|
أحمد حيدر
كان يخيل إلى ،ولوقت قريب آن بمقدوري أن أشلحها – ببساطة شديدة-
مثل كنزة صوف ضيقة ، اهترأت خيطانها ، وبهتت ألوانها ، أوان
استبدلها بمود يل آخر ( مودرن ) يصلح للرقص السريع الذي يمنح الجسد
حرية التعبير عن انفعالاته ، أو حضور حفلات الكوكتيل في الصالات
الفخمة !!!
كان يخيل إلي أيضا ، إن بمقدوري أن أتناسى صفعاتها المتكررة على
قفاي ، واتهاماتها الخطيرة لي : ( ما زلت صغيرا على الحب يا
.....!!)
في مدن الأضواء الصاخبة – التي أغرتني – كانت تتراءى لي كسحابة عطر
تميل على( سنواتي العجاف ) ، وتنمو أزاهيرها في يدي ، وتتهدم
بيوتها الطينية على حطامي !!
تجرني إلى نعناعها ، وإذا تأخرت عن صباحاتها تتخبط في التيه ، تلطم
خدها ، وصدرها ، وتشد شعرها الكستنائي كالثكالى ، تندب حظها العاثر
( المشدود كالوتر الحزين على أديم الوجد)( تهيم شوقا) في الطرقات ،
محلولة الشعر ، عارية القدمين ، تسأل عني كل من يصادفها : بنات
المدارس ، رفوف القطا ، القرى المتكومة على أوجاعها : كرباوي ،
كرديوان ، تل عربيد ، سيرمكا ، هرم جمو ، كر سور ،علي فرو ، رنكو
..!! تبحث عني في المشافي ،و المخافر ، المقاهي ، مقابر الهلالية ،
،والعنترية ، وقدور بك ... ! وعندما تفقد الأمل في العثور علي ،
توزع صورتها على معابر الحدود ،وتنشر إعلانا في الجرائد : ( مدينة
مفقودة ... خرجت ولم تعد .. ترتدي قفطانا أرجوانيا ، مطرزا بلهفة
الآلهة الخائبون ، على خدها الأيمن شامة طبعها ( آهورا مازدا )
لشدة ما تحسرت الينابيع على عذوبتها ، ولتحرسها من عيون الحساد ،
وفي جيدها قلادة من الزمرد ، أهدتها الأميرة الميتانية ( تيدا هيبا
) – نفر تيتي – بعد آن فاض نهر النيل من عينيها ، حنينا جارفا إلى
حدائق ( أوركيش ) المعلقة في أعالي الخطيئة !!)
وعندما أعود إلى البيت متأخرا ، أجدها ممددة على السرير ، ملتفعة
بالبروق ، تتوسد كوابيسي ، وترتجف من الخوف ، على المشجب تتدلى
منشفة مبللة بالدم ، وعلى الطاولة شمعة مطفأة ، ووردة جافة !!
تتشبث بي كأم ( تلفق لي راحتاها قماطا ..يقيني البرد !!! ) يا ما
أيقظت الجيران على زغاريدها في آخر الليل ،كلما حلمت بي حمامة
بيضاء تبشر بالفرج القريب !! ويا ما سهرت قرب رأسي في اللحظات
الحرجة ، تزين رأسي بتمائم أولياء الله الصالحين : شيخ جبر ،والخز
نوي ، والشيخ إبراهيم الجر سواري و....!!
إذا أخطأت ، تعتذر عني ؟؟
عندما تخلد إلى النوم ، تسألني شقيقاتها عنها !!
وفي عيد ميلادها ، أتلقى الهدايا ، وايميلات المعجبين ، والمعجبات
!!
تبوح لي ما يعكر مزاجها ، وما يسبب لها وجع الرأس ، أو ارتفاع ضغط
الشرايين ، وما يحيل بردها إلى حرائق !! وتروي لي – من غير تحفظ -
مغامراتها العاطفية ، وكيف تغافل حرس الحدود ، وتجتاز حقول الألغام
؟؟ أو تقطع آلاف الأميال في الجبال الوعرة ، لكي تنزع صبار المنفى
عن زفرة نصفها الآخر ،وتفي بوعدها : ( حلفت بالملك الطاووس آن أكون
من نصيبك ، أو أن أتوارى تحت التراب !!) وبخجل شديد تحكي لي عن غدر
رفاق السوء ، الذين ( خانوا الخبز والملح ) وأداروا لها ظهورهم ،
وابخلوا عليها بإكليل ورد ، أو زيارة عاجلة ، للاطمئنان على صحتها
، أثناء الوعكة الصحية التي ألمت بها – قبل سنة تحديدا – أسعفت على
أثرها إلى المشفى ، وبعد تدهور حا لتها الصحية في اليوم الثاني ،
نقلت إلى غرفة العناية المركزة ، وبقيت – طوال قلق - تحت مراقبة
الأطباء الذين وجدوا في شفائها ، ما يشبه المعجزة !!!؟؟
وكشفت لي أكثر من مرة ، آثار الطعنات التي تلقتها من الظهر ،وبقع
الدم الرطبة في أكثر من موضع في فردوس جسدها !!؟ وتحكي بشموخ ، عن
عشاقها الأوفياء ، الذين لم يبرحوا باحة المشفى ، افترشوا الفضيحة
، والتحفوا المأساة ، وتنافسوا عل شرف الموت ، أو التبرع بالدم ،
والقلب ، والرئة ، وال......روووح !!!؟؟
رضاك قامشلو
رضاك .....!!!!
|