|
البحرُ وبلاغةُ الدَّم
إلى سمير قصير
هوشنك أوسي _ دمشق
سمير قصير
يسارُكَ البحرُ... ويمينكَ نهارٌ
موشَّحٌ بتراتيلِ الأرْز، على
ارتدائكَ للحِبرِ حرائقاً ناصعةَ
الوقع، وارتداءِ الحِبرِ لكَ
نهاراً عارمَ الدَّفق.
يمينُكَ البحرُ... ويسارُكَ أرْزٌ
مبتهلٌ لطيفِكَ، قادَّاً أغصانهُ
يراعاً لظلالكَ الغيورةِ على
بيروت، عاصراً رؤى الغيمِ خمائراً
حبراً، علَّه يفي غزارةَ صوتكَ
البرَّيِّ الواثقِ العبورِ من
لججِ الغبارِ صوبَ يقينِ دمِكَ.
ما أنْ دعاكَ النَّجمُ لمآدبهِ،
حتى لوَّحتَ بدمِكَ براهيناً على
أنَّكَ البحرُ المنذورُ للذَّبحِ
قرباناً لبيروت. ما أنْ توطَّدتْ
عُرى النَّهارِ وقامةُ حزنِكَ
الحرون، حتى انحنى الأرْز كليماً
على ظلِّكَ المسجَّى بخيالِ
الغارِ. أوليسَ من حقِّ البرقِ
مساءلةَ دمكَ: من أينَ لهُ هذا
الكبرياءُ الرَّخيم...؟! من أينَ
لهُ هذا اليقينُ الأبيُّ العابرُ
برازخَ الشَّكِّ مكللاً بعطرِ
الشَّهداءِ...؟!. من أيِّ نسيمٍ
خرافيٍّ يستقي انسيابهُ
البليغ...؟!.
* * *
يا صائغَ الحبرِ قلائداً للجبل،
منْ سيحاججُ بدمهِ أباطرةَ
الدَّياجيرِ السَّاطينَ على
الشَّرقِ، غيركَ...؟. من سيروي
حقولَ النَّهارِ، مُذْ أوحى
البحرُ لدمِكَ أن يمسي سماءاً
تخطُّ عليها الملائكةُ غِناءها،
أحلامها، ملامحها، مغامراتها
وأسرارها...؟!. ما منْ صائدٍ
لنيازكِ القولِ إلا سنُّ يراعكَ
المشاكس، المداهمِ لمكائدِ الغيِّ
المتربِّصِ بالأرْز...؟! فلِمَ
اخترتَ الإغفاءَ في دمعةٍ داميةٍ
تخثَّرت سيرتُها في عينِ
بيروت...؟!. لِمَ لبَّيتَ نداءَ
الملائكةِ، دونَ الالتفافِ لما
سيحرثهِ غيابُكَ الباكر في قلبِ
في بيروت...؟!.
* * *
يا عاصفاً صوتُهُ... ما أن
نَفَخَتْ أصابعُكَ في الحبر، حتى
انقادَ البحرُ لنهارِكَ المنقادِ
لطيفكَ القائد. فيا قائدَ
الحِبر... الليلُ الذي حاولَ
ابتلاعِ صوتكِ، لازالَ يبتلعنا.
الغدرُ الذي طالكَ، لازالَ
يطعننا. الحجرُ الذي خانَ جبلكَ،
لازالَ يقذفُ ويحهُ صوبنا. فأوصي
نهاركَ أنْ يظلِّلَ أنينا،
وتعالْ، لنعلنها مقاومةً أخرى في
"قلعة شقيف" كي نعيدَ مزجَ دمي
ودمكَ على مذابحَ جمالِ بيروتَ
الذي يستحقُّ أن نكونَ قرابينه.
تعالْ، فهذه المرَّة، الغزو
شماليُّ خسيس. تعالْ، فقد نصبّ
لكَ الدَّمُ الكردي في "قلعة
شقيف" كرنفالاً لحبرك المتَّقِد.
* * *
في انصياعِ البحرِ لبلاغةِ دمُكَ،
ثورةٌ للأرْز، وثأرٌ للجبلِ من
حجارتهِ التي خانتهِ. على دهشةِ
البحرِ من بلاغةِ دمكَ، غرسَ
شاعرٌ كردي خيالهُ العاصف. من
يقينِ البحرِ ببلاغةِ دمكَ،
اصطفاكَ الحِبرُ رسولاً، وبايعكَ
الوردُ إماماً، واتَّخذكَ الكلامُ
قدِّيساً. عن انبهار البحرِ من
بلاغةِ دمكَ، استقى آذار انبهاره
ببيروت. إلى عجزِ البحرِ أمامَ
بلاغةِ دمكَ، أضافتِ الآلهةُ
عجزها في سبر بلاغةَ دمِكَ...
جبالُ كردستان قالت: يا معمِّدَ
النَّارِ بصوتِهِ الدَّامي، أهلاً
بدمِكَ البليغ حزنهُ.
شهداءُ كردستان قالوا: يا كرديَّ
الحزنِ، مَقْدِسيَّ الرُّؤى،
بيروتيَّ الصَّوت، مسيحيَّ
الفداء، إسلاميَّ العزم، يهوديَّ
الخشوع، بوذيَّ الحكمة، زردشتيَّ
القلب... أهلاً بكبرياءِ روحكَ
بيننا.
10/6/2006
|