الجبهة الوطنية التقدمية
والحشرجة
الأخيرة...!
-2-
إبراهيم اليوسف
لقد ظهر جليا ً,وعلى
امتداد بضعةالأشهر الماضية فحسب- أن آليات تطوير الجبهة,وضخّ
الدماء الجديدة في قلبها ,لما تزل أسيرة العقلية التي أنجبتها
, وصنعتها ,وحرستها على امتداد ثلاثة العقود و نيّف من الزمان
,حيث أن إبقاء التعديل- الأخير الّذي أجري على ميثاقها - على
جملة القيودالمكّبلةلعملها,ووطنيتها, لا" تقدميتها" ,و إضافة
ما هو أكثر هولاًإليها ً،هو مؤشر خطير على حسم الصراع- في ما
إذا كان هناك صراع ما من هذا النوع في اتجاه السلوك السياسي
الخاطىءالمسؤول عما آلت إليه مجمل الأوضاع ، و لصالح عقلية
المراهقة القومية,والمراهنةعلىالعملقةالاستعراضية الوهمية التي
هي دليل على عدم النضج الأيديولوجي، طبعاً....!
أما ثاني المؤشّرين
الجديدين لدى أيّ مطلع عادى هو خلود مجابهي الحراك الوطني
الحقيقي من داخل هذه الجبهة ,وهم " من" مطبخ حزب البعث العربي
الاشتراكي تحديداً ,قائد الدولة و المجتمع ,إلى المناخ المستنقعي,الركوديّ,بعيداً
عن استنباط الحكم,والدروس , وقراءة عنصري: الزمان المكان ,
دون استبعادها إثر صياغة أيّ قرار ناهيك عن ضرورة دقّة قراءة
المكوّنات الوطنية ,وحضور القوى السياسية في داخلها , بل ودور
أية قوى على حدة! , حيث أن محاولة إحياء قوى ميتة ,عفا عليها
الزمان ،وإماتة قوى" عصّية" على الموت وخطط التطويع والإذابة
والصهر (حالة الكرد ضمن الخريطة السياسية كما قدمهم الخطّ
البياني الآذاريّ 2004 في أوضح صورة)من شأنها أن تجعل القارئ
في مواجهة مع لوحة مكشوفة , لا يمكن تمويهها بأيّ طلاء كاتم
للقراءة كما كان يتم ّعلى الدوام - في ظلّ السياسة ذات
الاتّجاه الواحد , والإعلام الأحادي الّذي يوظّف بغباء لتنفيذ
هذا الدور ...!
إنّ مثل هذا التخبّط
في هذه اللحظة المحرجة أو الوقت الضائع من المواجهة الأكبر
حيث عراء مفاهيم , وسقوط شعارات, واستنهاض نوى مغيبة ,
سرعان ما أنتشت على شكل بذرات في مناخ موات , لتتحول إلى
غراس تذكّر بأشجار مغتالة , وهي تعلن عودتها , الأمر الّذي
يدعو تسمية أي تجاهل لها ضرباً من البلاهة السياسية , أيّاً
كان حادي هذه الممارسة ,فرداً , أو مجموعة , أو مؤسسة ...!
بعد نشر أولى مادة
لي حول الجبهة الوطنية التقدمية التقاني أحد الأصدقاء"
الغيارى" على مثل هذا الإطار , وهو يحدثني و بحماس كبير عن
جدوى الجبهة الوطنية , وإنجازاتها , وما تهمّ الشروع به من خطط
مستقبليّة من شأنه تحويل صحراوات سوريا إلى فردوس عدنيّ تجري
من تحته الأنهار , مؤكداً انه رغم وجود أنفار من الحراميّة
الذين سيتجاوزهم تاريخ بلدنا , إلاّ أنّ هناك أكفّاء
حقيقيّين في مفاصل متقدمة من شأنها أن تعيد ضخّ الدماء في هذا
القلب الذي أترع بالدماء الفاسدة التي جعلته يتوصّل إلى
هذه الحالة من الإنهاك , بل" الرزء" كما أسميته....!
ولم أجدني , إلا , وأنا
أطلق قهقهةً , إثر سماعي حديث هذا الصديق , قائلاً له : أوتعلم
أن مفردة" أكفاء" هي جمع "كفيف" أي: أعمى , وليس كما تقصد ,و
أن مفردة أكفياء هي الصحيحة , حيث مفردها : كفؤ ....!
إن أي إقرار بوجود
جبهة في بلد ما , ولها خصوصيتها , وعلاماتها الفارقة الّتي
تميزها عن سواها لدليلٌ على أن هناك جبهةً أخرى , في أقلّ
تقدير , لها حضورها مقابل هذه الجبهة ...! لأنّ مادة جبه
(كما جاء في المعجم الوسيط) جبهه جبهاً , صكّ جبهتهُ , وقابله
بما يكره , و ردّه عن حاجته , و الشيء فلاناً . فجأه قبل أن
يتهيأ له , والماء: ورده وليس ثمة أداة للاستسقاء......
و جبه جبهاً : اتّسعت
جبهته وحسنت فهو أجبه وهي جبهاء ...
و جبهه : أخزاه فنكس
جبهته ,و اجتبه الماء ، وغيره : أنكر مذاقه ولم يستمرئه , و
الأجبه :" الأسد" لعرض جبهته , والجابه" الطير" أو"الوحش"
يستقبلك بوجهه فتتشاءم منه , والجبه : الجبان , والجبهة : ما
بين الحاجبين إلى الناصية ...ص -106
والجبهة عند العديد من
الشعوب رمز للإباء و الفخار , فالعربي تعامل مع الجبهة في هذا
المعنىعلى أنه الشموخ أو الخط الأول من المعركة ، و الكردي
يتحدث عن جبهة ناصعة البياض )) كدليل على الكرامة والشرف
والإباء..!!، وبمعنى القدر (المكتوب على جبهته ) و إذا كان
كل معنى معجمي عربياً للجبهة يقدم نفسه , دون أن
يحيجنا إلى الإسراف في الشروحات , فإنه يمكن هنا استقطاع
معنيين من بينها , فحسب :
1-
الجبهة المجابهة
2-
الجبهة - المقدمة من أعلى الرأس
و إذا كانت التسمية
, مأخوذة , من هذا المعنى ,اعتماداً على عمق الدلالة
تراثياً , حيث كان المرء - وفق رؤاه الأولى ...يرى في
كل جزء أو عضو من جسده كعلامة إلى مرموز ما ورائي ,
بيد أن الجبهة هنا تغرق في ظاهريتها , في مقدم
الوجه وأعلاه , وفيها عادة - ما يميزها من خطوط , وإ
شارات , وتعاريف تشّكل علامتها الفارقة , و تدل على
الرجولة , و القوة و الوقار والصلابة والنورالإلهي - كما
لدى المتصوفة ...!
أما - الجبهة - ذات
العلاقة بالمجابهة , فهي تنبني على بعض مزايا
- الجبهة كعضو أو
جزء جسديّ -( ليقوم مقام " الكل " ينوب عنه ) وتفترض في
هذا المعنى مجابهة ما , أو نذراً أبديّاً للمجا بهة ,
أو مو قو تاً ,لا فرق , بحيث لا كلل عن أداء المهمّات
المسنودة إليها , على كل الأصعدة , وهو ما يمكن إسقاطه
في هذا المقام : داخلاً وخارجاً ....!!
وعلى ضوء ذين
المعنيين , يمكن استقراء - مهمات الجبهة الوطنية
التقدمية , في سوريا، كجزء من محاكمة شخصية - ضمن
حدود الرأي وهو من حق أي آخر , كل بحسب درجةاستقرائه
للحالة , في حدود جهودها , ما دامت وفية لقوالبها , لا
تخرج عنها البتة , و لا تفكر بأية إ ضافة عليها ، ما لم
يكن المضاف ضمن التوصيف اللائق بالركون ..!
الاسم( في هذا المقام
) حقّ شخصي , يطلقه على نفسه فرد , أو جماعة , أو
مؤ سسة ,كي ينضووا تحت جناحيه , و لكنه ضمن إ طار
المنطق , لا بدّ و أن يكون لائقاً بمسماه , لا نافراً
منه , و بالاً عليه ....!!.
إذاً ,أن تكون
الجبهة أعلى مقدم الرأس , و الجبهة الوطنية التقدمية في
موقعها- السلطوي هكذا , في بعض منها في أقل تقدير :
البعث، كقائد للدولة والمجتمع , وربما أبعاض الحواشي
أحياناً , ولكن - هل الجبهة - الجسد كله ؟
هل الجبهة مخولة
لتكون اختصار الجسد في سنتمترات بضعة , فحسب : وماذا عن
المسافة بين - العقل - والجسد -ما الذي يكفل أن تبقى
محافظة على رفعتها , و بياضها , من خلال تنزهها عن السقوط
في مصيدة السفاسف الدنيا ؟
و حين تكون الجبهة
- في أحد معنييها اللذين لا محاد عنهما في تفكييك
المصطلح- متربعة في أعلى عليين الجسد , فهي , إ ذاً , في
معناها الثاني تنصرف للعناية بمن تتأسس من أجله - المواطن
و بخاصة بما يتعلق برغيفه , وحريته , والمناخ النظيف الذي
ينبغي توفيره له !
وعلى مقربة من هذا
الكلام المجتزأ , يظهر امتداد ما سبق في خلق أمن هذا
المواطن وأمن ترابه وهوائه وسمائه ومائه !
وتأسيساً على ما
سبق , أيضا ً ، ستكون محاكمة الهيئة المسماة : جبهة وطنية
تقدمية , قبل تفكيك أطراف المعادلة :جبهة وطن تقدم - !!للتوغل
أعمق ومساءلة المسمى بصلاحية الاسم :
- من خوله أن
يكون أعلى الوجه أو الرأس ؟
- ماذا عن
مجابهة التحديات التي تبرز من ضمن مهمات هذه الهيئة
للذود عن المعنى أولاً و أخيرا ً :
- المواطن الذي
تسقط قيمة الهيئة بحدود اسمها - مالم تعن به قبل كل
شيء ....!!!
- بل لماذا
مجابهةإرادة المواطن ؟
حلمه , حريته ,لقمته
....
- لماذا مجابهة العدو
تتقهقر كي تنحسر ضمن إطارين : صو تي و ورقي مزخرفين
ببلاغة الإعجاز ....!
هكذا , سرعان ما
يلحظ المتابع ارتداد الجبهة عن كبريات المهمات التي
تلهج باسمها ، إلى صغائرها بما يخدم عرش الذات الأحادي
وهي من أكبر المحن التي تعرّضت لها خلال ثلاثة
العقود المنصرمة , دون أن يتم السماح بمناقشة شؤونها ,
داخل أو خارج حرم الجبهة !, تحت غطاء وجود قضايا
كبرى لا تسمح لهذا الحزب أو ذاك بتحقيق أ ية أهداف
عظيمة , حيث أن عضو الحزب الممثل- جبهويا - ً بات يجد أن
ممثلهُ في هذا المفصل المفروض على رقبته غير مجسّد لتطلعاته ,
كمواطن مسحوق, مهمّش, مضحّ من أجل بلده ,وإنسانه ,وهو ما ينطبق
على البعثي الذي دفعه حلمه القومي و الوطني ، لتقديم طلب
انتسابه إلى هذا الحزب , بل وحتّى ذلك المهرول إلى هذا الحزب -
نفسه - بدافع المصلحة ولم يجد لذاته مكاناً في وسط هذا
التزاحم و التهافت على المكاسب ...!
للأسف , إن الآراء التي
تدور في داخل اجتماعات اللجنة المركزية , لا تنقل إلى الشارع
العريض إلا عبر البيان الرسمي المعلن عنه , أو ما يخدم اللعبة
التنويمية لهذا الأمين العام الممثل فيه , أو ذاك ,رغم أن دور
- كل من يمثل هو حفظ ما يقال من رأي أحادي , ببغاويا ً ،
بغرض تعميمه , ودوزنة قواعده على إيقاعه , وهو ما انعكس على
كل الأحزاب الدائرة في هذا الفلك كي تفقد خيرة قواعدها على
الدوام , على ضوء فهمها للعبة التي تتم ...!.
مثلا ً ، إن أحدا ً من
أحزاب الجبهة لم يتجرأعلى مناقشةقضايا حسّاسة : ملف السجناء
(القضية الكردية في سوريا ولم أقل الإحصاء ملف المنفيين-تسلط
المخابرات سرقات الأسماء" الكبيرة جدا ً".....إلخ... !!!؟...
كمواطن سوري ,لم يؤخذ
رأيي وعلى امتداد عمر هذه المؤسسة إن جازت التسمية- في أية
قضية صغر ى أو كبرى وطنيتين , بدءاً بما يتعلق برغيف أطفالي ,
وانتهاءً بآخر مرسوم صدر أو سيصدر عنها, بل ولم تسمح الصحافة
الرسمية حتّى هذه اللحظة بأية مناقشة لما يدور وراء كواليس
هذه الجبهة , وفي مكاتبها , وأروقتها , و هذا بالتأكيد جزء من
بنية هذا الإطار - غير الجماهيري كممارسته ..!
أعتقد أن تجريد عضو -
الجبهة الوطنية في المركز و الأطراف من امتيازاته : راتب (لا
سيّما حين يكون مفرغاً تماماً ) سيارة طقوس السمسرة والفساد
المحاسبة الجماهيرية المفتوحة ...إلخ وأن يتم تخيره عبر
صندوق انتخابي جماهيري , بعيداً عمّا تعلمته الجماهير من" هذه
الجبهة"من تزوير مفضوح و قوائم مقدسة طوال الفترات الماضية
وهو ما أسهم في تضخيم تراكمية الفساد , ولابدّ من الاعتذار
عنه , وعن سواه ، ومحاسبة مرتكبي هذه" الخيانة الوطنية" ,
وتقديمهم للمحاكمة ...! , سيسهم في ولادة ولا أقول : عودة
الثقة بهذه المؤسسة، إذا نسفت كل الأسس والمعايير التي انبنت
عليها سابقتها ولم تخدم أبناء الوطن ...!
ولعلّ الأكثر غرابةً ,
هو أن ما قام به جمال الأتاسي منذ بداية فهمه لطبيعة الجبهة ,
وتخليه عن حفنةالامتيازات : مفتاح السيارة الوزارة التمثيل
الشكلي في المركز و الأطراف من قبل أفراد غير قادرين على تحريك
ساكن في مواجهة القرار الّذي يتخذ , ظلّ موقفاً فردياّ لم يفكر
بتكراره أحد ، في ما بعد , بدعوى وجود قضايا كبرى فلسطين
وهو ما عبّر عنه المرحوم خالد بكداش بقوله : لو أننا انطلقنا
من الوضع الداخلي في سوريا لكنا في المعارضة ,بيد أن -
انصرافه للعناية بطرف وحيد من المعادلة الثنائية , وهو
الموقف الخارجي كان وراء عدم أخذ حزبه موقفاً أشبه بموقف
المرحوم الأتاسي ، بل أعطى مثل هذا الموقف مسوغاً لجبروت
النظام كي تسلط آلته فوق رقاب المواطن البائس، وتستمرىء ما
تنهشه من مزق أجساد و أرواح ...!, مع أنه يمكن السؤال: ماذا
فعلنا على الصعيد الخارجي ؟
خصوصاً، وها نحن قد
تخلينا عن اسكندرونة وكيليكيا مقابل خطط طارئة , كالموقف
من القض¡