|
حبٌ.... وأشياء أخرى
gurzek gul
حملت حقيبتها وأشياءها الأخرى و
توجهت إلى الكراج في رحلة قصيرة ،
لمدة أسبوع ، إلى الشام بعد أن
قدمت أوراقها اللازمة والتذكرة
صعدت إلى البولمان ، وضعت حقيبتها
في المكان المحدد للحقائب ، خلعت
جاكيتها وجلست تطالع كتابا حملته
معها من مكتبة صديقتها بانتظار
تحرك البولمان . طبعا لم تنسى
قراءة بعض الآيات من القرآن
الكريم
بدء البولمان بعد لحظات بالتحرك ،
كانت تراقب باهتمام شديد كل شوارع
وأرصفة قامشلو الهادئة جدا في تلك
الساعة من الليل , كأنها تراها
لآخر مرة ...... كأنه الوداع .
شعرت بالراحة قليلا حين سمعت صوت
البلبل محمد شيخو وهو يشدو من
مسجلة معاون البولمان فهي عادة
تحب الاستماع له حين تكون مضطربة
لأنه يشعرها بالأمان عادت لكتابها
من جديد ، فجأة شعرت بقوة هزت
البولمان ها قد بدأ الخوف ...إنها
سيارات الشحن الكبيرة والمسرعة
تمر بجانب البولمان ... بالتأكيد
فهم أصبحوا على الطريق الدولي ...
وما أكثرها على هذا الطريق
وضعت الكتاب جانبا، ما عادت تشعر
برغبة في القراءة ، فهي تكره هذه
الهزات ، بل هي تخاف منها ، لأنها
ببساطة تضعها بين الحياة والموت ،
وهل هناك أكثر رهبة من أن تكون
أقرب للموت من الحياة ولا تملك
ولو خيطا واحدا من النجاة؟
ألقت برأسها على الكرسي ، وأغلقت
عينيها ، وذهبت تستعيد شريط
الأيام القريبة الماضية. فجأة بدء
البولمان بالاهتزاز مرة أخرى ،
فتحت عينيها لترى كل من حولها
منهمكين بقراءة الصحف أو المجلات
، كأن شيئا لا يعنيهم، فيما هي
ازدادت دقات قلبها.
تساءلت وهي تدقق النظر بعجوزين
يجلسان في المقاعد الأمامية منها
: لماذا أنا الوحيدة التي ترتبك
وتخاف عندما تحدث هذه الرجات ؟
ليست المرة الأولى التي تسافر
فيها، لكنها تخاف كعادتها في كل
مرة؟
لا تدري إن كانت تخاف الموت أم
تخاف اهتزاز البولمان .مع أنها
تدرك أن الموت بيد الخالق ، لكن
رغم ذلك يتملكها الخوف كلما رأت
شاحنة قادمة من بعيد وتتخبل بانها
ستصطدم مباشرة بمقدمة البولمان .
بدأت تعض على شفتيها، تذكرت أنها
لم تخبر من يهمهم أمرها ماذا
يفعلوا ببعض الأمور لو حصل لها
مكروه. أمها .... خطيبها .....
يا ألهي كيف يمكن أن تفكر مجرد
التفكير أن تخبرهم هكذا أفكار وهم
من دون شيء لا ينامون تلك الليلة
خوفا عليها من الطريق وشروره كيف
لا وهي الروح التي يعيشون بها
ليتني أخبرتهم !
أخرجت من حقيبة يدها السوداء
الصغيرة دفترا صغيرا تأخذه معها
أينما ذهبت طبعا فهي شاعرة ولا
تدري متى ينزل عليها وحيها لتنتهز
تلك الخواطر الجميلة وتكتبها
بدأت تكتب وصيتها لخطيبها ووضعتها
في محفظتها ،ضحكت من نفسها وقالت
: كم أنا غبية ، وهل ستسلم الورقة
لو حصل مكروه ؟ لكنها أجابت
نفسها. لن أخسر شيئا من ذلك من
يدري ربما تبقى الورقة.
نظرت من خلال النافذة ... لا شيء
سوى الفراغ والعتمة يملأ مدى
بصرها ... حالة من الخوف الشديد
تسيطر عليها، تشعر كأنها ماتت أو
كادت، تبدأ بترتيل آيات من القرآن
الكريم
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف
عني، اللهم اغفر لي وارحمني
وأنقذني وأعدني لعائلتي سالمة.
تكرر دعاءها عشرات المرات وهي
تستعيد شريط حياتها كلها. الهي إن
حصل شيء لي سيشمت بي كثيرا من
الناس ، من يدري ، سيشمت بي من
كنت يوما أعدهم أصدقائي ، فكانوا
كالعقارب ينهشون بي .لم أنتقم
منهم بعد ، لم أرد لهم الصاع
صاعين ، سأموت مهزومة أمامهم .
هزموني بحقدهم وكرههم وتآمرهم .
الآن سأموت دون أن أشفي غليلي
منهم .
اهتز البولمان هزات عنيفة ، بدأ
الوجوم يسيطر على الجميع ،عادت
تدعو الله أن يغفر لها ، فجأة
بدأت تقارن بين دعواتها بأن يغفر
الله لها وحرصها على الانتقام كيف
أطلب من الله أن يغفر لي ذنوبي –
وما أكثرها - وأرفض أن أصفح عن
أحد منهم.
كيف أصفح عنهم ولا زال الحقد يملأ
قلوبهم ؟
ألم تتحول مثلهم حاقدة عليهم ؟
لكنهم خدعوني ، أساءوا لي دون وجه
حق.
كيف؟
هل أتنازل علن حقي؟
لا ليس كذلك لكن قاومي مشاعر
الكراهية في نفسك ، قاوميها
بالحب..... نعم بالحب ،
ألا ترين أنك بمقاومتهم بالحب
إنما تنتصرين على نوازع الشر في
نفسك . جربي ذلك ، حاولي ولو مرة
، قرري في نفسك أن تصفحي عن كل
الذين أساءوا لك بالحب حاولي ان
تفرغي روحك مما فيها من اشياء لا
تريدينها اصلا قبل ان تغرب الشمس
،
عندما تنزعين عناصر الشر من داخلك
فأنت تنتصرين لنفسك وليس لهم ،
عندما تعلنين مواجهة الموت بالحب
سترين الحياة بعيون أكثر صفاء
وقلب أكثر نقاءاً.
هل على أن أحب من أساءوا لي؟
البولمان يزداد اهتزازا ، لم يعد
يهمها أي شيء،أغلقت عينيها وقررت
التجاوب مع ذلك النداء الداخلي ،
نعم سأصفح عن كل هؤلاء الناس ،
سأسامحهم ، إن عشت وإن مت، لم يعد
قلبي يكره أحدا. يبدو أنها غفت
قليلا.... فتحت عينيها على أنغام
فيروز { حبيتك تنسيت النوم
......} علمت حينها أن الشمس بدأت
بالشروق ، نظرت من حولها لترى
أنها وصلت إلى أطراف الشام
تنفست الصعداء ، الحمد لله على كل
شيء.
وأخيرا وصلت للكراج ، نزلت بسلام
وهدوءها المعتاد، عيونها تبحث عمن
ينتظر قدومها. كان حبيبها ،
والبسمة تملأ روحه
نزلت مصافحة يده بحرارة ومضيا
معا. في الطريق إلى سيارة التكسي
أخرجت من حقيبتها ورقة ورمتها بعد
أن مزقتها
ابتسمت دون أن تنظر للوراء .
gurzek-gul@hotmail.com
|