|
الدجاج صنف
غريب من الطير. بل الأرجح، قياساً، أنه
ليس طيراً على الإطلاق. وهذا زعم نأخذه
اهتداءاً بالغيارى على توثيق الصفات،
والأسماء، والمعاني، بالتدبير المستقصي في
الإحاطة. فالعنكبوت، مثلاً، لم يعد في
مِلَّة الحشرات، بحسب علم الأحياء الأكثر
إنصافاً للإرث الحيِّ، بسبب زيادة في
قوائمه عمَّا هو مقدَّر للنوع الأدنى في
مرتبة الخلائق العجماء. فإذا احتكم محتكم
إلى أن الطير، في المبادلة اللغوية على
شرع العقل، هو "كل ذي جناح من الحيوان"فقد
اتَّصف الإنسان نفسه، على مقام الكناية،
بحوز الجناح، كما اتَّصف بذلك التنينُ،
والبراق الشريف. ووجوب إدراج الإنسان هنا
كمثلٍ، فلأنه على خصِّيصه حيوانية في
حُكْم المعقولات، التي لا يسهو عنها
عالِمٌ في النظر الإلهي. فما هو التدبير
الأنسب للتصنيف، إذاً؟ أهو الطيران؟ ها
هنا تغدو المفردة ذاتها كنايةً، وحيلةَ
بيانٍ. فالطيرانُ إلى الشيء هو الإسراع
إليه، ويقال بالطيران للسيل من شدة
تدفاقه. لكن اللفظ يعود بنسبة الأصل فيه
إلى الطير، كونه خَلْقاً انتدبته المشيئة
للإنفصال عن الأرض بجناحين، والارتقاء
بالجِرْم الكثيف للعنصر الطبيعي إلى مقام
الأثيريَّة والطيفيَّة الخفيفتين. ولهذا،
ربما، يؤخذ التطيُّر (وهو التشاؤم) على
مأخذ الانحسار في حيلة العقل، وموهبة
النظر، فيكونان هباءاً. والهباء من قوامه
الخفَّة. وتخفُّف العقل، في هذا الدَّرك
من الاستطارة، مذموم شرعاً، لأن
الطِّيَرَةَ بحث عن أسباب الشر يقود إلى
ازدواج في توصيف القوى، وهو ما يُدعى،
بألفاظ المذهبية، شِرْكاً. وفي الحديث لمن
انزلق إلى مهوى الطِّيَرَة: "أن يقول
اللهم لا طيرَ إلاَّ طيرك".
لن يتحصل
النفع بصفة الطائر من قيد الطيران إلاّ
بإطلاق المعنى. فالدجاج لا يطير. والنعام
لايطير. أضف إلى ذلك نوعاً من الحبارى في
سهوب الشمال الأرضي، وثور بابل المجنَّح،
وأسود أشور. وقد أضفنا النوعين الأخيرين
إلى طرس الأنواع على وجه يصْلِحُهُ أنَّها
ـ أعني الثور والأسود ـ أُدْرِجَتْ
خيالاً، في فلك الطير، ليستقيم لها
استجماعُ الجواهر الثلاثة: الجوهر
الحيواني الأرضي، والجوهر الطيفي السماوي،
والجوهر الخارق المقدس. والجوهران
الأخيران ـ الطيفي والخارق ـ هما وَهْبٌ
من الإضافة التي جرت على الكيان الأصل، أي
الجناح، ذلك المتخصِّص في قلب المعنى
الحيواني رأساً على عقب.
والجناح
جارحةٌ مكانها جانب الطير.
قد ننزلق
إلى استطراد، بعد النظر إلى المكوِّنات
النفسية خيالاً ومُعْتَقَداً من جراء
إضافة جناح إلى جسد حيوان ليس بطير. إذ
كيف استوى للثور والأسد حاصلان من المعنى
لم يستوِ للطير نفسه، وهو الأصل الذي أعار
ذلك المعنى خصيصةَ كونه استثناءاً في باب
الحقيقة؟ أهي الإضافة اللامعتادة،
اللامعقولة، إلى المعتاد والمعقول؟ هَبْنا
ذهبنا إلى أن نوعاً من نوارس الأوقيانوس
يغوص في الماء إلى الغور قنَّاصاً
للأسماك، أيْ: أضيف إلى قوامِ قُدرته ما
هو من عوايد المخلوقات الَّلجيَّة.
وهَبْنَا ذهبنا إلى أن نوعاً من سمك أنهار
الغابات الإستوائية يحلِّق طائراً
بزعانفه، فيحط على الغصون مقتنصاً البقَّ،
والهوام، ثم ينحدر إلى الماء. أيْ: أضيف
إلى قوام قدرته ما هو من عوايد المخلوق
الطائر. وعلى هديٍ من المفارقة نرى حيوان
الفلانغر الأوقياني ينشر، في القفز من
شجرة إلى أخرى، جلداً فائضاً على جانبيه
كجناحي الوطواط، متصلين من مرفقي ذراعيه
إلى ركبتي ساقيه، ومثله نوع من قردة آسيا.
إنها إضافات
من خوارق صغرى إلى الأصل الطبيعي، لم يوجب
لها عقلُ الاعتقاد قوانينَ التسليم لحلول
الغيب المقدس في هيئاتها. وهنا تتغذَّى
مقارنةُ الإنسان بشريكه في خصائص
الغريزية، والاستنسالية، والتصارع (أعني
الحيوان)، من نظرٍ يرى إلى الخوارق في
غيره من دونه. فإن اجتمعت لشريكه ثلاث
صفات، في الكينونة الواحدة، مثل الطيران،
والغوص، والمشي، فإنما اجتمع له المشي،
وبعضُ الغوص، لاغير. أما الموازنة في
تصاريف العقل لدى هذا وذاك، الإنسان
وشريكه، فكل منهما على قَدْرٍ يرتِّب
الأسبابَ لبقائه. وطاقة أحدهما في مُلْكه
تجد غيابَها في مُلْك الآخر. حتى أنهما
يتفارقان في الحشر ذاته: ينعدم الحيوان
فلا دينونة، وينوجد الإنسان فيُخْسأُ أو
يُكافأ. على أن مسلكنا في المقارنة لا
يتوخَّى نَشْر ما هو معتاد في المعتقد من
الموازين بين الحيوانية والإنسية قواماً
وجوهراً، حقائقَ وخيالاتٍ، إنما النظر إلى
"الإضافة" الطبيعية، التي لا تجعل الكائن
خارقاً، والإضافة الخيالة التي تطحن
القيمة الواقعية للكينونة لتغدو جلالاً
حقَّاً؛ سحراً؛ حقيقةً خلف حجاب حقيقة
الظاهر؛ مكاناً للعقل في حدود امتنانه
لسبب الوجود. فإن نهض الجناحان في الثور،
أو الأسد، بحقيقتيهما إلى رتبة التشريف
اللازمني مشرفاً من جسد الحيوان على
العالَمِ الضعيف، فهما، مضافين إلى
الإنسان، ينحوان به إلى بلاغة التسبيح
المطلقة من قيد الإرث الأرضي، والفجور
الأرضي، والنقصان الأرضيِّ، والفناء
الأرضي، فيكون إشرافه على العالم إشرافَ
المتصل بالخير مُمْتَحَناً، أو غير
مُمْتَحَن؛ أيْ: إشراف الملاك بجناحين.
فما هو
الحُكم، بعد هذا، في من لا يكون موصوفُه
في حوزة وصفه، وقد عرفنا: ماذا يكون
الحُكم في مَنْ أُضيف إلى موصوفه ـ طبيعةً
أو خيالاً ـ وصفٌ في غيره؟.
الدجاج
"خبرٌ" مبتدأُه "هو". وسبوق الـ"هو" عليه
نسبةٌ إلى عموم النوع وخصوص الجنس.
فالتدْرُج أصلُ الوريث القابع في الحظائر
عندنا، وفي ساحات البيوت، ومزابل القرى.
ومن فروع هذا الطائر ـ خلا الدجاج المسكون
اللحم بمذاهب الباه في توصيف الأزدي
الصَّحاري، صاحب "كتاب الماء"ـ الدجاج
الرومي، والطيهوج، شقيق القَبَج والحَجَل.
لكن القَبَج، والحجل، والطيهوج، يستعين
كلٌّ بجناحيه لتصنيف معنى الطيران في
محلِّه الموقوف عليه، لاعلى سواه، فيما
يرهن الدجاجُ العادي، والرومي، المعني
لأوقاف الكناية، كأنما الأجنحة في جنسيهما
خَلْطٌ خياليٌّ، أو وجودٌ بلا خصيصة إلاّ
الاختيال في الروميِّ إذ يستعرضُ نَفْسه
على أنثاه، والتصفيق في الدجاج العادي إذ
يستعرض نَفْسه على الحيلة التي أسمتْه
طائراً.
لقد أورده
الحصرُ، فِقهاً، بالصورة التي هو عليه،
فاشتق لقبه منها: "سميت الدجاجة بذلك
لدجِّها، أي: إقبالها وإدبارها". وفي
اللغة أن الدجَّ هو السير على الأرض
والسعي فيها. فلماذا اتَّصف هذا الطائر،
وحده، بلقبٍ هو من قوام الوصف العادي لكل
طائر آخر؟ الطيور، جميعاً، تسير على الأرض
إلاَّ الألباتروس الخرافي، الذي يولد
طائراً، ويحترق طائراً. أما اشتراكها في
الريش، والحوصلة، والمنقار والمنسر، فأمور
أشبه باشتراك الآدمي والأَنعام في الجلد،
والأذن، والظفر، والمنخر، والكِلية،
وأعضاء الإنسال، والأطراف رباعاً، وهي ـ
بعامتها ـ لا تخْلَص بها الموازنةُ،
والقياس، والإقران، والتناظر، إلى جناس في
الماهية، وطِباقٍ في الجوهر. فما هو
الدجاجُ على قَدْر اشتغال العقل
بالكُنْهِ؟
يقول الأزدي
الصحاري في زيجه الكبير، المذكور آنفاً:
"الدجاجة.. معتدلة المزاج. لحمها حار رطب
في الأولى (قياساً إلى درجات)، خفيف في
المعدة، سريع الانهضام، جيد الخلط، خاصة
إذا لم تكن قد باضت. ولحم الديك أسخن
بطبعه. وإذا كان عتيقاً كان دواءاً. وأجود
الدجاج ما لم يبضْ. وأجود الديوك ما لم
يَصِحْ. ولحمها يزيد في العقل والباه،
ويصفي الصوت، ويحسِّنُ اللون، وينفع من
السعال اليابس". وتاء التأنيث الملحقة
بجسم اللفظة قياسُها أنها واحدُ جنسٍ، مثل
"حمامة"، و "بطة"،وهي تصلح للتذكير كمثل
التأنيث. أما كناشى الملك المظفر يوسف
الغساني التركماني، صاحب اليمن، المسمَّى
"المعتمد في الأدوية المفردة"، فيقف من
الدجاج على عنصره تحليلاً بآلة النطاسيِّ:
"أدمغة الدجاج إذا شربت بشراب نفع من نهش
الهوام الخبيثة"و "والدجاج يزيد في
الدماغ". "إذا فُتر شحم الدجاج وطُلي به
رأس من به الماليخوليا السوداوية نفعه
نفعاً عجيباً". "ليس ينبغي أن يجمع بين
لحم الدجاج والماء، فإنه يًخشى منه تكوُّن
القُولَنج الصعب الشديد، وأكله أيضاً مع
الجبن يُعسر خروجه". والأزدي الصحاري،
والغساني التركماني، يُجمعان على تخصيص
الباه في الآدمي بالقوة من اغتذائه بلحم
هذا الكائن الطريح عند قَدميِّ الصفة.
لكنهما لم يتفكَّرا في براعته، كداجنٍ من
أساسيِّ ما في مزرعة الإنسان، ومطهاه، أن
يكيل الصاع صاعين بتوريثه الزكام خالصاً
بفيروس آخر غير ما يتوارثه الآدميون
ضعافاً من مصافق رئاتهم، وهو المتَّخذ
طائراً، سلالة عن سلالة، يُقاد معرَّى إلى
المائدة، لم يُستحسن منه، كما في النسل
الآخر ـ الطاووس، والنعام، والبلبل،
والببغاء، والباز ـ ريشُه، أو صوته، أو
تبعيته كمُدَرَّب على العلامات العمياء
والإشارات.
ها هو
الدجاج، على نحوٍ مَّا، يستعيد ماهيَّته
كإشكال مُعلَن، بتدبيرٍ مُقْلِق يعصف بنصف
قارة في شرق الأرض.
|