|

إبراهيم
اليوسف
بعيداً عن التطويب المسبق لأية ايديولوجية، ايجاباً أو سلباً، بل
وبعيداً عن الحكم علي سمو الحسّ الإنساني لدي أية أمة، أو شعب، أو
مجتمع، أو أي قبيلة.. وفرد.. تأتي ــ القضية الكردية ــ ومن وجهة
نظري الشخصية المتواضعة، لتقوم بفرز وامتحان نهائيين لنبل المشاعر
الإنسانية أو بلادتها، ولا ادريتها، بل وحشيتها أحياناً، وذلك من
خلال الموقف من الحق الكردي في العيش،والحياة الكريمة علي أرضه
التاريخية، بعيداً عن التحبيرات المستحدثــة لخريطة
المنطقــــــــة عموما!.
وحقيقة بدأ المتابع يجد آراءً وكتابات ــ في ما يخص الموقف من
القضية الكردية ــ تدعو إلي الدهشة، نتيجة انطلاقها من الذهنية
التلفيقية، والتعامي إزاء قراءة الحقائق، وليس أدل علي مثل هذا
الكلام ذلك السيل اليومي من الكتابات الرخيصة التي باتت، وتحت دافع
سطوات مختلفة تزوِّر تاريخ مدينة كركوك ــ علي سبيل المثال ــ في
سياق الموقف من القضية الكردية لدوافع شوفينية، واستجابة لتوجيهات
مراكز اقليمية، تري في عودة الكردي إلي مسرح الحياة ــ بعبعاً
اسطورياً ــ لا بد من تغييبه النهائي، لدرجة أن بعضهم راح يغض
النظر عن أي قوي وأعداء حقيقيين يهددون وجودهم إزاء هذا الخطر
الوهمي المحدق للتهرب من استحقاقات مستحدثة، بل أن هناك من الكتّبة
من يؤسس طوعاً لانسلاخ كركوك والحاقها بدولة جوار ــ تركيا ــ
وتقديم مسوغات (تركمانية) هذه المدينة، متجاهلاً أن الوثائق
العثمانية ــ هي أولاً وأخيراً ــ خير شاهد علي كردية هذه المدينة
..
صورة الأكراد إسلامياً
إذا كان الباحث إبراهيم محمود ــ قد نشر كتابه المهم: صورة الأكراد
عربياً ــ بعد حرب الخليج ــ 1992 ووضع اصبعه آنذاك علي مفارقات
صعقت الانسان الكردي، أينما كان، إزاء مواقف أخوته العرب، إلا ان
مثل هذا السؤال ليستمد مشروعيته الآن ــ وبأوسع دائرة ــ للحديث عن
صورة مماثلة اسلامياً، وعالمياً، حيث وجود حلف غير مقدس، في الخفاء
والعلن، لمحاسبة ــ فرسان الشرق ــ علي حد قول الأرمني ــ أبوفيان
ــ وبالتالي اعتبارهم محض مهزومين، لا النواة الرئيسة التي تم من
خلالها الحفاظ علي الخصوصيتين العربية والاسلامية، ومنع إمحائهما،
نهائياً، من الوجود، مقابل التضحية بخصوصية الذات، عبر أرفع صورة
للتماهي مع الآخر عرفها التاريخ المدون كما هو معروف.
يبدو أن اطلاق التسميات المتعددة علي الأكراد: أبناء الجن ــ يتامي
المسلمين ــ أتراك الجبال.. الخ.. لم يأت من الفراغ البتة، بل أنهم
وبخلاف دورهم في التماهي مع الآخر ترجمةً لقناعاتهم المتعددة
الراسخة علي الدوام ــ تعرضوا لحملات متأصلة في امحاء شخصيتهم،
وجذورهم، ولعل ما يعزز تأكيد هذه الحقيقة هو الندرة ــ إلي درجة
العدم ــ في وجود الأصوات التي تتفهم مشروعية الحق الكردي علي غرار
ــ هادي العلوي ــ بل أن أعلي سقف في منظور بعض دعاة الديمقراطية
لمستقبل الأكراد هو الارتقاء بهم إلي تلك الدرجة التي يتمكنون
خلالها خدمة خرائطهم المقدسة، وبالتالي ارساء مجموعة قناعات ملفقة
قوامها ضرب وتخوين محاولة أي حلم رومانسي كردي خارج منظومة هذا
الرأي الأعرج، ــ مواقف ميشيل كيلو ــ علي امتداد شريط زماني لأكثر
من عقد مثلاً. وبأسف.. وهي ــ عموماً ــ أصوات لم يشهد أحد أثناء
النكبات التي تعرض لها الأكراد ــ الأنفال ــ حلبجة ــ بالسينان ــ
ان أصحابها قاموا بترجمة مجرد احساس انساني صادق في نفوسهم، من
خلال التوقيع علي محض عريضة تضامنية معهم.. او الوقوف دقيقة صمت
لذكراهم .!؟
إذا كان المثقف الشوفيني الأتاتوركي يري أن لا علاقة للأكراد
بـ(سعادة السوبرمان التركي) وكذلك بالنسبة إلي المثقف الإيراني ــ
فارسياً قومياً أم اسلامياً ــ ناهيك عن المثقف ــ الحزبي
الاستعلائي ــ الذي يري في سواه دخيلاً إلي درجة الخيانة المسبقة،
ما لم يتجاوز شرط اختلافه، ويعترف بالأمر والواقع، برغم أن كل هذا
الأنموذج نفسه لا يتورع عن البكاء علي الجنة الأندلسية، ويتوهم أن
كل الأرض التي وطأتها أقدام أسلافه منذ ابن بطوطة حتي آخر سائح في
التاريخ انما هي مطوية باسمه من دون أن يتورع عن الإسهام في تزوير
اللحظة التاريخية بل ومن دون أن يرمش له جفن!.
أسئلة مفتوحة
أمام سلوكية مثل هذه العقلية المستخدمة ــ بطبعاتها المختلفة ــ
بصدد تقويم ــ الكردي ــ الذي يعد في منظوره ضيفاً من قبل من يزعم
استضافته، كأنه قادم من كوكب مجهول، آخر، لا علاقة له بأية بقعة
جغرافية إلا ضمن العلاقة الموقوتة بأي ضيف ضعيف!، من دون التفكير
حتي بأداء شروط حسن الضيافة في حدودها الدنيا، لا الحاتمية،
تماماً، في الوقت الذي لا يتردد هؤلاء عن مناقشة حقوق جالياتهم في
دول لم تطأها خيول فاتحيهم البتة، ولن استرسل للحديث مطولاً عن
حرية المسلمة في فرنسا ــ في ممارسة حق الحجاب ..وهنا، إذا كان
التضامن مع حرية فتاتين مسلمتين ــ وهو حق مشروع ــ قد أثار ــ
كلَّ هذه الحمية الإسلامية والعربية، في مشارق الأرض ومغاربها،
واواسطها، وأقاصيها، من قبل علماء عرب ومسلمين، وهم أنفسهم الذين
سكتوا إزاء بقر بطون الحوامل الكرديات، ــ في كردستان ــ أو
تثكيلهن، أو ترميلهن ، بل وانتهاك وهتك حرمات آلاف الكرديات إلي
درجة الاتجار باللحم الكردي أمام مرأي أعينهم، بل والعالم أجمع
...، وهذا ان دل علي شيء، فهو ــ بكل تأكيد ــ ليدل علي ازدواجية
العقل (المشارك) للكرد في جغرافياه الحالية، ويتسبب بالتالي في دفع
الكردي إلي دائرة ردة الفعل، التي لم يرتم طوال تاريخه في شباكها..
في وقت تتطلب فيه الحاجة أوسع تضامن وطني، ولكن من دون القفز فوق
حقوق هذا الشعب او تجاهله البتة
.
|