|
ِالموقف
الكردي الموحد في سوريا
غياب الإرادة السياسية و كثرة
العراقيل الممانعة لها
زيور العمر
نظرياً ,تتفق جميع القوى و
الأحزاب و الشخصيات الكردية ,
سواءاً التي شاركت في مؤتمر
بروكسل , أو التي غابت عنه , على
أهمية تأسيس مرجعية سياسية موحدة
تؤطر نضال الشعب الكردي في
المرحلة القادمة, لمواجهة
إستحقاقات التغيير الديمقراطي في
سوريا , فيما تختلف هذه القوى
نفسها , عملياً , على ماهية و
كيفية الوصول الى تحقيق هذه
المرجعية الموحدة. و يبقى السؤال
الأهم , في خضم هذا الإختلاف بين
ما هو نظري و عملي , ماثلاً
أمامنا و يحتاج الى جواب مستعجل :
متى ستتحقق وحدة الموقف الكردي في
سوريا؟
مؤتمر بروكسل , بماله و ما عليه ,
لم يكن سوى محطة فرعية في الطريق
الطويل صوب تحقيق الهدف المنشود ,
إلا أنه بما آل إليه من هيكلية و
قرارات , لا يستحق التوقف عنده
مطولاً , على إعتبار أن القوى
الكردية الأساسية رفضت التوقيع
على إعلانه مما جعل من مصيره في
خبر كان . و لكن ما هو مهم في هذا
السياق هو أن مهمة تحقيق المرجعية
السياسية الكردية الموحدة تبقى من
المهام الأساسية و الرئيسية أمام
الحركة الكردية و اي تأخير في
إنجازها يضعف الموقف الكردي و
يعيق عمل الأحزاب الكردية و
تحركاتها داخلياً و خارجياً.
ظاهرياً , يبدو في الأفق صعوبة
بلوغ غاية توحيد الصف الكردي. و
إن كانت الأسباب التي تحول دون
تحقيق هذا الهدف لا تتعلق , بدرجة
أساسية , بإختلافات سياسية و
فكرية تضع القوى المتعددة على
طرفي نقيض, و تجعل من تقريب وجهات
النظر في غاية الصعوبة. و إذا كان
من المهم , في هذا السياق ,
مناقشة آفاق المستقبل أمام تقريب
الكرد من بعضهم البعض
فإنه من الأهم , البحث في أسباب و
خلفيات حدوث الإنشقاقات و حالة
التشرذم في هيكل الحركة الكردية
في سوريا.
و على هذا المنوال , ليس من
التجني في شئ القول أن تاريخ
الحركة الكردية في سوريا لا تستحق
التوقف عنده بكثير من العناء و
بذل الجهد , على إعتبار أن سلسلة
الإنشقاقات و التشقاقات التي
إبتلت بها الأحزاب الكردية منذ
عام 1957 , كانت خلفها نزعات
شخصية و فئوية تبرأ أصحابها من كل
المسؤوليات القومية و التاريخية ,
و وضعوا نصب أعينهم مصالحهم
الشخصية على حساب الإعتبارات
العامة و المصالح العليا للشعب
الكردي. و إستفادت السلطات
الحاكمة في السورية من وجود هذه
النزعة لدى القيادات الكردية ,
فعملت على زرع عملائها و جواسيسها
في جسم الحركة , فكانت النتيجة
فساداً و إستفساداً لا نظير له ,
نعاني من مظاهره و أشكاله الى حد
يومنا الراهن.
و بناءا على ما تقدم , ليس من
الصعب فهم مجريات الأمور في
المشهد الكردي . فالتمحور في أطر
سياسية بحجة تحقيق قدر من التقارب
الكردي من دون تحقيق أية إنجازات
و خطوات عملية على الأرض اضحت
معروفة الاسباب و الدواعي . و
الأسباب التي تدعو الأحزاب
السياسية الكردية الى النحو بهذا
السلوك , لا تختلف في شئ عن
الدواعي التي تدفع بعض التشكيلات
العشائرية و العائلية الضيقة في
البحث عن امجاد واهية و مزيفة في
السياسة الكردية . فكان الفشل
بمثابة القاسم المشترك بين جميع
التنظيمات و التشكيلات التي تصدرت
الواجهة السياسية الكردية قرابة
نصف قرن من الزمن.
و بقدر ما يكون التقارب و التفاهم
المشترك مهم في الحالة الكردية ,
فإن أسسه و مرتكزاته تبقى الأهم.
و أي جهد في سبيل تحقيق هذه
المهمة يجب أن يستند على الواقعية
السياسية و يأخذ خصوصية القضية
الكردية في سوريا , جيو سياسياً ,
بعين الإعتبار . فالشطط السياسي
في طرح شعارات تتجاوز إمكانات
الشعب الكردي و قواه السياسية
تساهم سلباً في جهود بناء التفاهم
و التنسيق المنشود , و تتسبب في
حدوث المزيد من التباعد و التنافر
بين الأحزاب الكردية.
حيث لا يخفى على أحد محاولات
إضعاف إرادة و عزيمة تحقيق وحدة
الموقف الكردي , من خلال التشكيك
في إمكانية و قدرة الحركة الكردية
على تجاوز خلافاتها و حزازباتها,
على إعتبار أن مهمة و مسؤولية
الخروج من حال الإنقسام و التشرذم
تقع على عاتق القوى السياسية
الكردية بالدرجة الأولى . و لعل
المواقف المختلفة و المتعددة من
قبل الأحزاب الكردية حيال ما يجري
من احداث و تطورات إقليمية و
دولية و تأثيرها و تداعياتها على
مستقبل البلاد في الداخل و موقع
الكرد في معادلة التغيير
الديمقراطي تساهم , بلا شك , في
تعزيز الموقف العام المشكك في
سلوك الأحزاب الكردية و مواقفها .
و لعل ما يساهم أكثر في تعزيز هذا
الموقف هو تحركات الأحزاب الكردية
, المنفردة و المحورية , في
الداخل و الخارج , مع القوى
السياسية المعارضة للنظام. فتوقيع
بعض الأطراف إعلان دمشق دون
التشاور مع القوى الكردية الأخرى
و حضور طرف كردي أخر الإجتماع
التأسيسي لجبهة الخلاص في بروكسل
دون التنسيق مع الأخرين و تأسيس
المجلس الكردستاني في بروكسل و
طرح الحل الفيدرالي دون إجراء أي
نقاش أو حوار حوله و دون بلوغ أي
تصور موحد حياله , تساهم في مزيد
من التباعد و التنافر بين القوى
الكردية و تضع المزيد من الحواجز
و العراقيل أمام جهود توحيد
موقفها و عملها السياسي و
الميداني . من هنا يبدو للكثير من
المراقبين صعوبة تحقيق الموقف
الكردي الموحد , نظرياً , في ظل
غياب حوار كردي بناء يتصدى لمهمة
تأسيس طاولة كردية تجتمع عليها
جميع القوى الكردية , تناقش
القضايا الخلافية و تتجاوز
المصالح الحزبوية الضيقة و تضع
مقابل كل ذلك , توحيد الخطاب
الكردي , في مقدمة سلم أولوياتها.
من هنا يمكن القول أن تأسيس إطار
سياسي شامل يؤطر نضال الشعب
الكردي ليس هدفاً صعب المنال و
إنما يحتاج الى " إرادة سياسية "
تعمل على تهيئة شروط و أجواء
تقريب وجهات النظر و بلورتها و
صياغتها في مشروع سياسي كردي موحد
حيال كيفية حل المسألة الكردية في
سوريا. و إذا كان هناك من طرف أو
جهة تقع على عاتقها تحقيق هذه
المهمة , فهي بلا شك الحركة
الكردية , لهذا كانت التحفظات على
تحركات جانبية تظهر في الخارج من
قبل مجموعات مغمورة في العمل
السياسي مشروعة و تستوجب التوقف
عندها بجدية , لا ن من شأنها أن
تخلق المزيد من التعقيدات التي
نحن بغنى عنها.
المجلس الكردستاني أو التحالف
الكردستاني او الكردي ... أو
غيرها من المسميات و العناوين ليس
هدف يصعب تحقيقه و إنما هو شرط لا
بد من منه لإشغال موقع متقدم في
الخارطة السياسية في البلاد و
مستقبله فيما لو خرجت عن إطار
المصالح الفردية و الفئوية, و
إستندت الى إرادة سياسية مستقلة
عن كل التأثيرات المعروفة, و نالت
نصيبها من النقاش البناء و الحوار
الأخوي الهادف الى تجاوز حالة
الإنقسام المزرية وصولاً الى
تحقيق الموقف الكردي الموحد.
|