|
الحرب المفتعلة عن بُعد
لبنان مسرحاً أولياً.
هوشنك أوسي _ دمشق
بعد دخول حركة حماس حلبة اللعبة
الديمقراطية ومعترك صناديق
الاقتراع_ مدفوعة من الخارج_ وهي
التي كانت ترفض المشاركة في
مؤسسات السُّلطة بأي شكل من
الأشكال، ومجيئها للسُّلطة، دخلت
القضية الفلسطينية في نفق مظلم،
وباتت مكاسب الشَّعب الفلسطيني
التي حصل عليها بعد مضي نصف قرن
من الكفاح والتضحيات، على كف
عفريت. فحالة الفلتان الأمني
والتطاحن الداخلي، والعزلة
الدولية، والحصار والمأزق
الاقتصادي العميق، هي العناوين
العريضة للحال الفلسطينية
المنزلقة من سيء لأسوأ، بمعية "حماس"
والأجندة الخارجية التي تتحكَّم
بسياساتها الداخلية والخارجية
المتهورة التي أوصلت السُّلطة
الفلسطينية إلى حافة الانهيار.
خاصة، في الآونة الأخيرة، بعد
عملية "الوهم المبدد" التي نجمت
عنها أسر الجندي الإسرائيلي، وما
تلا ذلك من تبعات جد وخيمة، أدخلت
غزَّة في عين الجحيم، ما دفع
برئيس السُّلطة الوطنية
الفلسطينية محمود عباس للتلويح
بتقديم الاستقالة، وحلِّ السُّلطة،
تاركاً حماس تنعم بالخراب الذي
جرَّته على الشَّعب الفلسطيني
.
لماذا الآن...!!؟.
محاولة حماس في أسر الجندي
الإسرائيلي جاءت على شاكلة
سيناريو عمليات حزب الله
السَّابقة التي كان يتمُّ فيها
أسر جنود إسرائيليين واستبدالهم
بأسرى لبنانيين وفلسطينيين. وغني
عن البيان، إن عملية حماس كانت
بإيعاز من قيادتها في الخارج، في
وقت كانت فيه قيادة حماس في
الداخل، على وشك إبرام تفاهم مع "فتح"
بخصوص "وثيقة الأسرى" التي تنصُّ
على اعتراف غير مباشر بإسرائيل.
وجاءت هذه العملية لتزيد من
معاناة الشَّعب الفلسطيني، معيدة
التَّفاهم "الحماسوي _ الفتحاوي"
إلى ما قبل المربَّع الأول. ومع
تفاقم أزمة حماس الخانقة، دخل حزب
الله على الخط، بعملية مشابهة،
لتخفيف الضَّغط على حماس، وتشتيت
التَّركيز الإسرائيلي عليها.
وتالياً، توسيع دائرة الحرب،
لتشمل لبنان، كمسرح أولي، قد تصل
إلى سوريا أيضاً. والسؤال الذي
يطرح نفسه هنا: حزب الله يمتلك
السَّلاح والقدرة القتالية من
زمان، وكان يلوح بإجراء هكذا
عمليات عسكرية، فلماذا الآن
بالذات..!؟. أعتقد أن الإجابة
تكمن، في أن قرار الحرب والسِّلم
لدى حزب الله ذو منشأ خارجي، كحال
"حماس". وبديهي أن إشعال المنطقة
ابتداءاً من غزَّة مروراً بجنوب
لبنان، من شأنه التغطية أو تعطيل
أو نسف عدة مشاريع على وشك
الإنجاز:
أولاً، التفاهم الفلسطيني بين فتح
وحماس وباقي الفرقاء الفلسطينيين
حول وثيقة الأسرى.
ثانياً، المحكمة الدولية المعنية
بالنظر في جريمة اغتيال الحريري
التي هي قاب قوسين أو أدنى من
التشكيل. ومجرد الإيعاز بتشكيل
هذه المحكمة، هذا يعني انه ثمة
متهمين من خارج لبنان، القضاء
اللبناني عاجز عن المطالبة بهم.
كما أن المحقق الدولي براميتس صرح
أنه سيضع كل أوراقه على طاولة
المحكمة الدولية، ولن يكشف عنها
إلا في حينه.
ثالثاً، الحوار الوطني اللبناني
الذي كان بصدد مناقشة سلاح حزب
الله، ودخول الأخير تحت ضغوط
داخلية وخارجية خانقة، بغية عزله
من سلاحه، وتالياً، فقدانه لدوره
كمخفر سوري _ إيراني متقدَّم.
رابعاً، التخفيف من وطأة الضُّغوط
الدولية المتزايدة على إيران
بخصوص ملفه النووي، وما قد ينجم
عنها من قرارات أممية بخصوص تطبيق
عقوبات على إيران
.
القراءة الخاطئة
يبدو أن الداخل الإسرائيلي
متوحَّد حول قرار الحرب، أكثر من
أي وقت مضى. فضلاً عن التفهُّم
والدعم الدولي المباشر وغير
المباشر لمشروعية حرب إسرائيل
الحالية التي تتصاعد وتيرتها، ولا
يمكن التكهُّن بمدى ومدة هذه
الحرب. في وقت أن الوضع الداخلي
اللبناني هو الأكثر بلبلة
وفقداناً للإجماع حول سلاح حزب
الله، وجدوى خوض حرب بالوكالة أو
النيابة عن الآخرين. ناهيكم عن
عدم وجود التأييد العربي لهذه
الحرب التي أوقدت شرارتها حماس،
وصبَّ حزب الله الزيت عليها.
فقطبا القرار العربي "مصر
والسعودية" غير مرتاحين للمنزلق
الخطير التي باتت المنطقة عليه،
بمعية حماس وحزب الله. فقد كان
رأي السعودية في عملية حزب الله
متلخِّصاً في:" هنالك فرق بين
المقاومة والمغامرة غير المحسوبة
العواقب". بالتالي، فقراءة أصحاب
قرار الحرب الحقيقيين على إسرائيل
كانت خاطئة في، إن إسرائيل سوف
ترضخ لمطالب حماس وحزب الله، وإن
المحكمة الدولية سوف تصبح طي
النسيان أو الإهمال، وإن المجتمع
الدولي سوف يلتهي بما يجري في
المنطقة، محاولاً تطويق الأحداث،
وبالتالي، يصبح التداول حول الملف
النَّووي الإيراني في آخر سلم
اهتمامات المجتمع الدولي، ويتم
تمييع الضَّغط الدولي على إيران،
وصولاً لتخفيفه، ريثما تعلن طهران
عن امتلاكها للرادع النووي، قابلة
الطاولة على المتفاوضين. أعتقد أن
لعبة القط والفار التي تعلبها كل
من دمشق وطهران مع الشَّرعية
الدولية، قد لا تأتِ أُكلها،
وفقدت صلاحيتها. ولأنه لا يمكن
التكُّهن بالمساحة التي ستتوقَّف
عندها نيران هذه الحرب المفتعلة.
التاريخ لا يعيد نفسه
ربما كانت حسابات دمشق واصلةإلى
أن إسرائيل سوف تعيد غزوها للبنان
بسيناريو 1982، وسوف يستنجد
اللبنانيون مجدداً بالقوات
السُّورية، حينها، سيرفض
السُّوريون، بداعي التذكير بما
فعله اللبنانيون بحق الوجود
العسكري السُّوري في لبنان، غداة
اغتيال الحريري. وربما كانت دمشق
تظن أن نيران الحرب الإسرائيلية
ستبقى ضمن الحدود اللبنانية، ولن
يطالها شيء. وأن الأمريكان
واللبنانيين والفرنسيين سوف
يستجدون الحل من دمشق، حينها، أول
ما ستضعه دمشق على طاولة المقايضة،
هي المحكمة الدولية، وصولاً
لإبرام صفقة حول التخلي عنها.
وغالباً، الحسابات الرامية لإعادة
إنتاج التاريخ، كما كان في حقبة
الثمانينات والتسعينات، غير دقيقة
حالياً. وفي حال كانت صائبة،
حينها، سيعود لبنان مجدداً للعب
دور "كبش الفدى"، وستصبح إيران
أكثر خمينية، وقريباً جداً نووية،
وتدفع شعوب المنطقة ضريبة مغامرات
أنظمتها.
|