|

هيفاء زنكنة
لوحة حلبجة للفنان
التشكيلي
عمر حمدي
ppيوم السابع عشر من آذار (مارس) عام 1988، تم القاء القنابل
الكيمياوية علي مدينة حلبجة الواقعة علي مبعدة 260 كيلومترا شمال شرق
بغداد. بعد فترة وجيزة، لاح مشهد المدينة منقطا بالجثث. ممددون علي
الارض احتضن افراد كل عائلة بعضهم بعضا. حملت النساء اطفالهن الجامدين،
وقد أخذن علي حين غرة بالموت الرهيب. وجوه الاطفال الخالية من الريبة
والشك، كانت داكنة بتأثير الغازات السامة.ppp
واذ هزت الصور الملتقطة للمدينة المنكوبة العالم، أصبنا بالذهول لما حل
بأهلنا. لما حل بسكان حلبجة المدنيين. وتلت الاحاسيس الاولي الرغبة
بالتعبير عن المشاعر المختلطة في اعماقنا من غضب ومرارة وعجز واستنكار
وادانة وحتي اعلان البراءة من كل من ساهم في ارتكاب الجريمة المروعة.
كنا مجموعة من الكتاب والفنانين العراقيين والعرب المنتشرين نفيا في
بلدان عديدة، المنفيين، أحيانا، في بلداننا نفسها. أردنا في الذكري
السنوية الاولي للمأساة ان نوثق ولو بشكل رمزي ادانتنا للجريمة، ان
نحافظ علي ذكري حلبجة حية في كتاباتنا ورسومنا، وان نكسر أسوار الصمت
الرسمي المحيطة بالمجزرة . فأصدرنا كتاب حلبجة في آذار (مارس) 1989.
تضمن الكتاب قصائد ونصوصا أدبية وصورا وتخطيطات فنية وشهادات وقائمة
بأسماء عشرات الكتاب والفنانين والشعراء الذين دانوا الجريمة النكراء.
ولو كان بامكاننا ان نتصل بآخرين، في حينه، لضمت القائمة الآلاف.
في المقدمة كتبت: كان الصباح باردا وصاحيا مثل كل صباحات بداية الربيع
في حلبجة. قطرات الندي تغسل الاعشاب، العرائش، الاشجار والملابس
المعلقة علي حبال تمتد بعيدا خارج البيوت. ندف الثلج تتناثر بخفة كأنما
أحست بانتهاء موسمها، تنظر الي الجبال تتجرد شيئا فشيئا من ثيابها
الشتوية، من ثلوجها كأنها تفتح ذراعيها لاحتضان الزنابق والبنفسج
والنرجس كأنها ستتحول الي سجاجيد زاهية الالوان يفوح شذاها في الهواء
علي مبعدة أميال وأميال.
كان الصباح صاحيا باردا في حلبجة حين مرت سحابة داكنة من السموم رصدت
الناس في البيوت والمدارس والطرق فتساقطت أوراق الاشجار، شاخت أبصال
البنفسج والنرجس.
خلال ساعات صارت الجبال جرداء كأنما هاجمتها قطعان ماعز جائعة منذ
عشرات السنين فاجتثت حياتها من الجذور.
انه الموسم نفسه . موسم الربيع كما يعرفه أهل حلبجة كل عام. انه الموسم
نفسه كما لن يعرفه السكان مرة أخري. جف النسغ في عروق النباتات وسمعت
صخور الجبال أنين الاشجار غير انها لم تسمع أنين الانسان، فتهامست فيما
بينها: هذا موت جديد. خبتت أصوات الناس. خبا ضجيج المدينة. ساد الهدوء.
صمت. سكون. حامت رائحة الغاز فوق الوديان والجبال. يقولون مات في حلبجة
عشرة آلاف شخص يقولون مات خمسة آلاف شخص. نقول خلال دقائق قتل في حلبجة
رسول وبيروز وأحمد وخديجة وكاكه حمه وئازاد وآمنه ونوزاد وسردار ...
و... .
كان ما أردت ان أقوله في المقدمة بديهيا وبسيطا، ازددت قناعة به بمرور
الوقت، وهو ان لكل فرد مهما كانت قوميته او دينه، مهما كان لونه او
جنسه، حياته الثمينة التي لا تعوض وانسانيته التي يجب احترامها وذكراه
التي يتوجب علينا صيانتها. ومن واجبنا الاخلاقي كمثقفين، ألا نقع في
مطب تحويل الضحايا الي أرقام تستخدم في مزايدات سياسية قد تجرنا، يوما
ما، الي تكرار الاثم نفسه. كانت مساهمات الكتاب والشعراء والفنانين،
غنية بتثمين الحياة الانسانية وادانة قتل الضحايا المدنيين وتشبيه
جريمة قتلهم بالجرائم الامريكية في فيتنام وهيروشيما.
في مساهمته المعنونة الأقليات كتب الطاهر بن جلون: اذا امكن وضع رسالة
في فن العيش المشترك، فهي ستبدأ بتعليمنا كيفية الكشف عن الثراء في
الاختلاف وقبوله باعتباره مكونا لهويتنا نفسها بالذات. لا يتعلق الأمر
بإلغاء الآخر، وانما بأن أجعل منه شريكا يثريني وأثريه . وفي براءة الي
أطفال كردستان كتب الراحل هادي العلوي: ايها الطفل الكردي المحترق
بالغاز في قريته الصغيرة، علي فراشه أو في ساحة لعبه، هذه براءتي من
دمك أقدمها لك. معاهدا اياك ألا أشرب نخب الامجاد الوهمية لجيوش العصر
الحجري... اقبلها مني ايها المغدور فهي براءتي اليك من هويتي .
والي اولمبياد الله اهدي سليم بركات قصيدته مهاباد ، بينما اختتم لؤي
عبد الاله عيد الاحياء بقوله: ما يجعل الجريمة بشعة حتي النخاع هو تعنت
القاتل بأن آخر غيره قد ارتكب جريمته، رغم شهادة السكين ( اداة القتل)
ويديه، وساقيه، وعينيه ضده. وما يجعلنا في موقع ذلك القاتل سكوتنا
المتواصل علي جرائمه .
وفي ورقة الي شيرين الكردية يأخذنا كاظم جهاد من دير ياسين الي حلبجة
مرورا بصبرا وشاتيلا. أما في الاغنية السابعة من سبع أغان الي حلبجة
لصلاح عبد اللطيف فاننا نصغي: أرجو ان تسمعيني رغم كل أوجاعك، نشطي
حاسة السمع رجاء: انني اتبرأ من الطيار الذي زارك تلك الظهيرة الآذارية،
اتبرأ منه وممن كان معه ومن أولي امره وممن والاه. بذلك وحده، ربما،
نستطيع التخلص، نحن، ابناء الأمة الظالمة، من مذاق المرارة الذي ينهش
ضميرنا .
ويقارن جمعة الحلفي ما بين فيتنام وحلبجة في هل أفاق العالم علي هول
المجزرة؟ كاتبا: انه ذات المشهد: فجأة تبدأ الاصوات بالاقتراب، أصوات
تشبه الرعد، ثم تنقض طائرات الهليكوبتر الامريكية، مثل حيوانات خرافية،
علي القرية الفيتنامية، أزيز الرصاص يلعلع في السماء.. هدير الطائرات
يصم الآذان، القنابل الفسفورية تحرق الارض فتحيلها الي جحيم .
وبألم مرير يتحسر الراحل غائب طعمة فرمان آه، ما أقسي ان يلقي افراد
شعب مصرعهم الغادر في أراضيهم، ومواطنهم ويهب الضمير الانساني لحظة ثم
يعود الي سباته . شعرا شارك الراحل شريف الربيعي بأبيات مختارة: غامر
حبك يا فجر المناحات أغثنا ـ إننا نحفظ في العمرين تاريخ البكاء ـ
علمتنا كربلاء، الذنب، والدمع، وآثام الولادة ـ والعراق ـ علم الاحلام
ان تصبح للحزن وسادة .
وكان الشاعر سعدي يوسف من اوائل من أدانوا جريمة حلبجة فنشر قصيدة سلاح
كيمياوي ، بعد اسبوع من الحدث، وهي: كان أكراد آذار في هدأة المستحيل ـ
الثياب ربيعية ـ والوجوه ربيعية ـ والمغني قتيل.
الغيوم التي هبطت خردلا اسود ـ في الرئات ـ الغيوم التي ربطت عقدة
الموت حول الصباح الجميل ـ الغيوم التي خثرت دم أطفالنا ـ والغيوم التي
خمرت خبز ابليس في حدقات الاصيل.
هل تراها ستعبر من غيضة السرو ـ حتي تمس النخيل؟
كان أكراد آذار في هدأة المستحيل.
وفي باب شهادات أعدنا نشر نداء وزع علي جميع المنظمات العالمية
والسفارات ونشر في العديد من المجلات والصحف، دعا فيه أحمد بن بله،
الرئيس الجزائري السابق، المناهض بقوة للاحتلال الامريكي للعراق، الي
وقف حرب الابادة ضد الشعب الكردي، داعيا الحكومات والقوي السياسية في
الوطن العربي والعالم الاسلامي للخروج من صمتها وممارسة الضغط من أجل
ايقاف المجازر، محذرا بان هذا العمل هو أضعف الايمان لكي لا يسجل
التاريخ باننا علمنا وشهدنا وسكتنا .
|