|
الرقم واحد.. هذا الرقم
المُشتهَى من كلّ الحواسّ
اشتراكاً دون أيّ اشتراطٍ
على مَن سيحوزه، لأنّه
حينذاك سيكون صاحب
الامتياز فيما يأتيه، هو
بسمةُ الموناليزا، سرُّها
المدفونُ مع مبدعها،
المتجدّدُ على مدار
الساعة مع متلقّيها، تراه
كُلّما فُسِّر أو أُوِّل
أزاد بفرط التفسير
تحييراً، واستزاد باختلاف
التأويل تحيُّراً، حيث
هالة الواحد تنصب شِراك
الترميز ولا تنكشف، وتضع
فِخاخ التلغيز، ولا تسلّم
مفاتيحها لأيّ مغامر
مقتحم، ولا تُصطاد آرامها
الشاردة هنا وهناك، سوى
أنّها تثبت في كثير من
الأحيان في نقطة مركزيّة
لتزيد من إرباك الساعين
إليه، لتخلق الحِراك
اللائق بما تحيط به..
الكلّ يسعى إليه، وكلٌّ
من موقعه، ووفق سمت
ينتقيه، ووجهة يحدّدها،
يقتفي أثره في الجهات
كلّها، حتّى لا يتيه في
السبل المتكاثرة التي قد
تشي أنّها تؤدّي إليه،
لكن، تراها تموّه كهوفه،
وتُتوِّه عنه في الآن
عينه.. فالعاشق يودّ أن
يكون واحداً.. والمعشوق
كذلك يودّ أن يكون
واحداً.. الحاكم يودّ أن
يكون واحداً.. المحكوم لا
يودّ ذلك.. الفنّان يبحث
عن الواحديّة كذلك ويسعى
كغيره إلى تحصيله ونيله،
ولا يثني عن البحث عنه
إلاّ العثورُ عليه أو
التعثُّر به، وليس من
السهل اجتياز الحواجز
التي تسدّ درب ناشده،
لأنّ الواحدَ المنشودَ
مفعَمٌ بالإعثار والإرباك
معاً..
فضيلته أنّه يتجدّد
لغزاً، يتضمَّن المعاني
التي يُحمَّلها، من دون
أن يتأفّف أو يتعفّف،
تراه هنا مُنبَّلاً
مُكرَّماً فضيلاً، وهناك
مُخاصَماً مُعادىً
مغضوضاً عنه الطرف، ذلك
لأنّه حمّال أوجه عدّة،
نهّاب النقائض، وهّاب
المتناقضات، يصلح
لاستمداد كلّ المعاني
منه، من دون أن يكون
وقفاً لإحداها، أو
مرهوناً أو مُرتَهناً
لأخرى، حيث يبقى امتحاناً
مستولداً الأسئلة تلو
الأسئلة؛ امتحانَ الجِهات
والوجْهات.. فالتغلّب على
تلك الرغبة النرجسيّة
الأَثْريّة التي تعمي
الأبصار وتميت البصائر
يعني الاقتراب من حِمى
الملائكيّة المُؤَنْسَنة
الإيثاريّة التي تقتضي
التجرّد من كلّ ضغينة أو
هوىً، وتبشّر بنشر إشعاع
يزيح الغشاوة عن القلوب
التي قد تتبلّد في مسعاها
المحموم إلى الواحديّة،
لتحسن تقرير المصائر، كي
تتجسّده وتتمثّل خلوده،
وتتلبّس معانيه، فأن تكون
في مجالك الرقم واحد،
يُحسب لك أكثر من حساب
واحد، وذلك يعني اعترافاً
بجدارتك وتفوّقك، يعني
استحساناً لجهودك،
وامتيازاً باستحقاقك،
وتتويجاً لأعمالك، يعني
أنّك المؤثّر حيث تكون،
محتلّ القمّة، الفائز
باللقب الذي يُغار منه،
ويُكاد له في آنٍ..
ولا شكّ أنّ فعل الواحد،
يختلف بحسب موقعه الذي
يحتلّه، فواحد المربض
مختلف عن واحد المرصد،
والمستهدَف مختلف عن
الهادف، ويختلف فعله
ومعناه كذلك بحسب إعرابه
الذي هو إفهام للمتلقّي
وتوضيح له، فأن يكون صفة،
فهذا يعني أنّه سيكون
تابعاً قاصراً، وتُنتفَى
فاعليّته وفعاليّته،
وسيكون مهيض الجناح لا
حول له ولا قوّة.. أمّا
أن يكون موصوفاً، فهذا
بدوره يعني أنّه سيكون
المتبوع، الفاعل الفعّال
حيث هو بامتياز،
يُقَوْعِد ما يرتئيه،
ينفتح على كلّ المجالات،
ليرضي كلّ الأهواء
والنوازع التي تتنازع
للوصول إليه، ولربّما
للإيداء به أيضاً، لكنّه
لا يستكين لأيٍّ منها..
يُذكَّر الواحد ويُؤنَّث،
وأحياناً يُخنَّث أيضاً،
يُعقَّل ويُجنّن، يحتفظ
بمداليل التوحيد، ولا
يتنازل عن أبعاد التفرّق،
إلاّ أنّه لا يبارح فعله،
ويبقى مطارحاً صفاتِهِ
الودّ والغرام
والانفعال..
ألم يسعَ جلجامش إلى
الخلود..؟ ألم يبقَ
وحيداً في مأساة البحث عن
الواحد (وضمناً
الوحدانيّة)..؟ ألم يكن
مدركاً لجسامة ما كان
يرمي إليه..؟ لكنّه
بالمقابل ألم يكن موقناً
أنّه سيكون واحداً في
خلوده، مالكاً الجدارة
بالفَرَادة..؟ ومن جهة
أخرى، هي الرغبة التي
كانت تتآكله، وبقيت تتآكل
أخلافه وتستعر في
دواخلهم، والتي لم تكفّ
عن شحذ أسطورته الشخصيّة،
وتثوير رغبات البحث عن
الأساطير في النفس
الإنسانيّة.. ثمّ ألم يكن
قانون الفرسان، الكلّ من
أجل الواحد، والواحد من
أجل الكلّ، رمزاً
للتفاني، حيث تَسُوِّي
الواحد بالكلّ في عرفهم،
وبقي سيّداً في ذاته
ومَسوداً في جماعته..
الواحد، هو الرقم الوحيد
الذي يتجاذب أطراف
السّحر، ويمسك بمقاليده
وطلاسمه، وهو الوحيد الذي
مهما اختُلف في سبيل
حَوْزه، يُتَّفَق على
ارتقائه هرم الأرقام، إذ
يبقى مُبتدأها ومنتهاها،
ويبقى كذلك مخيفاً،
مُسوَّراً بالخشية، لأنّه
يظلّ مجهولاً، والإنسان ـ
بفطرته ـ عدوّ ما يجهل..
لكن، حتّى في هذه النقطة،
كسر الواحد القاعدة وشذّ
عنها، لأنّه حافظ على
مكانةِ الحبيبِ المجهولِ،
وأقنع أنّ الإنسان يستطيع
أن يحبّ ما يجهل..
لكلّ ذلك، ولأنّه منبع
الجدّة، ونبع لا يُرتوَى
نهله، فلا غَرْوَ أنّه
سيبقى المغري بغموضه،
المضيء بمَغْنطته التي
تستقطب ولا تلين، حتّى
وإن ظنّ به التلاين
أحياناً، كونه برمودا
الأعداد والأرقام، منه
التوالد وإليه الانتكاس
والانكسار أيضاً، إذ أنّه
المبتكر خلافاته
واختلافاته، المتشظّي في
الزمان والمكان.. والباحث
عن سرّه واجدٌ فيه
أسراراً تستعصي على الفهم
بقدر ما تستجيب له، تنغلق
على السهل، وتخلق منه
الممتنع الأسهل، لا ينكشف
بسيطه إلاّ لينعقد على
التعقيد أكثر.. لذلك فلا
يملّ أحدٌ من السعي نحو
هذا الرقم بكلّ ما يَحمله
ويُحمَّله ويتحمّله من
معانٍ لا تُحجَّم في
فوضاه المنشودة، وخلوده
المعبود..
عن جريدة (الزمان)
الدولية - العدد 2996 -
التاريخ 17/5/2008
|