| |
|
|
 |
|
زيور العمر |
|
الكرد و العلم العراقي
زيور العمر*
يبدو ان تصريحات القادة الكرد في
العراق لها وقع خاص و إستثنائي ,
و تثير إشكاليات عديدة , تبدو في
ظاهرها مشروعة إلا أن في جوهرها
وهمية و مفتعلة, تنم عن مواقف و
تصورات مسبقة ناتجة عن بقاء
المسألة الكردية في
العراق , لعقود من الزمن , دونما
حل.
و لعل قرار منع العلم العراقي
الحالي فوق مؤسسات إقليم كردستان
و دوائره من قبل رئيس الإقليم
مسعود البارزاني , أحد اهم
القضايا التي شغلت الرأي العام
العراقي و الإقليمي في الأونة
الأخيرة , و أستنفرت من أجل البحث
في أهداف و خلفيات القرار , جميع
أليات التشكيك و التخوين في نوايا
الكرد الإنفصالية , وصولا الى
عتبات التحذير من مغبة الوقوع في
فخ « السردية » الملاصقة , عن قصد
, لتاريخهم الطويل القائم على
الخيانة , بعضها خارجة عن إرادتهم
, بفعل قوى إستعمارية أو
كولونيالية من جهة , و منها من
إرتبط بأخطاء « خيانات » إرتكبوها
بأنفسهم من جهة أخرى.
و بهدف تعزيز ( السردية )
المزعومة , سواءأ عن قصد أو بدونه
, تتم مقاربة الداخل الكردي (
الوردي حسب الكرد ) مع الكل
العراقي , المفضوح على أخره في
نشرات الأخبار و جميع وسائل
الإعلام بفعل الفوضى و أعمال
القتل و القتل المتبادل , في نغمة
لا تشذ عن سياق إنشودة التشفي
الإيديولوجي تجاه الإستكبار
الإمبريالي الأمريكي .
لهذا , لم تسعف القيادات الكردية
, تصريحات أدلت بها و أوضحت فيها
دون لبس حقيقة الموقف الكردي من
مسألة العلم العراقي , مؤكدة في
وضح النهار على رفض العلم الحالي
و ليس أي علم عراقي , وهو حق
طبيعي لهم , طالما أن النظام
السابق إرتكب في ظله أبشع الجرائم
و أفظع الممارسات اللإنسانية
بحقهم .
لا شك أن المعارضين للقرار ,
وجدوا فيه فرصة لتجديد إتهاماتهم
للقيادة الكردستانية , و لكل
تاريخ الكرد في العراق , بالجنوح
نحو « التقسيم» و تالياً الى «
الإنفصال» عن الجسد العراقي . و
هم يعتمدون في سبيل تسويق هذا
الإتهام, و بهدف تأليب الرأي
العام الداخلي و الإقليمي على
القيادة الكردستانية , على جملة
مزاعم باطلة , نسوق بعضاً منها
على سبيل المثال , لا الحصر ,
لتبيان زيفها و الأهداف التخريبية
منها .
لعل الكثير منا يا يزال يتذكر
جيدا الظروف التي مرت على العراق
إثر دخول قوات الحلفاء الى أراضيه
من الجنوب و أسفرت سير المعارك
على ألأرض بعد واحد و عشرين يوما
عن إختفاء صدام و نظامه عن المسرح
السياسي , و تعرضت البلاد الى
عمليات سلب و نهب , لا مثيل لها و
كيف قامت وسائل الأعلالم العربية
بإتهام قوات البيشمركة الكوردية
بالمشاركة في نهب و سلب مدن
الشمال , و كيف تم تجييش الرأي
العام العربي ضد الشعب الكردي
بذريعة مساندة الإحتلال الإنكلو-
أمريكي على العراق , و كيف تم
تصوير المشاركة الكردية في
العملية السياسية في العراق على
أنه يأتي في سياق مخطط يتأمر فيه
الكرد في الشمال مع ( الصفويين )
الشيعة في الجنوب على سيادة و
وحدة الأراضي العراقية في إطار
مؤامرة أمريكية إمبريالية أشمل
تهدف الى تجزئة الدول العربية و
الإسلامية , و كيف روجت وسائل
الإعلام العربية على إمتداد أكثر
من أربعة أعوام لفكرة أن كردستان
العراق أضحت موقع أمامي
للإستخبارات الإسرائيلية لإختراق
أمن العراق , فضلا عن مزاعم أخرى
لا تتسع الفرصة للحديث عنها .
و بعد أن اصبح الوحود الكردي
أمراً واقعاً , لا مفر منه , في
ظل إعتراف دستوري بكردستان كإقليم
فيدرالي تضمنه الدستور العراقي
الدائم الذي صوت له اغلبية الشعب
العراقي و أقره بالنتيجة المجلس
الوطني العراقي , و وافقت عليه
القيادات السنية على مضض بذريعة
أن الكرد يشكلون قومية أخرى ,
تراجع المشككون و المخونون للموقف
الكردي عن مواقفهم السابقة . و في
الوقت الذي كان من واجب هؤلاء ,
أن يبادروا الى قبول رفع العلم
الكردي الخاص بالإقليم و شعبه فوق
الدوائر و المؤسسات الرسمية , و
تفهم عدم قبول الكرد رفع العلم
الذي أرتكب تحت ظله أبشع الجرائم
و تبقعت على قماشه دماء الأبرياء
الكرد جراء عمليات التطهير العرقي
و حرب الإبادة الجماعية, و التي
يحاكم جراءها الرئيس العراقي
السابق صدام حسين في قضية الأنفال
أمام المحكمة الجزائية العراقية
الخاصة في بغداد , وجدنا أنهم
يستمرون في سياساتهم التخوينية و
التحريضية ضد الكرد , في نظرة
عنصرية لا يمكن تبرئة النظام
السابق و أعوانه منها .
لهذا كان من الطبيعي الوقوف امام
الأصوات التي تصر على تحميل الكرد
بما لا ذنب لهم , و تقويلهم بما
لم يقولوه , من قبيل أن الكرد في
العراق يرفضون رفع العلم العراقي
, و يخرقون السيادة الوطنية . و
بالرغم من كل التطمينات الكردية ,
تحاول الأصوات الناشذة و المعزولة
عن عالم اليوم , بكل تغيراته و
مستجداته , تحميل الأمور و
المواقف بما لا يتفق مع سياقاتها
الإعتيادية , لصالح الثقافة
الشمولية و الشوفينية , المتعششة
, و المستقرة , في تاريخ طويل من
الإنكار و الإقصاء بحق شعوب و ملل
, عاشت آلاف السنين حنبا الى
حنباً في منطقة الشرق الأوسط .
و عندما يتطلع شعب في هذه البقعة
من الأرض الى معاشاة ذاته القومية
و الثقافية المتميزة في فسيفساء
قادر على إحتضان كل مكوناته و
عناصره , بالقدر الذي يحقق له
الإستقرار و الآمان , يخرج من تحت
الأنقاض من يريد أن ينغص على
البشر محاسن العيش المشترك و قيمة
الإحترام المتبادل في تحقيق
التقدم و الإزهار. و هؤلاء رجعيون
, بالتأكيد , كونهم يحاولون بكل
الوسائل , في معظمها عنفية و
وحشية , إعادة عجلة التاريخ الى
الوراء , و يسوقون في سبيل تحقيق
هذا الهدف, الى جانب آلة القتل ,
كل الإدعاءات الواهية و الحجج
التي ولت عليها الزمن .
إذاً , الإشكالية لا تقتصرعلى عدم
رفع علم هنا , أو إستبدال أحدهم
بأخر في مكان اخر , و إنما تتمثل
في أزمة جماعات و أفراد تتشدق
بثقافة و منظومة لم تعد لهما مكان
في عالم اليوم . و هي تحاول , بكل
الوسائل , إغراقنا في مستنقع
الكراهية و عدم التسامح من خلال
إنكار حقائق التاريخ و الجغرافية
, الباقية بقاء الإنسان على وجه
الأرض.
* كاتب كردي من سوريا
|
|
|
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع |
|
|
|