|

لقد
أصبحت قضية حقوق الإنسان
من أهم القضايا على جميع
المحاور والمجالات، ومع
المتغيّرات الدولية التي
حدثت في القرن الواحد
والعشرين ازداد التركيز
على حقوق الإنسان، والتي
أصبحت جزءا من القانون
الدولي بوجود أكثر من مئة
معاهدة واتفاقية وعهود
دولية صادقت عليها معظم
دول العالم، بحيث أصبحت
تلك المواثيق بمثابة
المرجعية الدولية لحقوق
الإنسان. وأنشأت الأمم
المتحدة آليات لمراقبة
تنفيذها، وبذلك ارتقت تلك
الحقوق الإنسانية من
المحلية إلى العالمية،
ولتصبح مستمدة من روح
الأديان السماوية وجزءا
من قيم التراث الإنساني
والحضاري.
ولكن
حينما ننظر في المجتمعات
العربية نجد أنها تسير في
طريق آخر غير الذي
ذكرناه. وذلك من ارتكاب
السلطات الحاكمة فيها
لأبشع أنواع الانتهاك بحق
الكائن البشري. وتؤكّد
المعطيات على الأرض
والمنظمات العاملة في
مجال حقوق الإنسان، أن
الأنظمة الديكتاتورية
تقوم بترويج ثقافة
استبدادية لا تساعد أبدا
على التقدم الحضاري
للمجتمع، وتحافظ بذلك على
مصالحها الأنانية في
السلطة ونهب ثروات
البلاد.
والحقيقة، أن استمرار
السلطات الحاكمة بالدولة
في مسيرة الانتهاكات بحق
الإنسان في المجتمعات
الشرق أوسطية يدلّ على
أنّ مستوى حالة حقوق
الإنسان في العالم
العربي، وتمتع الفرد
بحقوقه السياسية والمدنية
والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية في المستويات
الدنيا.
وهنا،
علينا أن نشخّص الحالة
والمرض لأجل وقف نزيف
الانتهاك وبلورة مجتمع حر
ديمقراطي. والمعروف أنه
لا يمكن تحقيق المساواة
بين المواطنين إلا في ظل
مجتمعات ديمقراطية، أي
الدولة الديمقراطية،
ويمكن وصفها بالدولة
المدنية. فالمجتمع المدني
بمفهومه الواسع، يعني
العلاقة ما بين الدولة
والمجتمع والسوق، أي
المجتمع الذي يمكن فيه
تنظيم العلاقة بين الدولة
والمواطنين على أساس
القانون. وهذا نقيض
للمجتمع العسكري الأمني،
وأيضا المجتمعات القبلية
والعنصرية. وذلك سيخلق
حالة من الاصطدام بين هذه
الأفكارالصحية وثقافة
الأنظمة الشمولية
التوتاليتارية، ( كالنظام
السوري
نموذجا).
ومن
هنا، كان على المثقفين
السوريين ونشطاء السياسة
والرأي، التفكير ببناء
مجتمع مدني
يعيد
الاعتبار للمواطن، وذلك
بنشر ثقافة حقوقية مدنية
قائمة على المساواة
والعدالة والحرية،
والاعتراف بالآخر
والاحتكام إلى القانون
وحل الخلافات بالطرق
السلمية.
فالمجتمع السوري المتنوع
بطوائفه وإثنياته، يصبح
متساويا تحت ظل الدولة
المدنية القانونية. طبعا
النظام البعثي في سوريا
سيقف، وما زال أمام كل ما
يخدم حقوق الإنسان السوري
وحرياته، وذلك تحت حجج
وهمية تسويقية ومخادعة
مثل (الضغوط الخارجية-
الصراع العربي
الإسرائيلي- أن سورية
دولة مواجهة ضد أميركا)
وغيرها من الشعارات
الحماسية الضالة.
يعتبر
النظام السوري من الأنظمة
السبّاقة للتوقيع والدخول
في معاهدات دولية خاصة
بحقوق الإنسان، لكن
الحقيقة غير ذلك، لأن
سورية البلد الوحيد في
العالم العربي الذي لا
تتوافر فيه أدنى مستويات
الحقوق والحريات باستثناء
حقي( الولاء والصمت).
فالمواطن السوري مغيّب عن
السلطة وعن صناعة القرار
والحياة السياسية، وعن
استثمار ثروات الوطن أو
التعبير عن آرائه بحرية،
كذلك عدم وجود صحافة
مستقلة ونزيهة، ووسائل
إعلام خاصة تستطيع ممارسة
حرية التعبير، وليس من حق
المواطن اختيار ممثليه في
البرلمان بحرية وإرادة،
أو انتخاب رئيس الجمهورية
حسب قناعاته ورؤيته. وكل
من يحاول التفكير
بالمعارضة يكون مصيره
الاعتقال والسجن.
وهذا
ما لمسناه من خلال اغتيال
نفحات نحو الديمقراطية
ودولة المؤسسات المتمثلة
بـ ( ربيع دمشق- منتدى
الأتاسي- موقّعي إعلان
دمشق بيروت )، ووضع جميع
النشطاء في السجون. كذلك
ما زال النظام يمارس
سياسته العميقة في
الاستبداد تجاه أبناء
الشعب الكردي في سوريا
وحرمانه من جميع حقوقه
المشروعة، فهو لا يعترف
بوجوده القومي والإنساني
حتى في الدستور، ولم يضع
حلاّ لأي مشكلة كردية:
(
قضية الأكراد المجردين من
الجنسية السورية بموجب
الإحصاء العنصري لعام
1962 الحزام العربي
1973 وبناء مستوطنات
عربية ضمن أراضي الفلاحين
الكرد- تعريب القرى
الكردية وسكانها- حقوق
المواطنة- تعويض الكرد
ممن قتلوا تحت التعذيب
على أيدي المخابرات
السورية اللغة والثقافة
الكردية)، وغيرها من
المشاكل الكثيرة، أي
أنها تهرب من حل القضية
الكردية حلا ديمقراطيا
وعادلا، رغم تفجّر الوضع
في المناطق الكردية
ليتحول لانتفاضة عارمة (
انتفاضة 12آذار) وقفت
بعفوية في وجه آلة القمع
والاستبداد، ودعت الحركة
الكردية إلى التغيير
والحريات وإشاعة القانون
وتبييض السجون من النشطاء
ومعتقلي الرأي، وبناء
دولة المؤسسات، وحل جميع
القضايا بما فيها القضية
الكردية على أساس عادل
وديمقراطي، وهنا كانت
الثورة.. ثورة الحريات
وحقوق الإنسان والتغيير
نحو المجتمع المدني الحر
بأبجدية كردية تحتوي جميع
حدود الوطن سوريا، وهذا
ما دفع الأستاذ هيثم مناع
ليقول( إن رياح
الديمقراطية والتغيير في
سوريا ستهب من القامشلي
).
من
المعروف أن الاعتراف
بالكرامة الإنسانية
وحقوقها هو أساس العدل
والمساواة بين جميع البشر
في العالم، كما أنه من
الضروري أن يكون القانون
هو الحامي لحقوق الإنسان،
حتى لا يضطر المرء إلى
التمرد على الظلم
والاستبداد، فالناس
يولدون أحرارا متساويين
في الكرامة والحقوق
(المادة 1 من الإعلان
العالمي لحقوق الإنسان).
كما
جاء في المادة الثانية
أيضا( لكل إنسان حق
التمتع بكافة الحقوق
والحريات الواردة في هذا
الإعلان دون تمييز بسبب
العنصر أو اللون أو الجنس
أو اللغة أو الدين أو
الرأي السياسي أو أي رأي
آخر أو الأصل الوطني أو
الاجتماعي أو الثروة أو
الميلاد وأي وضع آخر دون
تفرقة بين الرجال
والنساء).
إذاً،
فلكل شخص أينما وجد الحق
في أن يعترف بشخصيته
القانونية ( المادة6 ).
كما منعت المادة الخامسة
تعريض أي إنسان للتعذيب
أو العقوبات القاسية أو
المعاملة السيئة أو
الوحشية. وأضافت المادة
التاسعة على عدم جواز
القبض على أي إنسان أو
حجزه أو نفيه بصورة
تعسفية، كما أن لكل شخص
حق التمتع بجنسية ما، ولا
يجوز حرمان شخص من جنسيته
تعسفا أو إنكار حقه في
تغييرها(المادة 15).
كما
أن حقوق الأشخاص مصونة في
التملك، سواء بمفرده أو
بالاشتراك مع غيره، ولا
يجوز تجريد أحد من ملكه
تعسفا (المادة17 من
الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان).
لكن
يؤسفنا أن جميع هذه
الحقوق والحريات تنتفي
وتُنتهك في المجتمع
السوري أمام سطوة
واستبداد النظام البعثي
السوري، الذي لا يسعى سوى
إلى كتم الحريات
ومصادرتها ونهب جميع
خيرات الوطن، والركض
حثيثا باتجاه سياسة
الحفاظ على السلطة
وإرضاءالدول الكبرى وخاصة
أميركا، بما يتوافق مع
ديكتاتوريتها ونزعتها
الفردية من جهة، وفي سبيل
ديمومة الاستبداد، كما
تفعل الآن
بعض الأنظمة
العربية على حساب كرامة
وحرية وحقوق المواطن.
إن
الاعتراف بجميع الحقوق
الأساسية بشكل طوعي، التي
جاءت في الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان وفي
الوثيقة الخاصة بالعهد
الدولي المتعلقة بالحقوق
المدنية والسياسية، وفي
جميع المعاهدات الخاصة
بحقوق الإنسان، التي
اعتمدتها الأمم المتحدة
لصون كرامة الكائن
البشري، لهي إحدى مظاهر
وسمات المجتمع المدني،
الذي يقوم على أساس
الخضوع للقانون وحماية أي
متضرر من انتهاك حقوقه
الأساسية، كما أنّ من
مظاهر المجتمع المدني
الذي يقوم على
الديمقراطية هي التعددية
القومية، وإقرار حقوق
الأقليات الأثنية
والتعددية الدينية
والمذهبية والسياسية
والثقافية، إلى جانب
احترام حقوق المرأة
وتفعيل دورها الإنساني في
الدولة والمجتمع.
وفي
ظل المناخ السياسي الشائك
وموجات الضغوط التي يتعرض
لها النظام السوري،
والعزلة الدولية
والإقليمية التي وضع نفسه
فيها بعنجهيته وسياساته
البهلوانية، وتدخله
السافر في الشؤون
اللبنانية من خلال
الموالاة، من "حزب الله"
وحركة أمل وبعض المسيحيين
والدروز، وكذلك التدخل في
شؤون المنظمات
الفلسطينية، ولعبه
المكشوف بالورقة
العراقية، وولائه المطلق
لنظام الملالي في إيران.
إضافة لجهوده الحثيثة في
المقايضة السياسية
الرخيصة مع الولايات
المتحدة الأميركية،
والقبول بالسلام مع
إسرائيل دون شروط، وتقديم
تنازلات في سبيل الحفاظ
على مؤسسته العسكرية
القمعية.
إن كل
ما سبق، هي مؤشرات ودلائل
أجهضت كل المراهنات في أن
يقوم النظام بالإصلاح
والتغيير داخل المجتمع
السوري. وفي الحقيقة، إن
وعود ه بالإصلاح عبارة عن
حقن مورفين يهدئ بها
المعارضة في أشد لحظات
ضعفه، وما زاد من فقدان
الثقة واتساع الفجوة بين
قوى المعارضة السورية
والنظام البعثي هو تراجع
احترام حقوق الإنسان
والحريات الأساسية بشكل
رهيب ليكون عاما 2006-2007
عامين
أسودين
في
تاريخ المؤسسة الأمنية،
فلا حديث عن أية بوادر
تخص الإصلاح مع استمرار
النهج الأمني القمعي بحق
النشطاء ودعاة التغيير،
مما زاد من سوء الحالة
الاقتصادية في ظل سريان
حالة الطوارئ والأحكام
العرفية، والفساد
السرطاني المدعوم من جهات
أمنية متحكّمة داخل
القيادة السورية، وأيضا
بقاء العمل بعقوبة
الإعدام والاعتقال
السياسي، وعمليات التعذيب
لدى الأجهزة الأمنية
وأقسام الشرطة، واستمرر
العمل بالأحكام والقوانين
الاستثنائية، وخاصة محكمة
أمن الدولة العليا غير
القانونية، وقمع جميع
أشكال التظاهر بأساليب
وحشية، كان آخرها في ذكرى
اليوم العالمي لحقوق
الإنسان
2006،
حين تعرض المتظاهرون في
مدينة القامشلي ومن بينهم
قيادات كردية معارضة
للضرب والاعتداء
والإرهاب.
ما
يؤسف، أنه وخلال سنتين
تراجعت قوى المعارضة
السورية ومنظمات المجتمع
المدني وحقوق الإنسان عن
القيام بواجباتها داخل
الوطن، وفقدانها الثقة
بالنفس لأسباب مالية
أحيانا ولاختراقات أمنية
إلى داخلها، سببّت بظهور
بوادر الشقاق والخلاف،
وأيضا وقوعها في شرك
وأفكار النظام، حين قرر
البعض أن يقف إلى جانب
النظام في مواجهة الضغوط
الخارجية، متناسية أن
النظام هو من جلب تلك
الضغوط ووضع نفسه وسورية
وشعبها تحت رحمتها، بسبب
أخطائه وأنانيته في
الحفاظ على المملكة
الأمنية العسكرية، ودون
أية مراعاة للشعب السوري
أو إشراكه في السلطة.
المخجل في ذكرى حقوق
الإنسان، أن لا نجد أي
نشاط لقوى المعارضة
السورية أحزابا ومؤسسات
ومنظمات، وتكتفي بإصدار
بيان يتيم، في حين كانت
لجنة التنسيق الكردية(حزب
يكيتي الكردي- آزادي-
تيار المستقبل) ومنظمة
ماف لحقوق الإنسان واتحاد
الشباب الكرد تقف في
شوارع القامشلي أمام
هراوات البوليس السوري
وجميع فروع المخابرات
وكذلك في جامعة حلب،
ولتصر على الاحتفال بهذه
الذكرى، ونجحت في ذلك،
علما أنها دعت جميع القوى
الديمقراطية المعارضة
للمشاركة بهذه
الفعالية!!!
وفي هذا العام 2007 شهدنا
الوضع نفسه، وخرجت قوى
كردية فقط كتعبير عن
استيائها واستنكارها
لاضطهاد الإنسان في سوريا
وهي (يكيتي- تيار
المستقبل- اليسار الكردي)
واعتقال أكثر من ثمانين
متظاهرا، بينهم قيادات
وكوادر سياسية مهمة!!
إن
قوى المعارضة السورية
وجميع منظمات حقوق
الإنسان ما زالت أسيرة
الماضي الأسود، ولم تتخلص
بعد من ثقافة الخوف التي
نشرها البعث في أرجاء
الوطن، وترسم لنفسها سقفا
نضاليا وأنشطة حقوقية
ومدنية يجب أن لا تتجاوز
الخطوط الحمراء للسلطة
الحاكمة، وهنا المأساة
والضعف بذاته، وقد كان
المناضل والمعتقل الأستاذ
ميشيل كيلو يردد دوما، أن
المعارضة السورية الوطنية
لا يمكنها أن تتجاوز
السقف الذي حدده النظام
لها مسبقا، وهذه إحدى
المعضلات التي تواجه بناء
مجتمع مدني حر، ونشر
ثقافة إنسانية جريئة داخل
مجتمع تسوده مفاهيم من
الصمت والخوف، والقبول
بالأمل في النظام بكل
آثامه وأمراضه وأوساخه
السياسية والاجتماعية
والفكرية.
إن
النظام لا يتوانى أبدا في
تسخير كل ما تملكه
المعارضة ومؤسسات المجتمع
المدني لأجل خدمة مصالحه،
مثلا بعد إخراجه من لبنان
بذلك الشكل المهين
واعترافه بأخطائه هناك
بحق الشعب اللبناني، يأتي
ويطالب الشعب السوري
ودعاة الديمقراطية
بالتكاتف والوحدة الوطنية
ومواجهة كل الضغوط
الدولية، ونجده في الجانب
الآخر يقمع ويعتقل ويصادر
الحريات والحقوق ولقمة
العيش كما فعل بموقع& |