Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

هذه بيروت وليست دمشق...!!.

هوشنك أوسي _ دمشق

ليس دائماً، يبقى مسقط رأس المرء، أحبَّ الأماكن إلى قبله. ثمَّة أمكنة تلقي بظلالها على ذاكرة ومخيال زائريها، وتشغلُ حيّزاً من التَّأثير على ارتباطهم وتواشجهم معها، قد يفوق أو يتجاوز انتمائهم الأصل للمكان الأوَّل، فيتمنَّون لو كان هذا المكان هو وطنهم الأوَّل وليس الثَّاني. وهكذا بيروت، تحفة الشَّرق وجبهته، التي أبدعها البحر والجبل والأرز أيقونةً للجمال. فيستحيل على زائرها عدم السُّقوط في شِراك هواها والولع بها. لك، هاي بيروت يا عمِّي...بيروت... آسِرةُ وشاغلةُ الشُّعراء والفنَّانين والمثقَّفين إلى درجة الهوس. بيروت، التي إن سقط التَّاريخ، تبقى هي شامخةً كأرزها، حنونةً كبحرها، شفَّافةً وعذبةً كينابيع جبالها، أبيَّةً كأحرارها، مضحِّيةً كشهدائها. حالياً، تتعرَّض لحملة تشويه وتضليل شرسة مسعورة من قبل حماة "عرين العروبة"، تستهدفها في صَّميم ماضيها وحاضرها ومستقبلها، عبر تصوريها على أنها "العاصمة العربية الخائنة المارقة عن العروبة، والمتحالفة مع الأمريكي والصُّهيوني ضدَّ الأمَّة العربية. وأنها ملتقى الخونة والمتآمرين على العروبة. وأنها حانة للبغاء والعهر والدَّعارة...". لمجرَّد أن بيروت لفظتهم، ورفضت أن تكون مكب لنفايات الاستبداد والفساد العربي، وظلَّت متصالحة مع عراقتها الحضارية والسَّياسية والثقَّافية والإعلامية.

في الشَّام، لماذا عيني المواطن السُّوري متَّجهة دَوماً صوب بيروت، ويسأل نفسه...؟!. لماذا الخبز اللبناني أطيب من الخبز هنا..؟! لماذا كلما طلبنا داوءاً فعَّالاً من الصَّيدلاني، يردُّ الأخير: خلال أيام سيأتيني من بيروت..؟! لماذا الجرائد البيروتية أكثر من جرائدنا..؟! ولماذا صفحاتها أكثر من صفحات جرائدنا..؟! ولماذا نجد فيها أخبار سوريا أكثر مما نجده في جرائد الشَّام..؟! لماذا الإعلام المرئي والمسموع اللبناني هو أهم وأشمل وأكثر حرية من إعلامنا، هذا، إن كان لدينا إعلام أصلاً..؟! لماذا يوجد في بيروت انتخابات حرَّة وبرلمان حرّ، وحكومة حقيقية ومعارضة حقيقية، ولا يوجد في الشَّام مثلمها..؟! لماذا البضاعة الاستهلاكية والسَّياسية والثَّقافية والإعلامية البيروتية سليمة وصحِّية، والبضاعة الاستهلاكية والسَّياسية والثَّقافية والإعلامية الشَّامية مغشوشة وفاسدة وفاقدة لصلاحيتها منذ عقود..؟!. ثمَّ يخلصُ السَّائل إلى جواب مختصر هو : يا عمِّي، شو بدَّك بالحكي... هاي بيروت مانا دمشق. لو عرفت سر، ليش الخبز اللبناني أطيب من الخبز الشَّامي، لفهمت كيفية فك شيفرة: هاي بيروت مانا دمشق.

في بيروت، يجري الحديث عن مواضيع، ممنوع على المواطن السُّوري التَّحدث عنها بتاتاً، ابتداءاً من مشاهدة مونديال 2006 وصولاً لخلع رئيس الجمهورية، مروراً بـ" طاولة حوار وطني، حرية الإعلام، سلاح المقاومة، معارضة، موالاة، أكثرية، أقليَّة، شرعية المقاومة، تحرير الأراضي المحتلة، قرارات أممية، رأي عام...". أمَّا على الطَّرف المقابل، يجري الحديث في الشَّام عن: "هل سيتهمنا بريمتس كسلفه ميليس..؟ هل عنتريات خدَّام والبيانوني تستند على أرضية حقيقية أم وهمية..؟ هل عنتريات النِّظام في مواجهة التَّحديات والمخاطر الخارجية التي يشتد وطأتها على خِناق البلد، في مكانها وتستند أرضية صُلبة من الدَّعم العربي والدُّولي..؟! ودائماً يسأل المواطن السُّوري نفسه: هل سأمضي هذه الليلة في بيتي، وأبقى بمنأى عن الاعتقال..؟!. ويبقى الجواب على هذه الأسئلة محصوراً في العبارة الآنفة: لك يا عمِّي...شو بدَّك بالحكي، هاي بيروت مانا دمشق.

لقد أصبح تعبير "سقوط بغداد" دارجاً ورائجاً في سياق التناولات الإعلامية السِّياسية والفكرية للمخاطر التي تستهدف الأمَّة العربية، إلى درجة بات هذا التَّعبير مرادفاً لتعبيرين سابقين هما: "نكبة 1948" و"نكسة 1967". وكلا التَّعبيرين، فيها من التَّضليل ما فيهما، وهما هروب أعمى إلى الأمام، وعدم إقرار بالهزيمة السَّاحقة التي استوطنت وجدان والضَّمير السِّياسي والثَّقافي العربي، فسمِّيت الهزيمة بالنَّكبة والنَّكسة. بغداد، لم ولن تسقط، إنما إحدى حلقات النِّظام العربي الفاشل، الأكثر قمعاً ودمويةً هي التي سقطت، بشكل دراماتيكي يشهد له التّأريخ. بيروت أيضاً، عندما ابتلعها الغزو الإسرائيلي في 1982 لم تسقط. وبقي الخبز اللبناني محافظاً على طعمه، وبقيت الصَّحافة البيروتية محافظة على نكهتها، وملتقى الأحرار، تحت الاحتلال الإسرائيلي. وما أدراكم ما هو الاحتلال الإسرائيلي..؟!. لكن، ومع منتهى الأسف والمرارة، دمشق ساقطة تحت نير الفساد والاستبداد، قبل أن تطأها جزمة الأجنبي، لا سمح الله. فمتى تصبح دمشق كبيروت، أم ستبقى دمشق هي دمشق، كما بقيت بيروت هي بيروت...؟!.





 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE