جهـــاد صــالح
29-03-2005
Xebat_s@hotmail.com
الأكراد في العراق كغيرهم من آطياف المجتمع العراقي " عرب – كلدان
– آشوريين – تركمان " تعرضوا للظلم والطغيان على آيدي النظام
الصدامي البائد ولكن الكرد كانت حصتهم حصة الأسد من القتل وعمليات
الإبادة والتهجير ورغم ذلك قاوموا بشدة وببسالة .. وقضية اكراد
العراق بدأت تأخذ منحى آخر وخصوصاً أنهم باتوا يطرقون آبواب
الرئاسة وبقوة ويشاركون بفاعلية في نشوء عراق ديموقراطي موحد ..
كان لا بد لي ان اتطرق لملفهم فهو من الملفات الهامة والخطيرة ..
فالأكراد سيغيرون الكثير من المفاهيم في الشرق الآوسط وسيكتشف
القارئ مدى تضحيات هذا الشعب وسأغير من خلال هذا الملف نظرة القارئ
العربي إتجاه قضية الشعب الكردي لتظهر الحقائق جلية .. واضحة
بعيداً عن الشوفينية والعنصرية الطائفية .. لما للعلاقات العربية –
الكردية من جذور تاريخية وبما يخدم الأهداف المنشودة في توطيد
آواصر الأخوة بين الشعبين ( العربي والكردي ) ..
الشعب الكردي في العراق جزء من شعب عظيم .. مجزأ ومغبون تاريخياً
وسياسياً حيث يبلغ عدد الأكراد في العالم مما يقارب (40 مليون نسمة
) موزعة بين خمسة دول (سوريا- ايران-تركيا- العراق – روسيا )
يصل عدد أكراد العراق الى حوالي ( 7 مليون ) ولا توجد إحصائيات
دقيقة بذلك .. يعيش الكرد في العراق منذ الأزل في منطقة شمال
العراق والتي تسمى " اقليم كردستان العراق " حيث يتمركزون في مناطق
" السلمانية – اربيل – دهوك – كركوك " وينتشرون في مناطق أخرى
ايضاً .. والأكراد من الشعوب الهندو – اوروبية فعرقه آري.. وعلى
امتداد التاريخ ساهم آكراد العراق مساهمة فعالة في بناء حضارة
العراق إبان العهد الآشوري وما تلاه وحتى قيام الحضارة العربية
والأسلامية ودخولهم طوعاً في الدين الأسلامي ورغم ان الأكراد
العراقيين قاموا بثورات لتحقيق طموحاتهم القومية وأقامة إمارات
كردية في مناطق السليمانية وروندوز واربيل فقد استطاعت الدولة
العثمانية القضاء عليها .. لقد كانوا يطمحون الى حياة كريمة اسوة
بما يتمتع به إخوتهم العرب ورفع الظلم والأستبداد والقهر عن شعبهم
في تلك الفترات وما لحقها ..
لقد إنبثقت حركات كردية مسلحة في شمال العراق تطالب بضرورة منح
الأكراد حق تقرير المصير منذ عام 1880م إلا أن تلك الحركات تم
اجهاضها بالقوة ولتأتي بريطانيا والقوى الأستعمارية لتوزيع
المستعمرات فيما بينهم ومنها العراق التي وقعت تحت الأستعمار
البريطاني . فبريطانيا وعدت الأكراد بمنحهم حقوقهم القومية ثم
تنكرت لكل شيء بعد إتفاقية سايكس بيكو ( 1916) وإنتفض الكرد
بقيادة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية وقصفتهم بريطانيا
بالطائرات وأرتكبت مجازر وحشية سكت عنها التاريخ للأسف ولم تتمكن
بريطانيا بعظمتها من إسكات الصوت الكردي في منطقة كردستان .. إذ
تمخض بعد تلك المجازر التي ارتكبتها بريطانيا ببزوغ أحزاب وطنية
وقومية ثم قيام ( ثورة برزان 1931-1932) ومن ثم قيام ( جمهورية
مها باد 1946 ) في كردستان إيران التي قادها القاضي محمد وتعاونت
القوى الأستعمارية مع حكومة الشاه فقضوا عليها بعد ان دامت 11
شهراً , ونتيجة لذلك كان على الكرد ان يندمجوا ضمن المجتمع العراقي
ويتفاعلوا معه ويتوالد قواسم مشتركة في العمل السياسي نتيجة هذا
التعايش والإنسجام للعمل معاً ضد الأستعمار والتطلع نحو حرية
العراق وطن الجميع وإستطاعت الحركة الوطنية الكردية ان تساهم
مساهمة فعالة ومؤثرة في تاريخ الحركة الوطنية العراقية بشكل عام
إضافة الى تأكيد الشراكة الوطنية فعلاً لا قولاً.
ساهم الأكراد في بناء المؤسسات الوطنية والإجتماعية والثقافية
ورفدوا الجيش العراقي بخبرة الكوادر الشابة والممتلئة وطنية
وإخلاصاً للعراق وللوطن العربي , حيث اسقطوا النظام الملكي / ثورة
14 تموز 1958/ وقيام الجمهورية .. وحطمت الحكومة الجديدة آمالهم في
حياة حرة كريمة فرفعوا السلاح بوجه السلطة في بغداد 1961 في عهد (
عبد الكريم قاسم ) الذي لم يتمكن من فهم حقيقة وتطلعات الأكراد
المشروعة وحتى قيام حكومة عبد السلام عارف إثر إنقلاب 1963 ولم
يتوقف القتال إلا بتحقيق شكلي وجزئي من آمال الأكراد وذلك بإصدار (
بيان 11 مارس 1970) الذي اعترف بخصوصية الشعب الكردي وبحقوقهم
القومية ضمن وحدة الشعب والوطن ومن ثم لتتنصل السلطة من كل شيء ومن
الإتفاقية وإندلاع المعارك من جديد وحمل الأكراد للسلاح ضد السلطة
ومواجهة أقوى الجيوش وليتفق صدام مع الشاه عام 1975 للقضاء على
الثورة الكردية .. وتحرك تركيا بدورها فإنهارت الثورة وفرح السلطة
الصدامية بالنصر المزعوم الذي تحقق من خلال بيع كرامة وسيادة
العراق وسجلت تنازلاً وطنياً رخيصاً مقابل إيقاف ُزخم الأندفاع
الكردي في المنطقة .. بعد ذلك إنتهجت السلطة الصدامية إجراءات
شوفنية وقامت بأخطر صفحة من صفحات انتهاكات حقوق الأنسان وهي
عمليات التهجير القسري للقرى الكردية الحدودية ومسحها عن الوجود ..
كل ذلك تحت سمع وبصر العالم المتحضر الذي بقي صامتاً وآلحقت ذلك
بإتباع سياسة التعريب القسري بغية خلق جيل كردي لا يعرف اللغة ولا
الجغرافيا ..
وتنازل صدام سيادياً لتركيا من أجل قمع الأكراد وكأن العراق ملك له
وحده ومن ثم ليخوض حرباً غير عادلة ضد ايران من العام ( 1980-1988)
وخلال هذه الحرب تحملت منطقة كردستان قيام المعارك في ساحاتها مما
دفع بالناس الى التشرد والهروب والنزوح الجماعي بحثاً عن الآمان
وإرتكاب النظام الصدامي للمجازر بحق الناس المدنيين .. تلك الحرب
التي كانت بأيعاز اميركي وجلبت الكوارث والويلات للشعب العراقي
الذي عاش في فقر وتشرد وضياع وقيام صدام بقمع الأكراد والشيعة معاً
وقيامه بأتباع سياسة الأرض المحروقة وجريمة إستخدام السلاح
الكيماوي وغاز الخردل ضد سكان حلبجة الشهيدة في 16 آذار 1988التي
راح ضحيتها اكثر من خمسة الآف مدني وليطلق عليها اسم هيروشيما
الكرد , وجريمة الأنفال بقيادة علي الكيماوي حيث قتل حوالي 200الف
كردي في مقابر جماعية وسياسة الصهر القومي وتدمير القرى ومصادرة
الأموال والتهجير القسري والطرد والتطهير العرقي وإعدامه لأكثر من
ثمانية الاف من عائلة السيد مسعود البارزاني زعيم الحزب
الديموقراطي الكردستاني إلا ان الكرد رغم كل هذا الإضطهاد والظلم
وسكوت الدول العربية عن كل شيء ظل الكرد وقادتهم على ولائهم
ومحبتهم للعراق ولأخواتهم العرب وقادة عراقيون مخلصون .. يفرقون
بين سياسة النظام الأستبدادي وبين شعب عربي يحترم تطلعات الشعوب
نحو الحرية ويرتبط بوشائج قوية ومصير واحد لا تفرقه عنصرية بعض
السياسيين العرب الذين ينتظرون حكم القضاء العراقي في ظل محاكمة
عادلة عن جرائمهم البشعة واللاإنسانية .
لقد وقف الشعب العراقي واحداً ضد نظام صدام الأستبدادي في انتفاضة
1991 وقيام حرب الخليج الأولى بعد غزو الكويت وإستطاعت الحركة
الكردية في كردستان العراق والشيعة في جنوب( البصرة) ومنطقة
الأهوار ان تسجل بطولات وطنية على الساحة العراقية ضد نظام صدام
الدموي وحين إختار الأكراد الفدرالية كنظام للحكم وكنمط للعلاقة مع
النظام المركزي في بغداد في انتخابات حرة ديمقراطية عام 1992 ..
واختاروا الأتحاد الحر مع الجمهورية العراقية رغم تحريرهم لأقليم
كردستان .. وهذا ينفي عنهم تهمة الأنفصال والأستقلال عن العراق ..
واعتقد أن حكمة القيادة الكردية وتجربتها النضالية المريرة
والطويلة ستوظف ليس للكرد فقط وإنما لخدمة وبناء عراق المستقبل بكل
آطيافه القومية والدينية والسياسية وأن الآفاق المستقبلية للشراكة
العربية الكردية ستساهم في بناء عراق ديمقراطي برلماني تعددي
ومؤسسات دستورية في ظل مجتمع مدني يحترم حقوق الأنسان والنظام
الفدرالي بجهود مشتركة وتوظيف الثروات وتوزيعها بصورة عادلة لمصلحة
الأنسان العراقي ومستقبله .. وهذا ما يطمح إليه القارئ العربي
والكردي الذي يسعى للسلام والديمقراطية والمساواة في جميع آصقاع
الشرق الأوسط وخاصة عالمنا العربي الذي دخل في مرحلة جديدة من
التغيير والأصلاح بعيداً عن الشمولية والأستبداد وكبت الحريات لما
فيه خير الدول والشعوب .