|
جهادعثمان- نيقوسيا
- للمكان قدسيته ووجوده المختلف وحركته الدائمة ، إنه العنصر الذي يحمل
أرواح سكانه وحيواتهم ويقاس تقدمه بمدى تقدمهم لا بل يتعدى ذلك إلى
كونه العنصر الفعال في تأسيس وتكوين شخصية الكائن الساكن فيه ، فهو
البؤرة التي يتحرك فيها الإنسان يبثها مشاعره وأحاسيسها المختلفة ،
وعليه فهو الرفيق الأبدي الذي يعيش ويكبر داخل الإنسان ويبقى حاضراً في
ذاته يرافقه ويلازمه ويظهر له على شكل صور وذكريات ومواقف في غربته ،ويظل
ملازماً بطريقةٍ لا يعود بمستطاع هذا الإنسان الفكاك من هذه السطوة
فالمكان كما يؤكد غاستون باشلار:( كونُ حقيقيُ بكل ما للكلمة من معنى )
ويقول أيضاً:
(إن البيوت التي فقدناها إلى الأبد تظل حيةً في داخلنا)
-وإذا كان للمكان هذا الأثر العميق والغائر في ذات الإنسان فكيف سيكون
موقف هذا الإنسان إذا تعرض المكان الذي يحمل صفاته ويعود إليه بانتمائه
ووطنيته وتاريخه إلى السلب والقتل والقمع،لا غرو أن موقف هذا الإنسان
لن يكون إلا موقف المستنكر الرافض لكافة أشكال الأذى التي تلحق بمكانه
- وانطلاقاً مما سبق فإننا سنحاول مقاربة موقف الشاعر الكردي من
الاضطهاد والقمع الذي مورس بحق المكان الكردي وذلك في قصيدة (حلبجة
ترحب بكم ) للشاعر إبراهيم اليوسف:
- تحكي القصيدة سيرة المكان المأساوية وتظهر صورة المكان المفجعة دون
زيف وبكل ألم فالأصابع تملأ الأرصفة وتتدلى من الشرفات ومن الشجر،الموت
في كل شبر من حلبجة في كل ركن وفي كل شارع
والشاعر الذي لا ينفك عن متابعة عوالم المأساة يبدي استنكاره لهذه
الجريمة التي أودت بمصائر الآلاف من سكان حلبجة ، فيعبر بكل ألم عن أثر
المأساة في نفسه ، والقصيدة كما هو معلوم ردة فعل الشاعر الكردي على
الفعل القمعي الذي قام به الدكتاتور ، وانطلاقاً من هذا الأثر والشعور
بالظلم يلجأ الشاعر إلى فضح الجريمة ولا يكتفي بهذا فحسب إنما يذهب إلى
رثاء المكان الذي جرت فيه المجزرة وأيضاً إلى المكان الذي يسكن في ذاته
والذي بدوره تعرض للأذى والقمع، لذا فهو لا يستطيع أن يتحدث عن مكان
المجزرة بمعزل عن المكان الذي في نفسه، ففي أكثر من موضع نجده يشير إلى
الألم المشترك بينه وبين المكان:
- وأنتم كما أنا
نترك للمحطة تأخراً
ويلوح لنا القطار بكل العربات
تملأ بأشباحنا غبار المقاعد
كي تبقى للرسائل هزائمنا
وفي فقرة أخرى نجد:
وأنا أبطأ من كان في القافلة
لا أنا وقفت ولا أنتم وصلتم
لا البارودة لاذت بالنوم
ولا الغاز المحرم قال:سلاماً لكائن
- في القصيدة ثمة ألم حقيقي وأيضاً مكانُ متألم مجروح وثمة إنسان يصف
هذا الألم منطلقاً من تألمه لكل هذا الألم ، ثمة موت جثثُ ومجزرةُ
ارتكبت ومكانُ مسلوبُ منتهكُ ومذبوحُ هو المكان الكردي بكل خلفياته
وأبعاده
:
"الجثث هي الجثث
وجهكم لم يعد جبلاً أو وهدةً
وأنتم لا كما أشتهي
"
- تبدأ القصيدة بقدوم الجبل ويشكل هذا المدخل حلقةً رئيسيةً في القصيدة
إذ أن استمرارية هذا القدوم في القصيدة تؤكد أن الجبل ما هو إلا الوجود
القلق للإنسان الكردي الذي لم تعد الظروف المكانية القاسية تسمح له
بالشعور بمعنى الاستقرار والأمان، لذا فالشاعر ومن خلال حديثه عن الجبل
ومحاكاته له يؤكد أن الجبل الذي هو الثبات والعظمة والكبرياء لم يعد
كذلك إنما أصبح عكس ذلك طالما أن هنالك دكتاتورُ بمقدوره أن يحطم سطوته
وثباته
- ومن جهة أخرى يعتبر الجبل رمزاً قوياً ارتبط بالإنسان الكردي وتاريخه
، وعلاقة الكردي بالجبل علاقة بالغة القدم ومن هنا نجد الشاعر يوحد بين
مصير الكردي والجبل والقمع الذي تعرض له كلاهما:
بكل السلاسل
بكل الذرى
يأتي الجبل
بكل الحجل وأشجار البلوط
.... .... .... ..... ....
صباح الخير أيها الجبل
ثم تنهض من جراح
يغادرك الشلال ويعود
تغدرك التلال
- من خلال تبيان موقف الشاعر في القصيدة يتبدى جلياً أنه ثمة معادلة
إنسانية تتضح عبر البوح الصادق الذي يلون الصورة الشعرية، إذ ثمة طرفان
يناجي أحدهما الآخر الشاعر- المكان ويمكن القول أن الشاعر يحدد موقفه
من كل ما تعرض له المكان من بطشٍ فهو يستنكر هذا الظلم ويبرز كذلك
مواقف الحكومات والمنظمات الدولية التي تجاهلت هذه المجزرة ولم تأبه
لكل ما حدث وبما أنه يشعر بأنه ومكانه وحيدان في هذه الأرض الواسعة
يلجأ إلى رثاء المكان ورثاء نفسه فهو غير قادر على القيام بأي شيء يسهم
في الدفاع عن هذا المكان
.
لا صوتي يصل.......ولا أنتم تأتون
لا أنتم أتيتم ولا أنا وصلت
بي منيتم نوافذكم
بزجاجي عرفتم الكسر
وبطيئين كنا ننوس الدوائر والفراغ
- قصيدة حلبجة ترحب بكم يمكن القول أنها الفعل الممكن الذي استطاع أن
يقوم به الشاعر الكردي ليبرز من خلاله موقفه الرافض لكل ذلك الأذى
والقمع الذي مورس بحق مكانه ، مبدياً استياءه لهذا الظلم ولكن بطريقة
الشاعر الذي يبحث في خفايا اللغة وبلاغة الصورة الشعرية عن طاقات أكثر
اقتداراً على السمو بالتعبير إلى مستوى المأساة التي حصلت ودون أن يخفي
أيديولوجيته التي منها ينطلق وبها يحاول فضح فعل القمع الذي مارسه
الدكتاتور على الكرد الأبرياء
جبل هو الجبل
جبل أنك أيها الجبل
(إنا أنزلنا الفوسفور على جبل
ورأيناه سراجاً وهاجاً خاشعاً متصاعداً من خجل وأكراد)
|