Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

عندما تكون الديمقراطية نقمة
غلطة الشَّعب الفلسطيني


هوشنك أوسي _ دمشق

تأتي الإشادة والتَّغزُّل والمديح والتَّعويل على محاسن وأفضال ونتائج الدِّيمقراطية في رأس سلم الأولويات والمطالب والبيانات والخطب والمشاريع السِّياسية للنُّظم العربية ومعارضاتها، وحتى منها المبنية على عقائد شمولية إسلامية أو علمانية يسارية أو قومية. في وقت تفتقد فيه هذه العقائد لأي إرث أو تجربة ديمقراطية تستمدُّ روحها من جوهر هاتين الأيديولوجيتين الشُّموليتين القائمتين على رفض الآخر المختلف معها. ليس هذا وحسب، بل والتَّبجُّح والمزايدة على الديمقراطية الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً، وكأنها_أي النُّظم والمعارضات العربية_ تعيش ضمن مناخ وأجواء غاية في الديمقراطية والحرِّية والتقدُّم والانتعاش. ويبقى هاجس الشُّعوب العربية خصوصاً والشَّرق أوسطية عموماً، هو مجيء الدِّيمقراطية من أين وكيف جاءت. المهم لديها، أن يحدث كسر لحالة الرَّكود والسَّكون والتَّكلِّس المسيطرة على هذه المجتمعات، والنَّاجمة عن سلطة نظمها الشُّمولية.

الصِّراع الفلسطيني _ الإسرائيلي
حالة التَّصالح المعلنة بين النُّظم العربية مع إسرائيل التي بدأت من اتفاقية "كامب ديفيد" سنة 1978 وما تلاها من "أوسلو" و"وادي عربة"...، وغير المعلنة، جعلت بقية النُّظم العربية التي تدفع القضية الفلسطينية باتجاه عقد صلح نهائي مع إسرائيل_ بأي شكل من الأشكال_ كي تعلن عن الممثليات والبعثات الدبلوماسية ومكاتب الارتباط والمكاتب الاقتصادية الإسرائيلية المنتشرة في غالبية العواصم العربية_ من المحيط للخليج_ خفية، وتخرج العلاقات العربية _ الإسرائيلية من تحت الطَّاولة إلى فوقها دون "خجل". بالنَّتيجة، لقد فقد تعبير أو شعار "الصِّراع العربي _ الإسرائيلي" مصداقيته، وبات واضحاً أنه كان صراعاً فلسطينياً _ إسرائيلياً بالنَّيابة عن الأمة العربية. والمتتبع لتاريخ الصِّراع الفلسطيني _الإسرائيلي، يخلص إلى نتيجة مفادها: إن إسرائيل ومن وراءها الغرب والأمريكان، كانت المبادرة للصلح، في فترات الضعف، لكن الجانب الفلسطيني، وبتوجيه من النُّظم العربية، كان الرافض. فلو قبل الفلسطينيون قرار التَّقسيم سنة 1948 لكانت قضية القدس الشَّرقية منتهية كعاصمة للدولة الفلسطنية حينها، ولكانت دولة فلسطين موجودة منذ ذلك الحين، ولما كانت مئات الألوف من الضَّحايا وملايين المشردين. ويمكن تلخيص السِّيناريو بالتالي: تقدم إسرائيل مشروع حل، يرفضه الجانب الفلسطيني بإيعاز من العرب، ثم يندمون ويطالبون بالعودة لذلك الحل، فترفض إسرائيل، مقدمة حلاً جديد أقل خسارة لهم من سابقه، فيرفضه الفلسطينيون، ثم يطالبون بالعودة إليه، فترفض إسرائيل، مقدمة حلاً آخر أقل من سباقه، فيُرفض...وهكذا دواليك، إلى أن وصل الانصياع الفلسطيني لشعارات والعنتريات العربية إلى ما هو عليه الآن، ليجد الشَّعب الفلسطيني نفسه وحيداً يقود الصِّراع مع إسرائيل، في حين تصالحت النُّظم العربية مع "العدو الصُّهيوني". أمَّا إسرائيل، فمنذ أن فكرت بعقد صلح مع "السَّادات"، كانت تؤسِّس لهذه المرحلة الرَّاهنة المبنية على فهم جديد لحدود إسرائيل، منافي لسبقه التقليدي.. "من الفرات إلى النيل". ويتمثَّل هذا الفهم في: " حيثما يصل المنتوج الإسرائيلي، فهناك إسرائيل. حيثما وصل رأسمال الإسرائيلي، فهي إسرائيل...". بمعنى، عولمة إسرائيل. وقد حققت ذلك، فصارت إسرائيل تجوب العالم والمنطقة العربية اقتصادياً وإعلامياً وسياسياً، في وقت مازلت النظام العربي تشكل حالة عطالة في حصول الشَّعب على المتبقِّي من المتبقِّي من فلسطين.

فشل مع سبق الإصرار والتُّرصُّد
دائماً كانت حركة "حماس" تجد نفسها في خنادق المعارضة المزدوجة. بمعنى، المعارضة لإسرائيل ولمنظمة التحرير، ولا تعترف بالاثنتين في آن. وجاءت الانتخابات التشريعية التي جعلت من "حماس" السَّلطة، واضعة "فتح" في خنادق المعارضة. فحدث انقلاب في لعب الأدوار. لكن، لا "حماس" تمتلك ثقافة سلطة، ولا "فتح" تمتلك ثقافة معارضة، لأن الأخيرة كانت تجد نفسها دوما هي المرجعية والسَّلطة الوحيدة، حتى قبل أوسلو، وتتعاطى مع الطَّيف السِّياسي الفلسطيني وفق هذا المسلك. وقد فشل الطَّرفان في الامتحان الذي خلقته اللعبة الديمقراطية في فلسطين. وبقيت ذهنية المعارضة مسيطرة على المسلك "الحماسوي"، وبقيت ذهنية السُّلطة تلقي بظلالها على المسلك "الفتحاوي"، مع فارق نسبي لصالح فتح وطنياً، على اعتبار ان حماس منقادة لأجندة خارجية إقليمية. وضمن الاحتقان والأزمة المحتدمة بين السُّلطة المعارضة والمعارضة السُّلطة، بات المجتمع الفلسطيني على وشك الانزلاق باتجاه حرب أهلية تضاف إلى معاناته ومآسيه ويلات أخرى.

غباء سياسي وحرب بالوكالة
ولا يأتي فشل "حماس" في لعب دور السُّلطة وفق الاستحقاق الانتخابي، من افتقارها لثقافة السُّلطة، وكيفية تخلُّصها من نزق المعارضة الرَّاديكالية "الإسلاموية"، ولا من أنها تُوجَّه من الخارج، وتعمل لصالح أجندة سياسية خارجية وحسب، بل لأن "حماس" لا تجيد الإمساك بخيوط اللعبة السِّياسية، وتجهل قواعدها، حتى على المستوى التنظيمي، ناهيكم على المستوى الدولي. فغني عن البيان، إن إيران هي المموِّل المادي والمعنوي الأوَّل الدَّاعم لها، ومعروف ان الأردن لا تتمتَّع بعلاقات طيبة معها، فكيف "للعقول" السِّياسية التي تدير "حماس" في الداخل والخارج، أن تعلن "الزرقاوي" (شهيداً للأمة) وهو الذي كفَّر الشِّيعة وهدر دمهم، وعبث بأمن الأردن، علاوة على سفكه لدماء العراقيين..!!؟. فليس كافياً أن يكون "الزرقاوي" معادياً للأمريكان حتى تعلنه "حماس" شهيداً للأمة، وفي هذا الوقت بالذات. فأقل ما يقال في هذا المسلك: إنه خيانة للإيرانيين واستعداء للأردن والعراقيين والأمريكان. ويظهر من مسلك "حماس" السِّياسي_في المعارضة والسُّلطة_ بأنها جعلت السَّاحة الفلسطينية ميدان حرب ليس للفلسطيني ناقة أو جَمل فيها. وهذه الحرب معروفة التَّوجيه والتَّوجُّه إقليمياً. وحال وصول التنازع الأمريكي_الإيراني لحل يرضي الطَّرفين، وينتهي الضَّغط الأمريكي على دمشق بصفقة، أبرز بنودها وقف دعمها لـ"حماس" والفصائل المعارضة لـ"أوسلو"، فسوف تتوقف حرب "حماس" ومن معها ضدَّ إسرائيل، ليجد الشَّعب الفلسطيني بأنه قد دفع لوحده فاتورة حرب خاضها بالنيابة عن المحور السُّوري_الإيراني.

التَّصويت للجحيم
لم يكن نجاح "حماس" في الانتخابات نتيجة لسيطرتها على الشَّارع الفلسطيني، بل لجملة من الأسباب لعل أهمها: ضعف وترهُّل قوى اليسار الفلسطيني تحت ضغط "فتح" التي كانت تخلق حالة ممانعة لظهور أيَّة قوة منافسة لها على قيادة الشَّعب الفلسطيني. فالأصوات التي ذهبت من صناديق "فتح" إلى صناديق "حماس" في العملية الديمقراطية التي خيَّمت على الانتخابات الفلسطينية، كان معظمها أصوات "فتحاوية"، ليس حبَّاً في "حماس" بل كرهاً بالفساد الذي تتحمَّل مسؤوليته "فتح"، وعقاباً للأخيرة. لكن، الذي حدث أن المواطن الفلسطيني بات يحنُّ لأيام الماضي القريب. فمع وجود الفساد، كان هنالك رواتب وحركة اقتصاد وعلاقات سياسية طيبة مع المحيط العربي والعالمي. بمعنى، كان هنالك نمط مقبول من المعيشة الكريمة، وحضور سياسي إقليمياً ودولياً. أمَّا الآن، فمجتمع على شفير كارثة إنسانية وحرب داخلية، وسلطة معزولة عربياً وإقليمياً ودولياً. ومن شأن هذا الوضع أن يودي بنتاج 50 سنة من النِّضال والدَّم والفلسطيني إلى الهاوية. ولعل أهم مفرزات هذه الحالة، هو خلق المبرر لـ"أولمرت" بأن يكسب الدعم والمشروعية والغطاء الدولي ليسير باتجاه تطبيق خططه الأحادية الجانب. لعدم وجود الشريك الفلسطيني المشغول في الاقتتال الداخلي والأزمات الداخلية والخارجية التي أزكتها حركة "حماس" بإصرارها على سياساتها "الوطنية القومية". والنتيجة، تحديد الحدود الجغرافية لإسرائيل، بمباركة دولية. وحينها، أي صاروخ "حماسوي" باتجاه إسرائيل، سيعتبر إعتداء دولة مستقلة على دولة مستقلة. وبصرف النظر عن أن أي رد إسرائيلي ونتائجه، سيكون من باب الدفاع المشروع عن النفس دولياً، وستظهر إسرائيل بمظهر الضَّحيَّة المعتدى عليها. وبناءاً عليه، سوف تتعرَّض فلسطين إلى نظام عقوبات دولية، حتى تكفَّ عن هذا المسلك، حيث ستفقد المقاومة الفلسطينية مشروعيتها وطنياً وإقليمياً ودولياً.

عضُّ الأصابع ندماً
ما كان ينتظره الفلسطينيون من الديمقراطية والانتخابات أن يتَّجه الحال الفلسطينية نحو الأفضل. لكن، الديمقراطية أفضت لحالة كارثية اقتصادياً وسياسياً وأمنياً واجتماعياً، بمعية الديمقراطية التي أوصلت "حماس" للسُّلطة. وعندما تطالب السلطة الحالة بالتقيُّد والالتزام بالاتفاقيات والتَّعهدات الفلسطينية السَّابقة، فأنها ترفض. وفي حال السعي لردعها وتنبيهها لخطورة هذا الرفض وتبعاته وطنياً ودولياً، ترد "حماس" : "يجب أن تحترموا خيار الشَّعب الفلسطيني في العملية الانتخابية الديمقراطية...". وهذا الرَّد، هو "كلمة حق، يُراد به باطل". وإذا كانت "حماس" واثقة من ثقلها الجماهيري بعد الانتخابات وأنها تمسك بدفة الشَّارع الفلسطيني، لوافقت على الاستفتاء على "ورقة الأسرى" التي تصرُّ "فتح" عليها، لأن الأخيرة تعلم تماماً بأن الاستفتاء سيكون لصالحها. لأن الشَّعب الفلسطيني عرف فداحة وكارثية غلطته حين صوَّت للجحيم، ولم يصوِّت للفساد. وبات يعضُّ أصابعه ندماً على خياره الانتخابي الديمقراطي. واكتشف متأخِّراً بأن الديمقراطية التي طحنت ألمانيا بإتيانها اـ"هتلر" للسُّلطة، هي نفسها الديمقراطية التي تطحن الشَّعب الفلسطيني التي أتت بـ"حماس" للسُّلطة.

الخيار الأصعب
والشَّعب الفلسطيني أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما، إمَّا تحمُّل جحيم "حماس" عوضاً عن فساد "فتح"، أو إسقاط السُّلطة التي انتخبها. إن لم يحدث طارئ تاريخي يدفع بـ"حماس" نحو الفهم الواقعي للممارسة السُّلطة والفعل السِّياسي بأنه فن الممكن. أو أن تبقى رهينة أجندة خارجية، مما قد يضطرُّ بمحمود عباس بأن يحلَّ السُّلطة، ويعلن حالة الطوارئ، داعياً لانتخابات جديدة مبكِّرة. لأن الوضع الفلسطيني لا ولن يحتمل البقاء في هذا الجحيم، ريثما تنتهي ولاية "حماس" التي تخوِّلها البقاء في السُّلطة.

 

 

 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE