|
|
مستقبل العراق في الإستراتيجية
الأمريكية الجديدة
زيور العمر
هل تصلح إستراتيجية الرئيس جورج دبليو بوش
الجديدة في العراق ما أفسدته سياسات
إدارته في السنوات الأربعة الماضية ؟ هل
يمكن تدارك الأخطاء التي حدثت , والتي أدت
الى إنقسامات خطيرة في المجتمع العراقي ,
أسفرت عن تطاحن طائفي بين السنة و الشيعة
على وجه الخصوص ؟ أم أن الوضع سيبقى على
ما هوعليه من سوء و تدهور في المستقبل ؟
أسئلة تبقى برسم الإستراتيجية الأمريكية
الجديدة التي أعلن عنها الرئيس بوش مؤخراً
, و تحمل في طياتها العديد من
السيناريوهات و التحديات .
الخبراء و المتتبعين للمشهد العراقي محقين
, عندما يعتبرون الخطوة الأمريكية الجديدة
, بمثابة الفرصة الأخيرة أمام الرئيس بوش
لإفشال كل المراهنات التي تشكك في قدرته
على إصلاح الوضع الأمني الخطير في العراق
, و تصويب العملية السياسية المتعثرة الى
حد الآن. الجمهوريون منهمكون منذ الآن
بالإنتخابات الرئاسية القادمة , متطلعين
الى تدارك الخسارة الفادحة في الإنتخابات
التشريعية النصفية , التي أسفرت عن سيطرة
الديمقراطيين على مجلسي النواب و الشيوخ .
و لكن بعيداً عن نزعة التشفي من فشل
الأمريكيين في العراق , و العقدة
الإيديولوجية المتأصلة في ثقافة شعوب
المنطقة تجاه « الهيمنة الإمبريالية » على
مقدرات الشعوب..! , يجد المرء نفسه
مشدوداً الى الوضع العراقي , و آفاق الحل
في ظل الإستراتيجية الأمريكية الجديدة ,
ليس من منطلق التمني في أن تنجح أمريكا في
الخروج من « المستنقع العراقي » , و إنما
من منطلق خروج العراق من دوامة العنف
المستشري و المهيمن على تفاصيل الحياة
اليومية لإبناءه الى غد أفضل يتحقق فيه
الإستقرار و الإزدهار .
و بخلاف كل المراهنين على الفشل الأمريكي
و المتمنين لسحق الجنود الأمريكان على أرض
بلاد الرافدين , يتمنى السواد الأعظم من
العراقيين أن تنجح الإدارة الأمريكية في
إيقاف نزيف الدم العراقي . فالعراقيون
يدركون تماما ً نتائج و تداعيات الفشل
الأمريكي في بلادهم , بغض النظر عن
الذرائع التي ساقها الأمريكان من أجل
إحتلال العراق و إسقاط نظام حكم صدام حسين
فيه.
الإستراتيجية الأمريكية الجديدة كما بدت
ملامحها تتوضح مع مرور الوقت , تستند على
ثلاثة محاور أساسية , و تستمد قوتها و فرص
نجاحها من تعاون أمريكي عراقي , أي بين
الإدارة الأمريكية و الساسة العراقيين ,
بخلاف ما ذهب إليه تقرير بيكر هاملتون
من ضرورة إشراك إيران و سوريا في عملية
تهدئة الوضع العراقي , و هو ما شكل من
الوهلة الأولى مفاجئة للمراقبين و خيبة
أمل لدول الجوار العراقي .
المحور الأساسي في السياسة الجديدة تشير
الى عزم الأمريكيين على إعطاء الأهمية
القصوى لمدينة بغداد , بحيث تعود بغداد
مدينة متأخية لجميع أبناءها , بعد أن سجلت
عمليات العنف الطائفي مستويات خطيرة , و
لا سيما من قبل جيش المهدي , فأغلب القوى
السياسية العراقية باتت مقتنعة تماماً
بضرورة حل هذا الجيش ( الميليشيا ) التابع
لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر , و نزع
سلاحه , بعد أن قام هذا الأخير بعمليات
تصفية مروعة بحق المواطنين السنة في
بغداد. و لعل موافقة رئاسة إقليم كردستان
على إرسال ثلاثة ألوية كردية تابعة للجيش
العراقي الى مدينة بغداد للمشاركة في
عملية إشاعة الأمن في المدينة , تأتي في
نفس السياق السابق. أما فيما يتعلق
بالمثلت السني المضطرب , فإن القوات
الأمريكية الإضافية سوف تتكفل بإستئصال
المجوعات الإرهابية الوافدة عبر الحدود .
و في سياق عملية سياسية و عسكرية أشمل
للقوات الأمريكية في العراق في المرحلة
القادمة , تعهد الرئيس جورج بوش بإشراك
أوسع للسنة في العملية السياسية الجارية ,
فمن المتوقع أن ترتكز جهود الإدارة
الأمريكية على فك إرتباط المصلحة بين
المجموعات الإرهابية , و لا سيما تلك
التابعة للقاعدة , مع البعثيين و أفراد
الجيش العراقي السابق , من خلال إلغاء
قانون إجتثاث البعث , الذي أقره الحاكم
المدني السابق للعراق بريمر من جهة , و
إدماج أفراد الجيش السابق في الجيش
العراقي الحالي من جهة أخرى .
المحور الثاني , الذي لايقل أهمية عن
المحورين السابقين في السياسة الجديدة
يقوم على إعطاء الأهمية البالغة لتحسين
حياة العراقيين الإقتصادية . و الحديث
المتزايد عن ضرورة تزامن تهدئة الوضع
الأمني و إستقرار الحالة السياسية مع دفع
عملية إعادة البناء و تأمين الخدمات
للمواطنيين أصبح يحتل حيزاً مهماً في
الرأي العام العراقي . لذا كان التركيز
واضحاً على التوزيع العادل للثروة في
العراق بغية طمئنة الجانب السني على وجه
الخصوص . بحيث يكون للمناطق السنية حظاً
وافراً من النفط في عملية إعادة البناء.
إن التصريحات الشديدة اللهجة تجاه الدور
الإيراني السوري في العراق , وإعلان
الإدارة الأمريكية , عزمها إستئصال
العناصر المرتبطة بالدولتين على الأر ض
العراقية تأتي في سياق قناعة أمريكية
قديمة جديدة بتناقض مصلحة كل من إيران و
سوريا مع عراق مستقر و ديمقراطي , لهذا
كان إعتقال الإيرانيين في القنصلية
الإيرانية في مدينة أربيل بمثابة رسالة
واضحة لا لبث فيها الى إيران , تفيد بعدم
إمكانية مقايضة التعاون الإيراني فيما يخص
العراق بملفها النووي . و لا شك أن توقيت
زيارة الرئيس جلال الطالباني الى دمشق
تتفق أكثر مع الرأي القائل بأن في جعبة
الطالباني رسالة أمريكية تحذيرية لدمشق
أكثر من كونها زيارة لبحث العلاقات
الثنائية و التعاون الإقتصادي.
لهذا يمكن القول بناءاً على ما سبق أن
العراق ينتظر مرحلة حرجة في المستقبل
القريب , و يتوقف خروج العراق من النفق
الحالي المظلم على قدرة الأمريكيين على
تنفيذ سياستهم الجديدة في العراق .
|