالنسبة للكرد في تركيا أو في العراق فقط ليثبت للعرب و
للدول الجوار صدق وطنيته وانتمائه العراقي ،و لكي يقنع العرب و
الفرس و الأتراك من خلال هذا الامتحان لا بد من تقديم القرابين فهل
الرئاسة نعمة للكرد..؟!