|
لا
يكاد يمرّ يوم في العالم العربيّ،
إلاّ ويكون هناك احتفال بافتتاح
مهرجان ما، أو باختتام آخر، حتّى
غدونا نعاني من كثرة المهرجانات،
وهذه الكثرة قد يُفهم منها
معنيان، الأوّل؛ قوّة الحِراك
العامّ ونشاطها في جميع المناحي
ولاسيّما في الفنّ الذي يختصّ فيه
المهرجان، ذلك أنّ أيّ مهرجان
يحرّك الكثير من الأمور الحياتيّة
والمعاشيّة الأخرى، حيث تنشط حركة
المطاعم والفنادق والسيّارات،
ويتسارع إيقاع الحياة المصاحبة
لفعاليات المهرجان. يكون الكلّ في
خدمته، أي يتمّ تطبيق قانون
الفرسان؛ الكلّ في خدمة الفرد،
والفرد في خدمة الكلّ. ويندسّ من
بين الحوارات والمناقشات التي
تتمّ حول الفنّ الذي يكون محطّ
الاهتمام، أو مربط العقدة والعقد،
إيحاءٌ على دوره الهامّ في
حَيَواتنا، وكيف أنّها لا تستقيم
من دونه.. وهكذا يعمّ النشاط وشحذ
الهمم، ممّا قد لا يفسح مجالاً
للتفكير في أيّ منحى آخر.. أمّا
الثاني؛ فقد يُستَشفّ منه أنّ
هناك تهرّباً أو تملّصاً من
الاستحقاقات المترتّبة لتحقيق
الإنجازات في المجالات التي تقام
المهرجانات تدعيماً لها، إذ يغيب
التكامل، ويحلّ بدلاً منه التعمية
التي تستلفت الانتباه وتسلّط
الأضواء في الجهات المعاكسة لما
يتوجّب أن تركّز فيها وعليها..
يتعمّم تقريع ذاتيّ وتأنيب
مجّانيّ، ينقل شعور إلى المتلقّين
أنّهم يجب أن يحلّلوا دماءهم،
لأنّهم سيكتشفون فيها نقص تروية
فنّيّة وأدبيّة.. وما عليهم إلاّ
أن يتعاطوا فعاليات المهرجان كي
يُشفوا من عللهم، وينعموا بالراحة
والهناءة.. ففي مهرجان الشعر
يقال، إنّ هناك مهرجاناً لكن ليس
هنالك شعر بالمعنى الحقيقيّ
والمستوى الرفيع الذي يفترضه، أي
يقال إنّ هناك أزمة في الشعر،
وارتباكاً أو خللاً في الشعراء.
ويأتي المهرجان للمساهمة بحصّته
في الارتقاء بالشعر إلى المستوى
المأمول.. وخلال بضعة الأيّام
التي تخصّص للمهرجان يكون هناك
احتفاء بالشعر وحديث عن إنجازات
وإعجازات الشعراء، حتَّى ليظنّ
المتابع أنّ الحياة من دون الشعر
هباء وعدم.. وبعد أيّام من الضجيج
والمبالغة، يُتناسَى الشعر ويعود
إلى عتمته وانزوائه، ويعود
الشعراء إلى تسكّعهم وتصعْلُكهم
وتسرْيُلهم مع شللهم، لينغمسوا في
هموم الشعر بعيداً عن الاحتفاء
الذي لاقوه.. وهكذا يكون في
مهرجان السينما، إذ يقال إنّ هناك
مهرجاناً للسينما ولكن ليس هنالك
سينما بالمعنى الحقيقيّ، (ولا
بالمجازيّ أيضاً)، ولكن هناك
احتفاء بالمبدعين الوافدين، وهناك
رغبة طاغية في التعلّم منهم،
واكتساب خبرتهم للاستفادة منها في
النتاجات المبرمجة المخطّط لها في
قادم الأيّام، ويكون الكلّ في
خدمة المهرجان أيضاً، وتكون هنالك
ذرائع يحاول القائلون بها أن
يجعلوها مقنعة، بل والتمادي في
محاولة تجميل تغيّب أو اضمحلال
المشتغلين في هذا الفنّ.. ثمّ
يأتي دور المسرح، لتُمسْرَح كلّ
الأنشطة، ويعاد بكلّ حركة، مهما
كانت عفويّة، إلى جذرها المسرحيّ،
وليعاد التاريخ كلّه إلى المسرح،
من خلال التورية الرامية إلى أنّ
الحياة كلّها خشبة مسرح، ونحن
عليها ممثّلون نؤدّي أدوارنا
ونلعب وفق شروط ومقتضيات اللعبة..
وهكذا يتعمّم القول في مجال
الرواية أو القصّة أو أيّ مجال
آخر.. إنّ أيّ مهرجان هو من دون
شكّ، فرصة رائعة لتبادل الخبرات
وتعزيز الروابط، وتمتين العلاقات،
وما يراد له أن يكون حاضراً في
الحسبان والحسابات، التخطيط
الشامل لا الجزئيّ، أي العمل على
تعميق وامتداد التأثير، وبتوزيع
أماكنه من دون مركزتها، حتّى لا
يولّد الانطباع العكسيّ، بالتالي
يخلق نفوراً وابتعاداً من قبل
المتلقّين، عندما يشعرون بتعاليه
عليهم، واقتصاره على البعض... هل
نستطيع أن نقول إنّنا بتنا نعاني
حقيقة من كثرة المهرجانات
الفنّيّة، ونعاني أكثر من غياب
الفنون التي تقام من أجلها
المهرجانات. يكون هناك تمويل قويّ
لإقامة المهرجانات، بحسب الظاهر،
ويكون هناك بالمقابل، انعدام
التمويل، أو قلّته الفاضحة
والواضحة، عندما يتعلّق الأمر
بإنتاجٍ معيّن في مجال من
المجالات التي تقام الدنيا ولا
تقعد احتفاءً به، وتقديراً
إعلاميّاً لأصحابه، وتغييباً
قسريّاً واقعيّاً لهم بعدما ينتهي
الاحتفال المُبرْمَج/
المُبهْرَج.. وهكذا يكون لكلّ
مهرجان أبطاله، وللأبطال أيّام
يقضونها مستمتعين بالاهتمام الذي
يلاقونه والترحيب الذي يتحوّطهم،
ثمّ لايلبثون أن يُعادوا تلقاءً
إلى مواقعهم- قواقعهم التي يُبقون
أو يلقون في ظلالها.
صحيفة أوان الكويتيّة/ الاثنين,
26 يناير 2009
|