|
في جبالنا تتحول الصخور
إلى مقاتلين ، يدافعون عن
قضية عادلة جعلتها الآلهة
ظلالاً في أعينهم ، في
جبالنا تتحوّل الوعورة
إلى مجازات آمنة أمام
أناسٍ يحبّون الحياة ،
وتتحوّل الممرات إلى صخورٍ
وعرة أمام جنودٍ مدججين
بشهوة الموت ، ورثوا حبّ
الطغيان من عمائم سلاطين
العثمانيين ، ومن كثبانٍ
الصحارى نطّوا إلى حدائق
خضراء ، وغرسوا خناجرهم
في رحم الحرية ، ناسين أنّ
حنين الحرية ترفرف على
هضبات الضباب منذ آلاف
السنين ، وتخفق في قلوب
الملايين ؛ فقيمة هذه
الجبال هي مدى قدرتها على
الصمود في وجه لعلعة
المدفع ، وزحف الموت .
كردستان لم يعد لها عيون
ترسم الألوان ، ولا لها
حنجرة ، فقدت حنجرتها
أمام اتفاقيات خيانية ،
لم يعد لها صوت ، أمام
الخيانة تسقط الأصوات ،
وتتبعثر الأوراق أمام
الريح . لكن لم يعد أصحاب
الشراويل ( بتعبير المثقف
الشوفيني هارون محمد)
يحتاجون إلى عطف
الطورانية التي سفكت دماء
الأرمن على مذابح دينهم ،
وهدّمت قرى على رؤوسٍ
رضَّعٍ ملفوفين بأقماطهم
.
يتأبقُ الترك بطاقية
أتاتورك متبذّخين على
سفوح آرارات وآغري ، وعند
نزولهم على سفح هضبة
أناضول - وقد خلَت من
الشعب الأرمني المذبوح
على صفيحة دين العمائم
والخلفاء يتبَرْبَسَون
تارةً ، ويتهرولونَ أخرى
نحو بلاد الرّوم ، لعلّهم
يقبلونهم بين اتحادهم ،
ليتجاوزا مهنة التسوّل ،
وهم للروم ( عُـتُلٌ من
زنيم ) .
هنا في هذه الجبال شتّل
الكرد أحلامهم الشبيهة
بعيون زارا ، وهنا دفنَ
الكرد آلافاً من سنين
عمرهم ، منذ خروجهم من
سفينة أبيهم آدم ، وحتى
اللحظة ، فجاء أحفاد (ريتشارد
) ليوزّعوا سفح آرارات
وقنديل وشنكال وجودي على
خرائط تقودها السحالي
والملالي ؛ هذا ثمن تقديس
سلالة ميتان لكتاب (
الأحرف الغامضة ) مع
تقديم قرابينهم على مذبحة
العمائم ، فباع أصحاب
الوجوه الكهفية تاريخنا
وأرضنا ، ولوّنوا سحنات
وجوهنا بصلواتهم.
هنا كان سمكو يزخرف ثوب
التاريخ ، هنا حمل قاسملو
كلام الملائكة إلى منافقي
( قُـمْ ) ، هنا حمل
الشيخ العجوز حلمه إلى
حيث طيور الحجل ، ليقطع
أنهار الزمن متوجّهاً إلى
دولة لينين ؛ رحل جميعهم
راسمين في عيون الكرد
حدود دمعة مشتعلة ، حباً
في الحياة ، وكرهاً للظلم
.
هنا دفَن أصحابُ اللحى
تعاليم زارا ـ وهو من
انتزع الإنسان من سلوك
الغابة ـ تحت محراب
الصيام ، وأقاموا سياط
الموت حسداً على أرقَ
الألوان في مناحاتٍ لا
تنتهي في محراب لالش . هل
كُتِبَ عليهم العيشُ في
مراثي المدن ؟ هل سُطرت
عليهم اللعنة في مدنٍ
مشرّدة ؟
هذه الجبال إن لم تكن
أعلى الجبال فهي أكثرها
شموخاً ، ثمّ هي الأجمل
لأنها أكثر تمرداً في وجه
الموت ، و هي أصدقُ وفاءً
لأنها تقلقُ مضجع آل(
أرطغرل الطورانيين ) ؛
إنها تختزل تاريخ أمةٍ ،
فهل من المقبول أنْ تتحول
قضيةُ الحرية لها إلى عطفٍ
ووجهة نظرٍ ؟ وهل يكتفي
التاريخُ بتقديم أكياس
الطعام لهم لتشكّل لهم
وطناً ، هل الوطن مطمور
في صرة مساعدات ؟
كلّما تدثرنا عباءاتهم ،
كلما اعتمرنا عمامات ( ذي
النون ) أمطرت ( كراماتها
) خردلاً على أفواهنا ،
وضباباً من الألم ، ضباباً
من التشرّد ، ضباباً من
الموت .
|