|
الـَقـَمـــشْ
Aleqemş
زنار مصطفى
اضطر دلبرين من شدة الجوع لبيع
أخته ﮔوله بليرة ذهبية, إذ كان
الطفلان قد امضيا عدة أيام من
السير على الأقدام مع القوافل ,
ولم يكن بإمكان دلبرين الاستمرار
في حماية أخته من مصائب وويلات
الحياة . لذا قرر تسليمها لجماعة
قادرة على المحافظة عليها وصونها
.
في
تلك الأصقاع بقي دلبرين وحيداً
دون أب و أم و أهل- حزن كثيراً
على حاله وأدمعت عيناه لوحدته ولم
يعد يعرف آية جهة يسلك. وبمجرد
سماع المارة حكاية هذا المسكين ,
كانت قلوبهم تتقطع حزناً ومرارة
عليه . وذلك لأن الرجال أنفسهم لم
يصمدوا أمام المصيبة التي حلت بهم
. فقد كان دلبرين و ﮔوله شاهدين
من شهود ((مذبحة الـَقـَمـــشْ))
. لقد شاهدا بأم أعينهم كيف أباد
الأتراك أطفال و نساء الكورد -
ففي عام ( 1926م ) أصدرت الحكومة
التركية قراراً سرياً يتضمن إحراق
وتدمير قرية (الـَقـَمـــشْ).
فزحف الجيش من (جزيرة بوطان) وساق
أمامه أهالي عدة قرى وجمعهم
أخيراً في هذه القرية . عزل الجند
رمة النساء و الأطفال عن الرجال
وجمعوهم في فنائي دارين منفصلين .
جاء وصف (ساره العرجاء) للمذبحة
رهيباً . إذ قالت :"عندما حصد
الجندرمة (الدرك) الأطفال و
النساء و الشيوخ تحرك سيل من
دماء تلك الأرواح البشرية. وبعد
قتل القرويين أحرقوا جثثهم لإخفاء
آثار تلك الجريمة النكراء عن
أنظار ومسامع العالم الخارجي".
أخفت ساره (دلبرين وﮔوله) في قن
الدجاج وذلك لإنقاذهم من الموت
المحتم , إلا أن أحدى قدميها بقيت
خارج القن لضيق المكان . وعندما
بدأ الجندرمة عملية الإبادة
أصابتها رصاصة طائشة فبقيت طريحة
الفراش عدة أشهر , حتى شفيت على
يد طبيب شعبي كوردي لكنها ظلت
تعرج , فسميت بــ ( ســارة
العرجاء).
لقد
قـُتل المئات من الكورد الأبرياء
في (الـَقـَمـــشْ) . يقول أحد
المعمرين المطلعين على أنباء
المذبحة :" أنه أبيد أثناء
المجزرة (1304) أشخاص دون أن
يرتكبوا أية جريمة تذكر".
لقد
أكمل الأتراك جريمتهم سراً حتى
النهاية وقدموا حججاً واهية لا
أساس لها من الصحة لتبرير أعمالهم
الوحشية ومنها: " حجة سلب رئيس
مركز البريد حيناً , و الاعتداء
على زوجته حيناً آخر. فقد
زعموا بأن ثلة من الشباب المتسكع
أعتدت على زوجة هذا المسئول
وأهانوا بذلك شرف الدولة التركية
". ولكن من كان يصدق بأن
مئات الأبرياء يبادون لأسباب
تافهة كهذه؟!
كلا
لم يتقبل أحد ما تلك الإدعاءات
والأقاويل الكاذبة , فكانت
الحقيقة تكمن في : " أن نظام آتا
تورك البربري أراد إبادة الكورد
وصهرهم في بوتقة القومية التركية
".
من
بين تلك النيران , من بين مخالب
الوحوش , من(الـَقـَمـــشْ)
المحروقة , أفلت (دلبرين و وﮔوله)
. فأخرجهم الناس من القرية , ثم
سارا مشياً على الأقدام مع
القوافل إلى أن وصلا إلى الحسكة
(حيث باع دلبرين أخته ﮔوله). هناك
عمل دلبرين كأجير لدى بستاني
عاماً كاملاً ولكن أموره لم
تتيسر, فاضطر للذهاب برفقة التجار
إلى دمشق , فعمل هنالك خمس سنوات
متتالية أزداد أثناءها اشتياقه
وحنينه لأخته . فقرر ترك العمل
والعودة إلى الحسكة للبحث عنها.
لكنه لم يفلح في العثور على أي
أثر لها, فأتجه هذه المرة صوب
القامشلي (المدينة الحديثة العهد
التي كان يقصدها الناس من سائر
الأنحاء). مضت سنوات أخرى , تعرف
دلبرين على فتاة كوردية , فتزوجها
وعاشا حياة سعيدة , ولاسيما عندما
رزقا بــ (ســــــيامند). تحسن
حال ( أبي سيامند) شيئاً فشيئاً
واستطاع أن يجمع المال بفضل
مهارته وتفانيه في العمل . أشترى
لنفسه في الخمسينيات دكاناَ
وسيارة , ثم رزقهما الله ببنت
وولد فعمت الفرحة الدار .
مرت
السنوات دون أن ينسى دلبرين
(ﮔوله) وقريته المدمرة
(الـَقـَمـــشْ). فكان ذلك الجرح
قد خلف نزفاً عميقاً في قلبه .
وكان (دلبرين) شخصاً مغلقاً على
ذاته , ولم يكن أحداً ما سوى
الأهل و الأصدقاء المقربين يعلم
بالذي يشغل باله على الدوام .
وكثيراً ما كان يستقل سيارته
بمناسبة أو دونها ليسافر إلى
الحسكة للسؤال عن أخته المفقودة .
وأثناء سفره إلى هناك كان رفاقه
يتهامسون فيما بينهم :" لقد عاود
زميلنا الكره من جديد , من المؤكد
بأن عظام تلك المسكينة قد تفسخت
تحت التراب ".
أزداد دلبرين شيباً و أصبح يخاف
الموت قبل رؤية ﮔوله , لهذا السبب
كثرت رحلاته إلى الحسكة . ذات مرة
, أثناء جلوسه قرب أحد الدكاكين ,
لفت نظره قدوم امرأة ترتدي عباءة
سوداء . ما إن مرت من أمامه , حتى
ازدادت ضربات قلبه وتسمرت عيناه
عليها . وبعد أن انتهت من شراء
حاجاتها خرجت من الدكان . لم
يستطع دلبرين ضبط نفسه , فتبعها
كمن يتبع أثراً ما حتى بلغت
منزلها . و فجأة و قبل أن تمد
يدها لتفتح الباب , أمسكها دلبرين
بشدة من زراعها , فصرخت من شدة
الذعر و هول المفاجأة . وبدأ
العراك بينهما . كان دلبرين يردد
: " أنت أختي .. أنت أختي .. أنت
أختي, لن أتركك بعد الآن , لن
أغادرك مرة أخرى .. لن أتخلى عنك
أبداً " . على أثر تلك الصيحات ,
خرج الزوج والأولاد من البيت.
وعندما رأوا والدتهم بين يدي
دلبرين , هرعوا لإنقاذها منه .
فقال أحد أبناءها :" إنه مخبول...
أنه مخبول" . لم يستطع الأبناء
تخليص أمهم من دلبرين .
"
هذه أختي .. هذه أختي .. لن تفلت
مني ثانية " . كان دلبرين يتفوه
بهذه الكلمات - هكذا كان واثقاً
من كونها أخته , لدرجة جعلت المرء
يعتقد بأنه لم يفترق عنها البتة .
كان دلبرين يلهث من شدة التعب و
الإحراج وكاد أن يفقد توازنه لولا
تدخل الابن الأكبر الذي أسنده
قائلاً : " هدأ من روعك يا خال و
حاول أن تبين لنا الأمر" .
أجاب دلبرين المتعب : " هذه أختي
. لقد بعتها منذ خمسين عاماً
بليرة ذهبية واحدة وحجتي هي وجود
شامة على كتفها الأيمن ".
في
الحقيقة كانت هناك شامة على كتف
ﮔوله ,لأنها عندما بيعت كانت
ترتدي ثوباً ممزقاً فوقعت عينا
دلبرين على تلك الشامة . لكن
الشيء الأهم هو: "أن ﮔوله لم تنس
تماماً بعضاً من تلك الصور
المأساوية الغابرة". بالبكاء و
الدموع أدخل الأولاد خالهم الدار
. كانت ﮔوله تبكي وبكي الجميع
بمن فيهم الجيران من شدة تأثرهم
بهذا الموقف الإنساني الذي أمتزج
فيه الحزن بالفرح . هكذا فرقت هذه
الدنيا الظالمة بين هذين الأخوين
. ولكن شاء القدر أن يجتمعا مرة
أخرى . عندئذ سأل الأولاد خالهم
:" كيف أستطاع التعرف على والدتهم
؟"
أجابهم الخال :" يا أولاد ! عندما
رأيت والدتكم شعرت في نفسي بأنها
أختي . هذا شيء صعب جداً لا
أستطيع تفسيره . ربما كان الرب
هو المساعد . وربما لقيتها صدفة .
لا أعلم . ولكن الشيء المؤكد:
"هو أن ﮔوله لم تفارق ذاكرتي
أبدا.ً لأنها و الـَقـَمـــشْ
أصبحتا مرآة أرى من خلالها ماضينا
المأساوي" .
تحول ذلك اليوم إلى دموع وفرح
,ولم يغمض جفن لأحد تلك الليلة
وفي صبيحة اليوم التالي أخذهم
دلبرين بسيارته إلى القامشلي التي
استقبلت الضيوف الأعزاء بالفرح
والزغاريد . لم تدم الفرحة طويلاً
. فذات مساء أثناء تناوله العشاء
أصيب دلبرين بألم شديد في صدره و
قبل أن يلحق الطبيب لإسعافه أسلم
الروح . في نفس الليلة تلقت ﮔوله
نبأ وفاته الذي جاء وقعه
كالصاعقة عليها , فحاولت التشبث
بجثمانه ومانعت دفنه في اليوم
التالي , إلا أنها أذعنت لحقيقة
الموت الذي فرق بينهما إلى الأبد
.
|