|
للوردة العطشى الباحثة عن منغرس حنون تمد
جذورها إلى أعماقه الحنونة ، فلم تجد سوى
رأسك الجميل ليحتضنها ترابه الطاهر ، الذي
نزف بغزارة ليسقي وردة النار في مساء
النيروز العظيم .
سلامتك ( كرم ) وأنت تتلقى الرصاصة كعاشق
ولج الحب حتى آخر خلية تفكر في أعماق
الدماغ ، حيث هناك يتركب أكسير القادمين
من جرح الشهداء الغافيين على حدود مساحة
العالم ، من مقبرة قدور بيك إلى قمم جبل
قنديل ، وجبل الكرمل ، وجبل عامل .
لا أمطار في هذا الشتاء ، ولا ربيع يدفع
عنا جفاف الروح ، فجاء دمك ليملأ خريفنا
الممتلىء بالغبار بزهر الشقائق لتعمدنا
نحن السوريين جميعا
في نهر القصيدة ، ذاك النهر الذي لم يجف
في منابع الشاعر إبراهيم اليوسف ، حاملا
ألوان الكورد كروح إقحوانة نجت من جفاف
الفاسدين في الأرض .
نبع من الألم والوجع يمتد على حدود المكان
المسيج بالخوف واللصوص الدائمين ، الذين
نغطيهم كل يوم بصمتنا رغم الأنين والوجع
الباطني المخفي في جمدانة الروح المترنحة
.
يا كرم اليوسف : ها أنت تتوجع الآن بصوت
عال جدا ، حتى تسمع الشمس تكسر أحلامنا
قطعة قطعة كلما مر وقت للظالمين الفاسدين
الناهبين القاتلين .
تألم بقوة يا كرم حتى لا يسمع المستبدون
بكائي ، اصرخ آه وكررها بقوة بحجم مجرات
البؤس ، وسنوات الضوء التي مرت على
حسراتنا.
ترهات نحن ، كل ما بنينا حجرا سقط فوق
خيباتنا ، وكل عسل الكون لم يعد يحلي
أيامنا التي مضت .
نادنا يا كرم بحجم الصدمة بين الرأس
والرصاص ، بين الجلد والسوط ، بين دمك
الذي أعطيته للنشيد ، وبخل من أطلقوا عليك
رصاصة واحدة ، ليملأ الصمت عمرك الباقي في
الظلام .
سلامتك وأنت تنزف كصقر لتروي عطش الحمامة
، سلامتك وأنت تندفع حيث لا مكان لأحد غير
الشهداء لتكون الأول ثم الأول ، ثم لحظة
الوقت المنبعث من الرماد.
وردة بحجم سوريا ، تكبر كل يوم في حلم آفل
يسقى من ماء الصرخات .
اصرخ في وجهنا نحن البائسين ، الجافين
كحطب الأيدلوجيات القادمة إلى نار هلاكها
.
اصرخ ربما تجرأنا وقلنا للظالمين مرة
واحدة تلك الكلمة التي تخنق حنجرة اليمام
، تلك الكلمة التي توقف انحناءة المآذن
منذ تاريخنا المليء بالشبق المعربش على
شرفات الحاكمين .
اصرخ علا البغض يخاف من الألم ، ولعل
الشهداء يبعثون ليشهدوا على قاتليهم .
اصرخ وتألم حتى يشعر جبل أغري بطعم الماء
، وحتى ينزل طاووس الملك على قمة جبل
قنديل .وحتى يزف الصقر الأسير( آبو ) إلى
عروسه الحرة التي ما فتأت تغتسل كل صباح
بماء الفرات المثلج ، لتحس بأنفاس الصقر
السجين .
هذا زمن القتلة الكونيين ، المتعهرين خلف
الكلام المعسول عن الحرية والحرية ،
وتدمير هوية المكان .
اصرخ يا كرم بحجم ألم الغياب من زمن كاوا
إلى زمن جفاف الينابيع .
اصرخ ربما يكتب إبراهيم هذي الليلة قصيدة
، وربما أم أيهم تنادي أور القديمة في
الجنوب أو أور التي في ( كاس يديم الشمال
).الليلة يعود إبراهيم من السفر الطويل في
التاريخ ليواجه حضارة الإلغاء والتهميش .
تألم حتى يعود عدي بن مسافر الإيزيدي
ويروي سيرة النكبات .
يا كرم
وأنت قد افتريت من الوجدان هلا سألت
الكلمات عن الذين صاروا في قائمة الشهداء
؟
يا كرم
هلا شممت رائحة العاشقين الذين ماتوا
كسوريين مؤمنين كما خلقهم الله عربا
وكوردا واشوريين وتركمانا .
يا كرم هل رأيت وجه قاتليك وعلى دين كانوا
ساعة أطلقوا النار عليك وعلى قرنفلة
الشعراء التي تنمو في تربة الكلمات .
وهل حقا وجوههم مثل وجوهنا ، ولهم عينين
ويدين ، وهداهم الله النجدين ، وكنت
العقبة يا كرم فاقتحموك برصاصة .
لتنزف على جفاف عمرنا ومواسمنا ماء أعراس
لم تأت ، عل قحط الاستبداد يرحل في سفينة
الصرخات ، بعد أن سكن في حلوق الصمت .
يا كرم
سلام لك وسلام على الشهداء رفاقك ، من أول
الشهداء حتى أول الكلمات .من أول الشقائق
حتى أول الأقحوان ، من أول الشموس حتى أول
النور.
من جرحك نرى فسحة من الله ربما تأتينا
بالكلمة الأولى التي نسيناها ، وربما
تأتينا بكل الكلام .
سلام قولا من شعب سوري عظيم إلى جلجة
الألم التي صلبت عليها القصائد
المعلقةبجدائل الصبايا العاشقات
جميل أن تبقى معنا يا كرم لنرمي سوية قطرة
محبة في بحر الخيبات
|