حاوره: هجار إبراهيم –حلب
المحور الأول:العائلة
البدرخانية
1
_ هل ظلمت العائلة البدرخانية : ثقافة وسياسة و حياة حتى
تتخصص فيها و لك عدة كتب عنها , إضافة على باحثين آخرين ؟
*
نعم ... ظلمت العائلة البدرخانية ثقافة و سياسة و حياة و لا يمكن
لمثل هذا السؤال ان يشفي غليلي للحديث عن البدرخانيين مع إنني دائم
الكتابة عنهم , لكن هذه الكتابات متواضعة لا تتعدى حدود التعريف
بهم و الاحتفاء بأسمائهم المختلفة ...
كان المؤسس
الأول لهذه العائلة المضحية هو الأمير بدرخان البوتاني الكبير الذي
سعى جاهداً إلى إنشاء إمارة كوردية عام 1843 , إمارة واسعة الأرجاء
ما بين أجزاء كوردستان المختلفة , سك النقود باسمه و علا اسمه فوق
المنابر أثناء خطب الجمعة , و في عهده سادت العدالة أرجاء إمارته
حتى قيل في وصفه : ( العدالة هي بدرخان و بدرخان هو العدالة ) سلك
هذا الأمير النبيل درب الثورة الفرنسية _ 1789 , و ذلك بفصل الدين
عن الدولة من خلال شعاره ( الدين لله و الوطن للجميع ) كان هذا
الشعار كفيل بتوحيد الأمة و الارتقاء بها , كي يمضي بثقة نحو إنشاء
إمارته و الوقوف بحزم و ثبات أمام الباب العالي ...
أسر الأمير
بدرخان البوتاني في صيف 1847 و نفي إلى استانبول و جزيرة كريت و
دمشق حيث توفي فيها عام 1868 , لكن قبل أن يرحل وجه مقولته الشهيرة
إلى أولاده و قال : ( من منكم ينسى لغة بوتان فهو ليس بولدي ... )
.
هذا بالنسبة
للمؤسس الأول للعائلة البدرخانية , أما بالنسبة لأبنائه و أحفاده و
ما قدموه من تضحيات جمة في سبيل قضية شعبهم سالكين بذلك نهج
الأمير بدرخان الكبير خاصة حفاظهم على اللغة الكوردية , لكن للأسف
الشديد كان مصيرهم النفي و القتل و التشتت في أرجاء الكون الأربعة
, لأن مستعمريهم كانوا يحاربونهم بضرواة و كانت الدولة الاستعمارية
دائمة الخوف من إنشاء دولة كوردية قوية في منطقة ما بين النهرين
على غرار دولة محمد علي باشا في مصر كي يحافظوا على مصالحهم في
منطقة الشرق الأوسط و يأمنوا طرق اتصالاتهم مع القارة الهندية .
و من الناحية
الثقافية , لا أظن بوجود عائلة بين شعوب العالم خدمت أمتها ثقافياً
مثل العائلة البدرخانية , إنهم يعتبرون بحق أباً للصحافة الكوردية
و الأدب الكوردي الحديث , هم أول من أسسوا الصحف و المجلات باللغة
الكوردية , و أول من أسسوا الجمعيات الكوردية, و أول من كتبوا
النثر الكوردي , و أول من استعملوا الأبجدية اللاتينية و هناك
أشياء أخرى كثيرة , و نحن ما زلنا بصدد السؤال إن كانوا ظلموا أم
لا ؟!!! نعم ... لقد ظلمت هذه العائلة ظلماً كبيراً و تعرضت لأقسى
أواع العذاب و التعتيم , رحل أفرادها واحداً تلو الآخر في المهاجر
و المنافي البعيدة , في المعتقلات و السجون الباردة , أمام فوهات
البنادق و فوق أعواد المشانق ... لكن ! حلم كوردستان لم يفارق
مخيلتهم , هذه العائلة التي كانت تعتبر من العائلات المثقفة الأولى
في الإمبراطورية العثمانية .
لكن مع الأسف
! لم يعد لهم أي أثر سوى نتائج تضحياتهم الجمة التي قدموها لبني
جلدتهم عبر الثورات السياسية و الثورات الثقافية , و ما تخصصي و
زملائي في أعمال العائلة البدرخانية إلا بمثابة رد للجميل الذي
قدموه لبني قومهم .. , لكن مهما نكتب عنهم لن نوفيهم حقهم الطبيعي
علينا .
2 _
بماذا خلصت في
دراستك عن العائلة البدرخانية ؟ و هل ثمة جوانب أخرى مهملة أو
مغفلة ما زالت بحاجة إلى دراسات و إضاءات ؟
*
عبر دراساتي و بحوثي عن أفراد العائلة
البدرخانية , اكتشفت فيهم صفة مشتركة و هي نكران الذات في سبيل
شعبهم الكوردي , بدليل إننا اليوم لم نعثر لهم على أي أثر مادي
ظاهر للعيان بالرغم من إمكانياتهم المادية القوية لبناء القصور و
المشاريع الكبيرة في جميع أنحاء العالم , لكنهم سخروا طاقاتهم
المادية لخدمة قضيتهم العادلة , لقد رحلوا و هم يقطنون دور سكن
مستأجرة , سواء كان في باريس أو دمشق أو بيروت أو القاهرة أو غيرها
من المدن , و يكفينا فخراً بوجود هذه العائلة بيننا , لكن مما يؤسف
له إن الكتاب و الباحثين الكورد لم يتطرقوا إلى جوانب عديدة مظلمة
داخل أروقة حياة هذه العائلة النبيلة , جوانب بحاجة إلى دراسة
موسعة لأنهم يشكلون لنا تاريخنا المعاصر من عدة جوانب سواء كانت
سياسية أو ثقافية , و أشكر الزملاء الذين تناولوا هذه العائلة
بدراساتهم القيمة و على رأسهم ( مالميسانج ) بكتابه ( بدرخانيو
جزيرة بوتان ) و ( صلاح هروري ) بدراسته الأكاديمية حول الأمير
بدرخان البوتاني و يعد الآن أطروحة الدكتوراه حول البدرخانيين ما
بين أعوام 1900 _ 1950 في جامعة دهوك , و كم سرني افتتاح مكتبة
البدرخانيين في دهوك يوم 22 / نيسان / 1998 في احتفاء خاص بمئوية
الصحافة الكوردية حيث دشنتها آخر حفيدة للبدرخانيين ألا و هي
الأميرة ( سينم خان ) كريمة الأمير جلادت بدرخان التي التقيت بها
يوم 2 / 8 / 1999 في مدينة دمشق و قالت بألم ( لقد أنقرض
البدرخانيين كما إنقرضت الديناصورات ... ) , حدث آخر زاد من سروري
ألا و هو تأسيس صحيفة كوردية شهرية بالأبجديتين العربية و
اللاتينية بإسم ( بدرخان ) يوم 22 / 10 / 2000 في مدينة
السليمانية , و يزداد سروري أكثر عندما أدخل موقع ( بدرخان ) على
الانترنت و كذلك موقع ( الأمير جلادت بدرخان ) و عبر هذين الموقعين
يمكن لعشاق البدرخانيين نشر نتاجاتهم و الأطلاع من خلاله على أخبار
هذه العائلة و معرفة كل ما يستجد على ساحة العائلة البدرخانية و
برأيي كلما تقدم الكورد نحو الديمقراطية و الاستقرار سيعلو أسماء
البدرخانيين أكثر و أكثر في سماء كوردستان وهنا أدعو المثقفين
الكورد و تحديداً طلاب الدراسات العليا للعمل إلى تقديم رسائلهم و
أطروحاتهم الجامعية حول أعمال البدرخانيين و هناك جوانب عديدة
يمكنهم أن يطرقوا أبوابها مثل صحيفة ( كوردستان ) و مجلة ( هاوار )
و مجلة ( روزا نو ) و ( جمعية خويبون ) و نضال الأمير عبد الرزاق
بدرخان و أشياء كثيرة مهمة لنا في الوضع الراهن مثل العلاقات
البدرخانية مع الفرنسيين و الإنكليز عبر البحوث و الدراسات المعمقة
يمكننا إضاءة كل الجوانب المظلمة و المهملة داخل تاريخ العائلة
البدرخانية و ما يفعله الباحثين المختصين بهذه العائلة و أنا واحد
منهم لا يعادل نقطة في بحرهم المديد و العميق .
3
_ ماذا أضافت هذه العائلة إلى الصحافة الكوردية و نحن نحتفل بها
هذا العام ؟
*
و هل كانت هناك صحافة كوردية قبل البدرخانيين ؟ هم أول من بدأوا
بتأسيس صحافتنا , ها أنا ذا أنجرف مرة أخرى نحو شلالات نضالهم و
بحار تضحياتهم , الحديث عن البدرخانيين شيق , لكنه مليء بالحزن و
الشجن , خاصة عندما نتطرق إلى الأمور الثقافية , كانت ثقافتنا
بمثابة جزيرة مهجورة لكن البدرخانيين فتحوا الدروب الوعرة التي
تؤدي إلى هذه الجزيرة و بنوا عليها قلاعاً متينة لحماية الثقافة من
الاضمحلال و الضياع كي يرتقوا إلى المقدمة أسوة بالشعوب المجاورة و
هنا سأعدد الأبواب التي فتحها البدرخانيين على الساحة الثقافية
الكوردية :
_ نشروا أول
صحيفة كوردية باسم كوردستان في القاهرة عام 1898 , بعد أن يأسوا من
نشرها في استانبول و ذلك برئاسة الأمير مقداد مدحت بدرخان , و بعد
مرضه تابع شقيقه الأمير عبد الرحمن بنشرها في لندن و فولكستون و
جنيف و صدر منها 31 عدداً لغاية عام 1902 .
_ أصدر الأمير
عبد الرزاق بدرخان صحيفة بإسم كوردستان في بلدة ( خويي ) بإيران
عام 1913 , بدعم و مؤازرة من سمكو آغا الشكاكي .
_ ترأس الأمير
صالح بدرخان _ والد الأميرة روشن بدرخان _ صحيفة أوميد في استانبول
.
_ أصدر الأمير
ثريا بدرخان صحيفة كوردستان في استانبول عام 1908 , استمراراً
لصحيفة عميه , ثم توقفت عن الإصدار , لكن أثناء هدنة الحرب
العالمية الأولى عام 1917 , تابع الأمير ثريا في إصدار صحيفته من
جديد .
_ كتب الأمير
أمين عالي بدرخان أول قصيدة شعرية للأطفال عام 1913 .
_ أصدر الأمير
جلادت أمين عالي بدرخان أول صحيفة كوردية _ الأبجدية اللاتينية _
باسم هاوار في مدينة دمشق عام 1932 و بهذه الصحيفة أصبحت اللغة
الكوردية تكتب بالأبجدية اللاتينية لأول مرة في التاريخ .
_ كتب الأمير
جلادت بدرخان أول مسرحية كوردية باسم ( هفند ) و نشرها فوق صفحات
هاوار عام 1933 .
_ أصدر الأمير
جلادت بدرخان ملحقاً مصوراً لمجلة هاوار باسم روناهي في نيسان 1942
و بهذا الملحق تصبح الصحافة الكوردية مصورة لأول مرة .
_ أصدر الأمير
د . كاميران بدرخان أول صحيفة كوردية _ بالأبجدية اللاتينية _
باسم روزانو في بيروت عام 1943 و كذلك أصدر صحيفة أخرى باسم (
ستير )عام 1943 و هي الأخرى بالأبجدية اللاتينية .
هذا باستثناء
دعمهم المادي والمعنوي من خلال نشرهم لنتاجاتهم في الصحف التي كانت
تصدر في استانبول مثل : ( روزي كورد)
و( هتاوي كورد
) و ( سربستي ) و ( جين ) وغيرها من الصحف التي كانت تصدر في ذلك
الوقت .
إننا اليوم
نعدد أعمال هذه العائلة النبيلة بكل سهولة , لكن ليعلم القارىء
العزيز إن هذه الأعمال تحمل بين ضفافها أنهار كثيرة من العذاب
والآلام والمعاناة , لأنهم كانوا منفيين ومشتتين بين مدن العالم ,
كانوا يفتقرون إلى أبسط المواد للنشر , لذا كان الكاهل كله يقع على
عاتقهم , وهنا أستطيع القول إن اغلب اللذين برزوا بيننا من الشعراء
والمبدعين أمثال : جكرخوين وعثمان صبري و د. نور الدين زازا وقدري
جان , كان بفضل الأمير جلادت بدرخان ومجلته ( هاوار ـ 1932 ـ 1943
) .
كان تأثر
البدرخانيين بالآداب الأوربية كبير جداً , وهنا أستطيع القول إن
الفضل يعود لهم في كتابة النثر وتحديداً جنس القصيدة , حيث كتب
الأمير جلادت بدرخان والأمير د. كاميران بدرخان القصيدة النثرية
لأول مرة ويأتي بعدهما الشاعر قدري جان وعثمان صبري وذلك عبر صفحات
مجلة ( هاوار) وعبر أقلام هؤلاء النبلاء سبقت القصيدة النثرية
باللغة الكوردية القصيدة النثرية العربية بعقد من الزمن وبهم دخل
النثر الكوردي مرحلة جديدة متقدمة ومتطورة أسوة بآداب الشعوب
المجاورة .
ولكن مما يؤسف
له إننا نحتفل بالذكرى السابعة بعد المائة للصحافة الكوردية و
المجلات والجرائد الكوردية الموجودة على الساحة وبعد مرور / 73 /
عاماً من صدور مجلة هاوار لم تترقى إلى مستواها , بالرغم من وجود
الأجهزة التكنولوجية المتطورة التي أصبحت متناول الأيدي وهنا لا
نعلم ما إذا كان السبب من المثقفين الكورد أو من الأحزاب الكوردية
التي تشرف على هذه المجلات ؟
المحور الثاني
: الدوريات
الثقافية ومدينة قامشلي
1 ـ ماذا
أضافت الدوريات الثقافية الكوردية أو العربية التي تهتم بالسياسة
والثقافة والأدب الكوردي إلى مثقفي الجزيرة السورية , و ألا ترى
معي ان بعض الدوريات تحمل هماً كوردياً إلى درجة الشعارات و
الاتهامات إلى بعضها البعض ؟
* يحمل سؤالك
بين طياته سريالية غامضة , لم توضح لي بالضبط ماذا تريد !! أنت
تعلم علم اليقين إنني لست من أولئك الذين يهوون السياسة , ينحصر
اهتمامي فقط بالأمور الثقافية بأنواعها المختلفة و بشكل خاص تلك
الثقافة التي تكتب باللغة الكوردية , قلما أقرأ الدوريات السياسية
, التي يتردد بين صفحاتها معارك حامية من الشجب و الاستنكار لهذا و
التأييد و المناصرة لذاك , أحياناً أتابع الدوريات العربية الأدبية
و الثقافية و بالإضافة إلى الدوريات العربية التي تردنا من إقليم
كوردستان العراق ... , شيء بديهي أن تكون الاستفادة كبيرة من هذه
الدوريات لأننا نطلع من خلالها على إبداعات الشعوب المختلفة و هذا
الشيء يسعدنا جداً و تشعرنا بالترابط و التقارب أكثر و أكثر .
أما الدوريات
التي تحمل هماُ كوردياً إلى درجة الشعارات و الاتهامات _ كما تقول
_ ذكرت آنفاً أنا لست من المتابعين لمثل هذه الدوريات وبالرغم من
إطلاعي المتواضع فإنني لست من الذين يفكرون شوفينياًً حتى أؤيد
الشعارات الطنانة و الرنانة أو أؤيد كلام السب و التهكم , لأنني
إنسان عملي و معظم كتاباتي تتمحور حول همين لا ثالث لهما : الهم
الأول هو معاناة شعبي الكوردي و تاريخه الضائع و الهم الثاني
معاناة الإنسان بكل ما فيه من خفايا إنسانية .
أنا أكره
التمييز العنصري بين الأجناس البشرية لأن الله تعالى فضل الإنسان
على كل الكائنات عبر قوله تعالى ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم
) , و شيء طبيعي أن يستفيد كل مثقف واعي من أي جنس كان عبر
الدوريات الجيدة التي تصدر بين الحين و الآخر سواء كانت كوردية أو
عربية أو آشورية ؛ لأن الدوريات الجيدة والغنية بالمعلومات تضيف
الكثير إلى الثقافة و الأدب بدون استثناء .
2
_ ألا ترى معي أن ثمة باحثين و شعراء و فنانين عندنا , لاقوا
الكثير _ و يلاقون _ التعتيم و التهميش ,ألا ترى أنه آن الأوان
لنحتفي بهؤلاء ؟
*
هنا سأجاوبك انطلاقاً من الوسط الكوردي , كون
الآخرين يحتفون بفنانيهم وشعرائهم وباحثيهم , لكننا مع الأسف في
هذا المضمار أيضاً متخلفين عن أقراننا , هناك العديد من الشعراء
الكورد الذين أفنوا عمرهم يحترقون بصمت مثل الشموع المضيئة في سبيل
إنارة الدروب أمام مواطنيهم , رحلوا دون التفاتة من بني جلدتهم , و
في حياتهم لاقوا شتى أنواع القهر و الحرمان و الإجحاف بحقهم و هنا
أستطيع ذكر بعض الأسماء الساطعة في سماء الثقافة و الأدب
الكورديتين في سوريا أمثال : جكرخوين و عثمان صبري و قدري جان و
رشيد كورد و أحمد نامي و تيريز و في مقدمة كل هؤلاء الأمير جلادت
بدرخان و د. كاميران بدرخان و د. نور الدين زازا و أكرم و قدري
جميل باشا و غيرهم من العمالقة الكورد في تاريخ الثقافة و الأدب و
الفن , بالله عليك يا صديقي وأنت تتردد كثيراً على دمشق , هل زرت
في إحدى زياراتك ضريح الأمير بدرخان و حفيديه الأمير جلادت بدرخان
و الأميرة روشن بدرخان و وضعت على شواهد قبورهم باقة من الزهور ؟
لكن المخرز الذي يخترق العين هو وجود العديد من الشعراء و الفنانين
الأحياء بيننا الآن و هم على أبواب الرحيل و مع ذلك يجهدون أنفسهم
دون أن يشعر بهم أحد تغيم عليهم غيوم العتمة و اللامبالاة , ليس
هناك من يجاملهم و لو بكلمة رقيقة أو شكر صادق يخرج من القلب و
يدخل القلب أمثال : ملا نوري هساري ومحمد جميل سيدا و يوسف برازي و
عمر لعلي و ملا رمضان برزنجي و آخرون ...نعم علينا الاحتفاء
بالمناضلين القدماء على الساحة الثقافية الكوردية لأنهم أعطوا
الكثير لشعبهم دون مقابل و أنا أعتبرهم من الجنود المجهولين , و
بالمقابل علينا أيضاً تشجيع الشباب الواعد الذي يخدم لغته و ثقافته
و سلك الدروب أمامهم , لكن ! مع الأسف ! الحركة الثقافية
الكوردية ما زالت غير قادرة على غربلة السيئ من الجيد .
3
_ أليس يحق للقامشلي أن يكون لها كتاب خاص توثيقي أو تاريخي و من
جميع جوانبها بأكرادها و عربها و مسيحيها , حتى لا تضيع هذه
القامشلي _ و أنت ابنها _ ألم تفكر أنت لتتناولها من جانبها
التوثيقي ؟
*
نعم يحق لها كتاب خاص باسمها و من جميع الجوانب و هذا عمل كبير
جداً بالنسبة لشخص مثلي , هناك العديد من الكتاب كتبوا عن القامشلي
, كل واحد منهم تناولها من وجهة نظره.. , قامشلي هذه المدينة
الحديثة و التي تسمى في بعض المصادر بعروس الجزيرة , تم بناءها في
صيف 1926 على يد الفرنسيين و هي تقع على الربوة الواقعة جنوب منطقة
نصيبين العريقة التي كانت سابقاً مقبرة لنبلاء الرومان و على
الأراضي العائدة لآل نظام الدين و آل علي بك وغيرهم و سميت
بالقامشلي نسبة إلى القصب الذي ينمو على ضفاف نهر جقجق و روافده ,
قامشلي مدينة واحدة و شعوب عديدة , أرى في شعب قامشلي أسرة واحدة و
لغات عديدة , شعوب عديدة و مدينة واحدة , عادات و تقاليد متداخلة
في بعضها البعض , إنها باريس الشرق أو كما سموها سابقاً كاليفورنيا
الشرق و أنا أكن لشعب قامشلي كل الحب و الاحترام .
كما ذكرت
أنفاً , صعب لشخص واحد أن يقوم بإعداد كتاب توثيقي عن مدينة مثل
القامشلي جغرافياً و تاريخياً و اجتماعياً , لكن رغم هذه المشقة و
في الفترة الأخيرة ألفت كتابا عنها وقد طبع في أستا نبول عام
2003وحاليا تتوزع في أوروبا,وطبع نسخة ثانية في حلب عام
2004,تناولت فيه الجزيرة بشكل عام و موقع مدينة قامشلي بشكل خاص .
المحور الثالث : الشعر الكوردي :
1
_ أنت من الشعراء الكورد المعروفين في الجزيرة السورية , كيف ترى
الحركة الشعرية الكوردية ؟ أهي في انحسار أم في انبهار ؟
*
الحركة الشعرية الكوردية في الجزيرة بين مد و
جزر و هي رهينة الأوضاع الثقافية , و بشكل خاص المرتبطة بالصحف و
المجلات الكوردية لو نلقي نظرة إلى أسماء شعرائنا الأوائل أمثال :
جكرخوين و قدري جان و عثمان صبري .. سنرى أن أسمائهم لمعت عبر صحف
و مجلات البدرخانيين التي كانت تصدر في دمشق و بيروت كما ذكرنا
أنفا, لولا تلك الصحف و المجلات لما حاز أولئك الشعراء على الشهرة
التي اكتسبوها عبر نشرهم لقصائدهم بين صفحات تلك الصحف و المجلات و
اليوم نراهم قامات شامخة في سماء القصيدة الكوردية , لكن هناك بعض
الشعراء الكبار لم يحالفهم الحظ في نشر نتاجا تهم في الصحف و
المجلات الكوردية أمثال : ملا أحمد بالو و ملا نوري هساري و شيخ
أحمد شيخ صالح و غيرهم كثيرون من الملالي الذين كانوا يقرضون الشعر
و ذلك لعدم وجود الصحف و المجلات كي تحتضنهم و تبرز أسمائهم في
سماء الشهرة , و في يومنا هذا أرى الحركة الشعرية الكوردية في
الجزيرة السورية مرهونة بالصحف و المجلات الكوردية و أيضاً بطباعة
المجموعات الشعرية و كتابة النقد البناء , نرى من ناحية إن الصحف و
المجلات باللغة الكوردية في انحسار و شحيحة بصدورها كون اللغة
الكوردية ممنوعة التداول و هذا التأرجح الذي يلف الصحف و المجلات
لا يشفي غليل الشاعر , أما من ناحية طبع المجموعات الشعرية يلاقي
الشاعر صعوبات بالغة في طبع و نشر مجموعته الشعرية والأسباب معروفة
للجميع , أما من ناحية النقد و التقييم الأدبي للقصائد و المجموعات
الشعرية فإن النقد شبه غائب تماماً عن الساحة الأدبية و هذه
الصعوبات مجتمعة التي تواجه الشاعر الذي يكتب بالكوردية يحدوا به
إلى تغيير لغته الكتابية من الكوردية إلى العربية , و هنا أرى بأن
الحركة الشعرية في انحسار باستثناء قلة من الشعراء الغيورين
المثابرين على الكتابة باللغة الكوردية .
2
_ ألا تعاني كما
يعاني كثيرون أن الشعر الكوردي انحسر بعد جكرخوين و ثمة اتهام
مباشر إلى الشعر الكوردي الحديث بأنه لم
يخرج من معطف
جكرخوين بعد , و كل ما يكتبه الشعراء الكورد هو تنويع أو مجاراة
لقصائد
جكرخوين و كذلك
بالنسبة للشعر العربي في الجزيرة بأنه يقلد باستحياء قصائد سليم
بركات ؟
* جكرخوين
قامة شعرية وجدت بين الكورد في سوريا سابقاً لعهده , هذا الشاعر
الذي لم يأخذ حقه من قبل النقاد و الباحثين و الأكاديميين , كتب
جكرخوين في جميع المجالات الوطنية و الإنسانية , و كان شاعراً
ملتزماً بقضايا أمته الكوردية , كتب الشعر الكلاسيكي و التفعيلة و
الشعر النثري , و لكن سبقه في كتابة الشعر النثري د. كاميران
بدرخان و قدري جان و عثمان صبري و كانت قصيدة
Kîme Ez
على رأس قصائده النثرية و قولك ( إن الشعر الكوردي الحديث لم يخرج
من معطف جكرخوين بعد) فيها نوع من الإجحاف بحق الآخرين أمثال د .
كاميران بدرخان وجلادت بدرخان وقدري جان و عثمان صبري كما ذكرنا ,
و لست معك بل أنا ضد المقولة التي تقول:(بأن الشعر الكوردي أنحسر
بعد جكرخوين) بل أرى إن المسار الشعري الكوردي تغير تماماً بعد
رحيل جكرخوين عام 1984 و انتفض هذا المسار بقوة و دخل مرحلة جديدة
من التقدم و الازدهار و بمستويات مختلفة و يعود هذا التجدد إلى
الكرنفال الشعبي الذي رافق جنازته من أوربا حتى قامشلي هذا من
ناحية و من ناحية أخرى انتشار التعليم و المعرفة بين الشباب الكورد
في سوريا عبر المدارس و المعاهد و الجامعات العربية و تأثرهم
بالقصائد العربية الحديثة و قصائد الشعراء العالميين المترجمة إلى
اللغة العربية , لا أظن بأنهم كانوا يقتنون دواوين جكرخوين و قدري
جان و عثمان صبري في ذلك الوقت حتى يتأثروا بهم و هنا يمكنني القول
إن الشعر الكوردي الحديث لم يخرج من معطف جكرخوين فقط , بل كانت
هناك معاطف متنوعة أخرى كوردية و عربية و عالمية عبر الترجمة و
الاتهام الذي أنت بصدده ليس له وجود , أما بالنسبة للذين يقلدون
سليم بركات أرى فيهم حب الأرض و الجرأة و حب الكلمة الصادقة و حب
التطور للقصيدة العربية في الجزيرة نحو التجديد و الرقي بها في
البحث عن مكنونات النفس الخفية على شكل كلمات و طلاسم رمزية و هناك
قلة منهم أثبتوا جدارتهم في الدخول إلى عالم سليم بركات الشعري
العميق .
3
_ و إذا ذهبنا إلى أبعد من ذلك كيف ترى الشعر الكوردي الحديث في
كوردستان العراق ؟
*
قبل الانتفاضة المليونية في عام 1991 كان أسماء
بعض الشعراء من كوردستان العراق يدق أبواب آذاننا بقوة أمثال : د.
بدرخان سندي و حافظ قاضي و صبري بوتاني و هزار موكرياني و و عبد
الرحمن مزوري و شيركو بيكس و عبد الله بيشو وغيرهم, أما بعد
الانتفاضة و من خلال الثورة الثقافية المزدانة بالصحف و المجلات
الكوردية و العربية في إقليم كوردستان العراق , أصبحنا نسمع و بقوة
صرير أقلام المبدعين الذين يكتبون الشعر الكوردي الحديث أمثال :
مؤيد طيب و محسن قوجان و حسن سليفاني و سلمان كوفلي و د. عارف حيتو
وبدل رفو المزوري و شمال أكري وغيرهم كثر ... و أعتذر عن ذكر
الشعراء الكورد في مدينة السليمانية الذين ارتقوا بالحركة الشعرية
الحديثة بين أدباء سوران عبر جمعية ( روانكه ) لأنني غير مطلع
بالشكل الكافي على إبداعاتهم الشعرية الحديثة .
4
_ ماذا أضافت التجربة النقدية العربية و الكوردية في الجزيرة إلى
التجربة الشعرية العربية و الكوردية في الجزيرة ؟
*
مع إن النقد شبه غائب بين المبدعين بالكوردية
كانت أو بالعربية , فإن الأقلام النقدية التي نراها أحياناً في صدر
بعض الصحف و المجلات الجزراوية لا تتعدى حدود المدح و الإطراء من
ناحية و التهجم و التهكم من ناحية أخرى و لا فرق بين الناقد
بالكوردية أو العربية كون الرافدان ينهلان من الثقافة العربية أو
من الثقافة الغربية عبر الترجمة , أي لا اختلاف بينهما و لا يوجد
شاعر أو ناقد كوردي و هو لم يشرب من ينابيع الثقافة العربية و هنا
أقول النسيج واحد و إن اختلفت لغة الكتابة , و أرى
الإضافة التي
تسألني عنها ضئي