|

حليم يوسف
خاص بالملف: عفرين -نت
يعتبر الثاني عشر من آذار يوما استثنائيا في تاريخ الشعب الكردي في
سوريا منذ قيام الدولة السورية و حتى الآن ، حيث المفاجآة كانت على
اكثر من صعيد. فعلى صعيد الحركة السياسية الكردية كان الحدث صاعقا
و مفاجئا الى درجة الاعتراف الصريح بعدم قابلية الحركة على التعامل
مع ما استجد من تطورات دراماتيكية جديدة على اسلوب هذه الحركة
التقليدي في خوض النضال السياسي السلمي بعيدا عن العنف و اللجوء
الى العمل المسلح، وما حدث من قتل و تنكيل بالمدنيين العزل وضعت
هذه الحركة امام امتحان جدي لم تكن مهيآة له على كل الصعد. وعلى
صعيد السلطة المخضرمة في اسلوب الحكم الامني القائم على قوانين
استثنائية و قوانين الطوارئ التي ورثتها الجمهورية من حكومات
بدائية سبقت حكومة البعث التي حافظت على هذه القوانين وسخرتها
لخدمة الدولة الامنية التي الغت القانون واغلقت الابواب امام قيام
مؤسسات المجتمع المدني . فمنع التظاهر و آرسلت حرية التعبير الى
قبر آبدي و تم اغلاق الباب نهائيا امام انتخابات ديمقراطية حرة و
فصل الدستور السوري على مقاس المفرزة الامنية . وتحول كل مظهر من
مظاهر الديمقراطية الى مخالفة قانونية يعاقب المخالف وفق امور لها
علاقة بالتقرير المكتوب بحقه اكثر من قانون العقوبات السوري الذي
تحول الى مجرد مادة تدرس في كليات الحقوق في الجامعات السورية.
وبقيت الصحافة حصرا على الرآي الواحد الاحد الذي يعكس رآي القيادة
الحكيمة التي تصون مصالح الامة العليا ولا تخطئ ابدا. وبقيت
الجمهورية العربية السورية قلعة النقاء العرقي و القومي العروبي
الى درجة ان كل من يعيش على الارض السورية فهوعربي بالضرورة ووفق
القانون ، و تجسدت المآساة في الكمية الهائلة من الاكراد المحرومين
من الجنسية ، و المفارقة انهم يطالبون و منذ عقود بمنحهم الجنسية
العربية السورية، و ليست الكردية السورية، ولم تتجرآ السلطة حتى
الان على منح الجنسية العربية لاكرادها، فما بالك بالجنسية الكردية
التي هي جنسيتهم الحقيقية و التي لا تتعارض مع انتمائهم السوري على
الاطلاق. تقف هذه اللوحة الحزينة خلف الحدث الذي بدآ صغيرا و في
ملعب لكرة القدم في القامشلي ليتحول فيما بعد الى انتفاضة كردية
عمت المناطق الكردية على امتداد الوطن السوري ابتداء من القامشلي ،
مرورا بعامودا و الدرباسية و ديريك و الحسكة و راس العين و مرورا
بعفرين و كوباني و زورآفا في دمشق وصولا الى الاشرفية و الشيخ
مقصود في حلب . ان التحولات السياسية المتسارعة على الساحة
العالمية وماحدث في العراق تحديدا كتحصيل حاصل للمشروع الامريكي
الخاص بالشرق الاوسط و الذي يتناقض جذريا مع مصالح الانظمة
الشمولية الحاكمة وتتوافق الى حد كبير مع تطلعات هذه الشعوب
المتجسدة في التخلص من النظام الشمولي الامني الذي يختصر جميع
الصلاحيات في يد الاب القائد الفذ العظيم الخالد الذي لايمكن
تغييره الا بموته وفي حال حدوثه يخلفه الابن او الزوجة او احد
افراد العائلة او الطائفة او العشيرة. وتحول الدولة بمجملها الى
ملكية خاصة للسلطان و لحاشيته المقربة في الوقت الذي تتجه الشعوب
فيها الى صناديق الاقتراع و تهتز عروش الطغاة امام المد الديمقراطي
المتعاظم في جهات العالم الاربع . و تظل الدولة الامنية الشمولية
سجنا مغلقا على شعب ينام على تعداد مناقب القائد المفدى و يستفيق
على مباركة منجزاته التي تبدآ ببناء الجسور و لا تنتهي عند رفع
اجور الموظفين ، و كآن مالية الدولة جزء من امواله الخاصة و رفع
الاجور جزء من زكاة يتبرع بها للمساكين من العمال و الموظفين.
وتطول القائمة السوداء هذه الى درجة التناقض المطلق مع ما يحدث في
العالم من تغيرات بنيوية. في هذه الاجواء المشحونة تحول الكردي الى
عامل محتمل لاحداث تغيير عام و مطلق، على اعتباره عنصرا غريبا عن
الانتماء العرقي العروبي الذي تعزف السلطة على وتره كلما لاح هواء
التغيير. وما حدث في العراق من تعميق للاتجاه الديمقراطي الذي
يتحول بالتدريج الى قيام عراق ديمقراطي تعددي فيدرالي تصان فيه
الحقوق القومية الكردية ، دفعت الاوضاع الى مزيد من الاحتقان و
خاصة لدى الشوفينيين العرب الذين يخافون الديمقراطية على اعتبارها
دليلا راسخا على افلاس ايديولوجيتهم و سقوط ورقة التوت التي تكشف
عورة تاريخهم القائم على الغاء الاخر او تهميشه او التفوق عليه او
انكار وجوده. وما تحول حدث الملعب البلدي في القامشلي الى حدث
سياسي امتد بظلاله على مجمل الوضع السياسي في سوريا الا تجليا
واضحا من تجليات سياسة الانكار و مصادرة الحريات و الصهر العرقي
الذي نظر له محمد طلب هلال السيئ الصيت وتم تطبيق جزء هام من
مشروعه العنصري الفاشي من خلال الحزام العربي و الاحصاء الاستثنائي
، وما يتفرع عن ذلك من منع اللغة الكردية و حظر الطباعة بها، و
محاولة تعريب القرى و البلدات الكردية ، و تسميتها باسماء القرى
والبلدات الفلسطينية كحيفا و الجليل و القدس وما شابه. وجاء الحدث
بتفاصيله المعروفة للجميع دمويا ، مرعبا ، ابتدآ بقتل اكثر من سبعة
و عشرين شخصا و بجرح المئات من المدنيين الكرد العزل و امتد حتى
اليوم باعتقال وتعذيب و محاكمة العشرات من ابناء الشعب الكردي
المسالم. ان المعالجة الامنية للمسآ لة قد دفعتها الى المزيد من
التعقيد. وهي معالجة ليست غريبة عن السلطة بآية حال ، الا ا ن ما
يدفعنا الى التساؤل هو مدى جدوى الحل الامني لمشكلة سياسية من وزن
المشكلة ا لكردية ؟.
ان ا لرعب الذي يسود اوساط السلطة الشمولية و جميع ا لمنتفعين من
استمرارها جراء تواجد القوات الامريكية على بعد مئات المترات منها
يدفعهم الى مزيد من الامعان في قطع الطريق على تنفس رياح الحرية
التي هبت على المنطقة و على العالم بعد الثورة المعلوماتية الهائلة
و التي كانت الضربة القاضية لرقابتهم الجهنمية التي بدآت تحتضر حقا.
و ما ازدياد الحملات المسعورة على الناشطين الكرد و على ناشطي حقوق
الانسان و دعاة المجتمع المدني الا تجسيدا لخوف هائل يعصف باركان
الفساد و المرتشين المنتفعين من استمرار سلطة المخابرات و غياب
القانون . و في هذا المنحى يمكننا فهم حيرة السلطة التي لا يجديها
التنازل امام المطاليب الامريكية المتزايدة و كذلك لن يجديها
الانفتاح على الداخل. لان الانفتاح و بكلمة آخرى الديمقراطية ستكون
حجر الاساس بعد انهيارها المؤكد، ولا اعتقد ا ن صناديق الاقتراع
ستساهم في بقاء هكذا سلطة. هذا على الصعيد العام، اما على الصعيد
الكردي فيمتلك الحدث دلالات اخرى بتجسيده البعد التاريخي بالاضافة
الى بعده السياسي .
فالمتابع للوضع السياسي الكردي منذ نهاية الخمسينات حيث تآسس اول
تنظيم سياسي كردي و حتى الثاني عشر من آذار العام المنصرم يلاحظ
خلو هذا التاريخ من العنف و سيلان الدماء ، باستثناء مسيرة نوروز
1986 في دمشق حيث سقط سليمان محمد آدي برصاص العسكر . و تحول يوم
الحادي و العشرين من آذار الى يوم عطلة رسمية. و المفارقة ان ا
لجهات الرسمية صورت العطلة على انها جاءت بمناسبة عيد الام ،
وكانهم قد اكتشفوا وجود الام فقط بعد ذلك اليوم الدامي. و ما يلفت
النظر ان المسيرة الغاضبة تلك اتسمت بالعفوية ايضا رغم المساهمة
النشيطة لبعض قيادات الحركة السياسية الكردية فيها، الا انها لم
تكن مسيرة تم التحضير لها قبل ايام او اشهر . بمعنى ان الحركة
السياسية الكردية كانت دائما ، كما في آذار العام المنصرم، حركة
منفعلة تحاول جاهدة اللحاق بالحدث ولكن بعد وقوعه ، و غالبا ما
يستعصي عليها لململة الاوضاع بالاستفادة من غياب قوى حية فاعلة و
مؤثرة باستثنائها. وهكذا كان الحال في آذار ، حيث ان عجز السلطة من
جهة و عجز الحركة الكردية من جهة اخرى عن احتواء تطلعات و طموحات و
مطاليب الجماهير الكردية قد ساهما في امتداد هذا المد الغاضب و
تحوله الى انتفاضة كردية عا رمة . التفت الاجهزة الامنية و
بالتعاون مع الاحزاب الكردية عليها و ساهمت معا في ايقافها على امل
الحد من وقوع المزيد من الضحايا. و قد افرز هذا الحدث دلالات خطيرة
كرديا على خلفية الفراغ الهائل الذي يفصل الكرد كشعب عن مجموع
احزابه ، فاذا كان الامر واضحا على امتداد ايام الحدث الكبير ،
فماذا بعد الاستجابة لطلب مجموع الاحزاب بضرورة ايقاف الاحداث ؟
وماذا جنى المنتفضون من مغادرة الشوارع و الاستكانة الى بيوتهم و
الكف عن ازعاج السلطات و تهشيم التماثيل ؟. ثمة تساؤل آخر يتعلق
بما جنى الكرد كشعب من سقوط العشرات من ابنائه بطلقات العسكر ؟ و
ماذا حقق مجموع الاحزاب الكردية من مكاسب سياسية اثر التعاون
الفعال مع اوساط السلطة و الرضوخ لطلبها بضرورة ايقاف الاحداث ؟ ام
ان القضية تم تعليقها الى حين ، وعلى من سقط قتيلا السلام ؟. الى
اية درجة استفادت الاحزاب هذه من الاجتياز الخاسر لهذا الامتحان
العسير ؟ و اسئلة اخرى كثيرة تظل معلقة الى حين . و تبدو الصورة
المتعلقة بالحل الامني الذي لجات اليه السلطة اكثر بشاعة ، حيث ان
اتباع اسلوب اللجوء الى تسليح العشائر العربية و زيادة حدة
الاحتقان القومي و العشائري على يد اوساط السلطة الحاكمة يعكس مدى
تخلف و خطورة آلية التعامل مع الحدث و مدى سذاجة المراهنة على
اوساط السلطة التي لم يساهم الدم الكردي الذي اريق غدرا في ضرورة
حل المسآلة الكردية سياسيا فحسب بل زادتها قناعة بضرورة الاجهاز
على الوجود الكردي والامعان في قتل هويته الثقافية و الانسانية.
وما استمرار حملات الاعتقال و التعذيب و الصهر القومي الا مؤشرا
آخر على عجز السلطات الحاكمة عن اجتياز الامتحان الكردي العسير
الذي لا يمكن التغطية عليه بعد الثاني عشر من آذار. كما ان التطرق
الى وجود الاكراد التاريخي في سوريا في تصريح صحفي لرئيس الجمهورية
لا يعني شيئا فيما اذا لم يتم تثبيت هذا الوجود الكردي في الدستور
السوري و الاقرار بحقوقه الثقافية و القومية من خلال قوانين تجد
طريقها الى التنفيذ ، و هذا ما يبدو و كانه ضرب من المستحيل. وفي
الجانب الكردي يبدو لي عبثا تحميل بعض الاشخاص المسؤولية ، كمحافظ
الحسكة او غيره ، ولا يعني هذا تبرئة المحافظ من مسؤولية ما حدث ،
حيث ان المسؤولية تمر عبر المحافظ ولا تتوقف عنده ، بل تمتد لتشمل
النظام بمجمله.
واخيرا يمكننا القول ان الثاني عشر من آذار كان منعطفا تاريخيا نقل
الحالة الكردية في سوريا من مرحلة الى اخرى. استمر القتل الابيض
بحق الكرد في سوريا منذ التقسيمات التاريخية للمنطقة بعد سايكس
بيكو و لم يتوقف مع قيام الدولة السورية رغم مساهمات الاكراد
التاريخية الهامة في الانتفاضات و الثورات السورية و في تحقيق
الاستقلال ، الا ا ن الثاني عشر من آذار قد غير لون هذا القتل
التاريخي الذي يمارس على الكرد دون توقف ، الى الاحمر . و لذلك فقد
انقسم فيه التاريخ الكردي في سوريا الى قسمين. لقد وضعنا هذا اليوم
و ما تلته من ايام امام مرآة ما ، و لا اخفي اننا فوجئنا بانفسنا و
نحن نتقاتل في عربة تجرها احصنة الآخرين
.
|