|
|
جان أحمد سلو
حلم تحقق واندثر خلال مدة وجيزة دام فقط ثلاثمائة وثلاثين يوماً , إنها
جمهورية مهاباد الكردية التي ستبقى رغم الانكسار نجمة تلمع في سماء
الكرد المظلمة , سقوطها انكسار يضاف إلى انكسارات الكرد الكثيرة عبر
التاريخ , كما قال عنهم آرجي روزفلت " شعب يبدو أنه لم يتفق عبر
التاريخ " فمن المسؤول عن سقوط الجمهورية ؟ هل هو سياسة الاتحاد
السوفيتي الخاطئة تجاه الشعب الكردي كما يدعي أبواق الدعاية
الاستعمارية قبل وبعد سقوط الجمهورية ؟ حتى بدا أمراً مسلماً به , وإذا
بالكثير ممن يدعون الثقافة إن كانت لديهم معلومات أو وقائع تثبت ما
يدعونه أو لم يكن لديهم فإنهم يجيبون أن السبب هو الاتحاد السوفيتي "
قام ببناء الجمهورية ثم تركها وحيدة في مواجهة الأعداء " وهذا ما قال
عنه الشهيد عبد الرحمن قاسملو بالبهتان الأول , حيث أنه يدحض هذا
الادعاء في كتبه الثلاث ( كردستان الأكراد – وأربعون عاماً من الكفاح –
و كردستان إيران ) ورغم ذلك يأتي بالبينات عن أسباب وكيفية سقوط
الجمهورية , لم يقم أي تنظيم سياسي كردي بقول الحقيقة في برنامجه أثناء
سرد الحقائق التاريخية بقول الحقيقة عن مهاباد وسبب سقوطها لكي لا يذكر
الأصدقاء الجدد " الأمريكان والإنكليز " بأنهم واحتكاراتهم وراء سقوط
مهاباد , هذا إذا استثنينا الشهيد عبد الرحمن قاسملو , وكل هذه
التساؤلات , سنصل إلى الإجابة عنها من خلال دراسة ظروف تكوين الجمهورية
بموضوعية وماهية القوى السياسية الكردية في كردستان إيران والواقع
السياسي والعسكري , لهذه القوى أثناء دخول قوات الحلفاء إلى كردستان
وبعد انسحابها منها , عندها فقط نستطيع أن نعرف الحقيقة وتلك الحقيقة
أيضاً لن تكون كاملة لأن معظم وثائق وكتب الجمهورية حرقها نظام شاه
الدكتاتوري بتوجيه من أسياده الأمريكان و الإنكليز في ساحة جارجرا
بمدينة مهاباد بغية محو أثار جمهورية كردستان .
في 22/1/1946 , أعلن عن جمهورية كردستان في ساحة جارجرا بمدينة مهاباد
حيث أجتمع الآلاف ليشاهدوا مراسيم رفع العلم الكردي ولأول مرة حيث
اعتبر مشهداً تاريخياً , وأصبح الشهيد قاضي محمد رئيس الحزب الديمقراطي
الكردستاني رئيساً للجمهورية وفي 17/12/1946 انهارت الجمهورية عن عمر
قصير دام أحدى عشر شهراً , ورغم هذه الفترة القصيرة جداً ورغم الصعوبات
فقد حققت نجاحات جمة وعظيمة إذا قارناها بهذه الفترة القصيرة .
عندما زار آرجي روزفلت جمهورية كردستان كتب ... يستغرب الإنسان من شيء
واحد هو ذلك الجو الديمقراطي الحر الموجود في مهاباد .....إذ لم يكن في
كردستان سجين سياسي واحد .
وأعلن عن أسماء الوزراء الثلاث عشر في 11 شباط من نفس العام في جريدة
كردستان الناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني وهم :
1- الحاج بابا شيخ رئيساً للوزراء
2- محمد أمين معيني وزير الشؤون الداخلية
3- محمد حسين سيف قاضي وزير الحرب
4- محمد أيوبيان وزير الصحة
5- عبد الرحمن إيلخاني زاده وزير الدولة
6- إسماعيل إيلخاني زادة وزير الموصلات
7- أحمد إلهي وزير الاقتصاد
8- كريم أحمدين وزير البريد والكهرباء
9- مصطفى داوودي وزير التجارة
10- مناف كريمي وزير المعارف
11- محمود ولي زادة وزير الزراعة
12- صديق حيدري وزير الإعلام
13- خليل خصروي وزير العمل
ووضع نشيد وطني للجمهورية وهو ( أي رقيب ) من كلمات الشاعر الراحل يونس
رؤوف دلدار , ولحنه المهندس نوري صديق شاويش , ومن منجزات الجمهورية
أيضاً أصبحت اللغة الكردية لغة رسمية في البلاد , ونشرت صحف ومجلات
كثيرة باللغة الكردية منها جريدة كردستان , وصدر منها مئة وثلاثة عشر
عدداً , وهوارى كرد ( صرخة الكرد ) و هوارى نشتمارن ( صرخة الوطن ) ,
والمجلة الأدبية هلالة Ker u kale mendalen kurd
( غنين الطفل الكردي ) , وكانت المجلة من إصدار عمال مطبعة مهاباد تلك
المطبعة التي كانت إهداءاً من الحكومة السوفيتية حينذاك .
أنشىء المسرح الكردي لأول مرة حيث كانت ضرورية لإيصال الأفكار إلى
الشعب الذي كان 90% منه أميياً , وتأسس الاتحاد النسائي الكردستاني في
14/3/1946بالرغم من قلة النساء المتحررات في المجتمع الكردي , كما أسس
الجيش الشعبي الذي سمي بقوات البشمركَة .
إذا كانت هذه هي ايجابيات قيام الجمهورية ونجاحاتها , فما هي سلبياتها
وأسباب سقوطها , وهنا تكمن مواضع الاختلاف في وجهات النظر , وفي
المواقف المبدئية تجاه قيام هذه الجمهورية حيث أن هذه الأسباب تكون في
شقين , أسباب خارجية يتمسك بها الموالون للغرب ولثقافة الانكلوأمريكية
, وجوهر هذه السياسة وضع المسؤولية على الاتحاد السوفيتي فقط , بأنها
وراء انهيار الجمهورية وأنها ليست بالصديق الوفي , بينما الشهيد عبد
الرحمن قاسملو يعتبر الأسباب الخارجية أمراً ثانوياً , أما الرأي الآخر
فيقول بأن السبب الرئيسي هو الشعب الكردي نفسه , وهو ما يؤكده قاسملو .
ومن هذه الأسباب :
1-كان الشعب الكردي يسوده الجهل ونسبة الأمية فيه يعادل90%
2- كانت علاقات الإنتاج في كردستان إقطاعية متخلفة , بينما في إيران
كانت برجوازية ناشئة
3- اعتمد قاضي محمد أثناء تشكيل الحكومة على الأغوات والإقطاعيين
الكبار , وهؤلاء أصبح معظمهم معادين للجمهورية , وخانوا الشهيد قاضي
محمد , خوفاً من أن تتحول جمهورية مهاباد إلى اشتراكية , فلم يكن
باستطاعتهم أن يضحوا بإقطاعيتهم في الأرض , من أجل دوام الجمهورية .
4- لم تقم الجمهورية بأي إجراء ثوري اجتماعي , وبقيت الحركة قومية بحتة
, حيث أنهم لم يوزعوا الأراضي على الفلاحين , وبقي المالك مالكاً
إقطاعياً , ولم يتغير شيء فاستاء الفلاحين الفقراء من الجمهورية , وكان
من الواجب الاعتماد على الطبقة الأكثر راديكالية في المجتمع .
5- الموقف الشعبي الكردي من السوفييت لأن الكرد بمعظمهم يدينون
بالديانة الإسلامية , والدعاية الاستعمارية كانت بين العوام أن
السوفييت كفار و ملحدين .
6- لم يتم تحرير كامل كردستان بل حررت ثلث الأراضي الكردستانية فقط .
وبالمختصر لم تجد الجمهورية من يدافع عنها , وفي السابع عشر من كانون
الأول انهارت الجمهورية , وبقيت الأوضاع هادئة حتى الحادي والعشرين من
كانون الأول , عندما جمع همايوني قائد الجيش الإيراني الرجعي , قادة
حزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في بلدية المدينة , وطلب منهم
الأسلحة المستلمة من الاتحاد السوفييتي , فأجابوه أن البنادق وزعت
وأحرقت قائمة الأسماء الذين استلموها , وقام الشهيد قاضي محمد , بوضع
مسؤولية هذا العمل على عاتقه الشخصي فقط , مضحياً بنفسه في سبيل خلاص
وسلامة القادة الآخرين وليتجنب سفك دماء شعبه, وأعتقل العميد همايوني
جميع الموجودين من قادة الحزب البالغ عددهم ثمانية وعشرون عضواً , وعلى
رأسهم القاضي محمد .
أمتاز قاضي محمد بنكران الذات الذي هو صفة لكل ثوري حقيقي ومن محبة
الناس له سمي بـ (بشه وا ) (الإمام ) , وأثبت خلال المحاكمة حبه لشعبه
أكثر من نفسه , وبقي وفياً لمبادئه ولقسمه أمام الشعب بأنه سيضحي بنفسه
في سبيل الوطن والشعب , ومات شهيداً ليعيش الشعب الكردي من بعده مرفوع
الهامة , ولم يتنازل عن مبادئه المعادية للاستعمار , حيث زاره وفد من
الأمريكان والإنكليز للتفاوض معه ونصحه بإظهار الندم , وقبول شروطهم
ومطامعهم في البلاد , ولكنه رفض , وفضل الموت على أن يظهر ندمه , ولم
تستطع المحكمة العسكرية أثناء محاكمته , بقيادة المحقق العقيد فيروزي
العنصري الحاقد على شخصية قاضي محمد وعلى الحركة الديمقراطية الكردية
في إيران ,على إركاعه بل أركع المحكمة العنصرية بثباته على مبادئه ,
ودفاعه عن حق الكرد في العيش الكريم , فحكم عليه بالإعدام في 23/1/1947
وأجل تنفيذ الحكم ست وستون يوماً , حيث نفذ حكم الإعدام على الشهيد
قاضي محمد وأخيه صدر قاضي و ابن عمه سيف قاضي في 30/3 /1947, في ساحة
جارجرا فجراً وهي نفس الساحة التي أعلنت فيها الجمهورية فأصبح بذلك
قاضي محمد إماماً للشهداء الكرد الذي سينير ذكراه ذاكرتنا المظلمة .
فطوبى لذكراه الخالدة في أفئدة الملايين من محبي السلام والحرية
والديمقراطية
.
|
|