|
|
|
|
| |
الأنفال
الترجمة العملية لفكر البعث
زهير كاظم
عبود
دأبت السلطة البعثية على اعتماد
مبدأ التصفيات الجسدية لمعارضيها
كاسلوب من اساليب تمددها على
كراسي الحكم دون منازع او معترض،
ولهذا فقد بدأت يومها الاول في
الانقلاب الدموي الشهير في الثامن
من شباط 1963 بفتح السلخانات
البشرية التي اسمتها " مقرات
الحرس القومي"، لتفتح باكورة سحق
القوانين وتجاوزها وعدم الاكتراث
بالعدالة والقضاء، خلال حقبة
زمنية رهيبة وصعبة وغادرة مرت على
العراق، لم يكن اولها البيان
الرقم 13 السيئ الذكر والذي اباح
القتل في الشوارع على الظن او
الشبه لقوى اليسار العراقي ، وليس
اخرها منع القضاء والمحاكم من
النظر في القضايا التي ارتكبها
الحرس القومي .
وفي سجل كل حركة سياسية سمة من
السمات المميزة ،لكن ما تميز به
حزب البعث جنوحه الى الجريمة
المنظمة المرتكبة تحت مزاعم
الحفاظ على وحدة الامة العربية
واهدافها في الحرية والاشتراكية،
والمتمعن جيدا وبإنصاف يجد ان
الترجة العملية لما قام به الحزب
والسلطة يدفع الى حد كبير بما
يبعد المجتمع عن الاشتراكية وعن
الحرية وحتى الدفع والتثققيف ضد
فكرة الوحدة وحقوق الانسان.
وثبت للعراقيين ان منهجا وطريقة
عمل تجعل الفعل الجرمي والتنظير
باتجاه انهاء الخصم بالتصفية
الجسدية يعتمده البعث وسلتطه
باعتباره الطريق الأمثل في
التعارض والأختلاف، وهذا المنهج
لم يفارق البعثيين سواء كانوا في
السلطة او خارجها.
لن نتطرق الى منهجا صار معروفا
ومشهورا ليس بين اوساط الحركات
السياسية في العراق، انما بين كل
افراد الشعب العراقي، وهو منهج
الانقلاب واللجوء الى خيانة
العهود والاتفاقات والمواثيق مع
جميع الجهات التي تحالفت مرحليا
او ستراتيجيا مع البعث، وحتى مع
من كان لهم المعبر والجسر والباب
التي فتحت لهم السلطات في العديد
من الأحيان.
وعبثا حاولت السلطة البعثية ان
تجد لها منفذا قانونيا وقضائيا
يساعدها ويساهم معها في عمليات
الموت المجاني في العراق فلم تجد
لها مسعفا، مما الجأها الى تشكيل
محاكم هزيلة ولا تمت للقضاء
والمحاكم العراقية باية صلة، ولما
لم تستطع هذه الكارتونات ان تحل
لها مشكلتها في تطبيق مناهجها في
اللجوء الى القتل، بادرت هي خارج
هذا الاطار الى ارتكاب جرائم
القتل باساليب خسيسة وجبانة
معتمدة على قوة السلطة
وامكانياتها .
لجأت السلطة البعثية الى حملة من
الاعدامات لخصوم سياسيين بزعم
انهم ربما يسببون بها معارضة او
يقفون عائقا امام طريقها او يتم
نقدهم لمسلكها المتجسد في سيطرة
البكر – صدام ومجموعة العوجة على
السلطة في مدرعة بعثية ، فشكلت
محكمة برئاسة طه الجزراوي جزر
فيها ارواح العراقيين الأبرياء
بسرعة ومهارة تنم عن انحراف في
الشخصية وما من اجرامية تعشعش في
عقله وعقول من كلفه بهذه الاوامر.
ومن ثم لجأت السلطة البعثية ان
تبرز "ناظم كزار" كاسم مرعب في
مجال التعذيب والقسوة التي تخرج
هم حدود البشر والعقل، بيتم تطبيق
النشر بالمنشار الكهربائي او
الموت بالصعق الكهربائي او
بالمثارم البشرية او الاذابة
بالأسيد، ثم تطور الامر ليتم
اعتماد الوسائل العلمية الحديثة
في انها حياة الخصوم باستعمال
المواد السمية القاتلة او ذات
التاثيرات القاتلة بعد مرور فترة
قصيرة،ليشتهر "قصر النهاية" او
المخابرات والأمن العام ومقرات
التعذيب الخاصة بالاستخبارات
والامن الخاص.
والمتابع لمواقف البعث وسلطاته
التي تعاقبت بين 1963 و 1968 من
قضية الكردية التي قام بها الشعب
الكردي في ايلول من العام 1961،
يجد ان هذه السلطة جانبت المنطق
وحاولت ان تفكر بوسائل لانهاء
الثورة والقضاء على رموزها ان
تعلن ذلك في اول الأمر، ولجأت في
سبيل ذلك الى وضع المخططات ودرست
الاساليب التي يمكن لها وفق
تصورها الأحول ان تستطيع عزل
القيادة الكردية عن شعبها
وبالتالي التفرد في ضرب القيادة،
ولما فشلت في مسعاها الخائب لم
تجد غير ان تعلن صراحة عداءها
السافر للشعب الكردي بشوفينينة
واضحة وبالغة الخطورة ، وان تصف
المطالب الشعبية والحقوق التي
يطالب بها الكرد بالانفصاليين
والعصاة والخونة والخارجين عن
الصف الوطني ،وشنت في سبيل ذلك
حملات عسكرية شاركت بها دول وجيوش
عربية لقمع انتفاضة الشعب الكردي،
وصاحبت عملها العسكري حملة
اعلامية شوفينية كبيرة من اجل
تشويه صورة الحقوق الخاصة
والمطالب الشعبية للكرد، ولما
بقيت الثورة مشتعلة وتكسرت قرون
السلطة حين سقطت في انقلاب 18
تشرين الاول 1963 الذي قادة
حليفها عبد السلام عارف لم تستفد
من تجربة معاداة البعث لقضايا
وحقوق الشعوب، فقد بقي منهج القتل
سائدا على تفكيرها ومسيطرا على
نوازعها الشاذة في العمل السياسي
.
وبقيت حتى عودتها للسيطرة على
الحكم في العام 1968 حيث كانت
السلطة في اضعف حالاتها مما
الجأها الى الخنوع وقبول التفاوض
مع القيادة الكردية على اساس
مرحلي مستتر، حيث كانت طبيعتها
الكامنة في عقلها المريض يلح
عليها بالانقلاب على الشعب الكردي
ومحاربته بأساليب خسيسة.
واستغلت السلطة البعثية حقا فترة
الهدنة التي عقدتعا تحت زعم منح
الأكراد الحكم الذاتي في آذار
1970، وحتى خلال تلك الفترة كانت
السلطة تمارس المنهج الاجرامي في
محاولتها القضاء على الحركة
الكردية وتصفية العديد من
المواطنين الأبرياء سرا او تحت
زعم اختلاق الأفعال المخالفة
للقوانين، وتعد العدة وتخطط بخفاء
وسرية من اجل هدفها الاجرامي .
وبعد ان تمكنت السلطة من السيطرة
على الأوضاع الداخلية واستعادت
انفاسها كشرت عن انيابها بعد ان
تبين عدم جديتها او اخلاصها لمنهج
الحكم الذاتي وصيرورته كمطية
تحاول ان تركبها للتغطية
الاعلامية وعدم منح اي حق للشعب
الكردي .
وحين عاد الأكراد الى المطالبة
بحقوقهم المشروعة والاصرار على
المطالبة بهذه الحقوق، لجأت
السلطة الى الأسليب الخبيثة
بتشكيل افواج الجحوش وشراء ذمم
بعض الأكراد لاعتقادها انها
تستطيع ان تعمي الأبصار وان تقضي
على الانتفاضة المسلحة.
وبالنظر للموقف العالمي المتهاون
مع سلطة البعث والصمت المريع الذي
كانت تقفه الدول ازاء حركات
التحرر التي انحسرت، وللموقف
المشين الذي اتخذته سلطة البعث
المتمثل بشخص الطاغية حين كان
نائبا للمقبور البكر بالاتفاق مع
شاه ايران الاتفاقية المهينة في
الجزائر والتي تنازل صدام خلالها
عن الكثير من حقوق العراق مقابل
ان يقوم الشاه بموقف المساند في
القضاء على الثورة الكريدية،
وبالنظر لحدوث الانتكاسة في العام
1975، فقد عادت السلطة لتلجأ الى
منهجها في القتل والتصفية
والتنكيل بالشعب الكردي، في
اساليب متنوعة بين الحجز والنفي
والمعسكرات والمخيمات والاعدامات
بالجملة.
وخلال تلك الفترة التي بدأت
بانتكاسة الثورة مارست سلطة البعث
اساليب وطرق منظمة في سبيل تغيير
الهوية الكردية من تغيير القومية
وترحيل القرى الكردية المتاخمة
للحدود او التي تشعر بخطورتها،
واسكان العرب بديلا عنهم وترغيبهم
للسكن في مناطق عديدة من كردستان،
بالاضافة الى تحويل المنطقة الى
دائرة امنية تعج بفروع
الاستخبارات والمخابرات والأمن
والأجهزة الحزبية التابعة لهذه
الأجهزة.
ومارست السلطة داخل اقبية وغرف
هذه الأجهزة اعتى واقسى انواع
العذاب الإنساني ووصلت الى حد
القضاء على حياة البشر بالاطلاقات
الكاتمة والتخلص من جثثهم دون
قرارات حكم او تحقيق وسط تلك
البيانات المرعبة .
ولم يستكن الكرد ولم يتراجعوا عن
المطالبة بحقوقهم الانسانية
المشروعة، مما الجأ السلطة الى
حجز عوائل المقاتلين والتضييق
عليها بعدة وسائل.
وانيطت بدوائر مهمة متابعة قضية
كردستان العراق لم تقتصر فقط على
الأجهزة الأمنية ودوائر الموت،
وانما صارت لها دوائر متابعة في
اعلى المستويات، ونتج عن ذلك ان
يمنح الطاغية جميع صلاحياته وقوته
السلطوية الى ابن عمه علي حسن
المجيد ليصير حاكما عسكريا مطلقا
وملكا متوجا غير مسؤول ومصون على
المنطقة .
وكان النظام البعثي قد خطط
لعمليات ابادة جماعية للشعب
الكردي بعد ان استولى الطاغية على
السلطة مباشرة، ولكن نشوب الحرب
العراقية الايرانية حال دون ذلك،
حيث انشغلت السلطة بترتيب امورها
الدفاعية والقتالية، غير انه ما
ان شعر يتوقف القتال في العام
1988 حتى عاد لبث الروح في خططه
المبيتة والمجرمة ضد الجماهير
الكردية كنوع من انواع الانتقام،
واذ يحاول صدام ان يستغل سور
القرآن الكريم ليحولها الى غطاء
للأفعال الاجرامية بحيث يقرن
الجريمة المنظمة والجينوسايد
الكردية باسم الأنفال.
واذ يتم اختيار الآية القرآنية
فان القصد هو تبرير عملية القتل
الجماعي باعتبارها ضربا من ضروب
تنفيذ الارادة الالهية بالابادة
الجسدية لكل ما هو حي في المنطقة
التي تشملها العمليات، كما ان هذه
التسمية وان تكن على غرابتها
فانها تشير الى تمسك الطاغية
بتسخير الآيات القرآنية لصالح
التسميات الامنية لعمليات الابادة
التي حلت على الأكراد، وبهذا
الأمر يمكن ان يتم التشابه بين ان
يمنح الطاغية لنفسه حقوقا الهية
لم تكن مطلقا من حق البشر، ان هذا
الأمر يذكرنا بما حصل لاحقا في
نصوص قانون الأباة العراقي حيث
الغى الدكتاتور كلمة الجلالة (الله)
من اليمين، فاصبح اليمين سائبا
دون ذكر الله، كمسعى لرفع اسم
الله من اليمين واحلال صفة
الطاغية الذي يحاول ان يفرض نفسه
كإله آخر موجود على الأرض.
والأنفال لا تعني فقط الابادة
الجماعية والقتل الواسع الذي يتم
على الأكراد، انما يشمل الغنائم
والثروات التي سيتم تقاسمها بعد
جهد القتل الذي سيتم، فاموال
المقتولين مشاعة للقاتلين ومباحة
للفاعلين، وهذه الاستباحة والمشاع
ليس بسبب نص مقدس او قرار قضائي
او تشريعي، انما يتم بواسطة الإله
والصنم البشري بإرادة ورغبة من
الطاغية صدام الذي اباح للقاتلين
الأرض والعرض والمال والأرواح.
قرر الطاغية ان يبيد الشعب الكردي
في كردستان العراق تدريجيا، وقرر
ايضا ان يوعز الى ذيله الأبتر علي
حسن المجيد الحاكم المطلق للمنطقة
ان ينفذ رغبته المريضة والمجنونة
في ابادة الالاف من البشر
المدنيين الأبرياء بجريرة قوميتهم.
وليس غريبا ان يصر صدام على عدم
قتل البشر بالرصاص او اعدامهم،
وانما يتلذذ مع ابن عمه في دفنهم
كمجموعات احياء في حفر تعد من قبل
سواق الشفلات ليتم رميهم داخلها
ومن ثم انهيال التراب عليهم
ودفنهم ليلقوا حتفهم في الليل
البهيم .
غير ان الحراس وجهاز الامن الخاص،
تخلصاً من صراخ وبكاء الأطفال
والنساء، بادروا الى رش الجميع
بصليات البنادق الأتوماتيكية، وهم
مقيدو الأيدي الى الخلف ومعصوبو
العيون، ثم يتم دفنهم في مكان
القتل.
كانت السماء شاهدة والله يبكي على
الطفولة التي كانت مقيدة تنتظر
الرضاع، كانت الأرض تهتز نحيبا
وخجلا مما يقوم به الأوغاد تحت
ستار الليل وغطاء الآيات القرآنية،
كان نزهان التكريتي قد نزع ضميره
حين قضى حاجته وعاش بلا ضمير،
ومسحت ملامح الرجولة عن طاهر جليل
الحبوش فلم يعد يشعر برجولته او
بانسانيته كان هيكلا فارغا ومجوفا
ولم يعد يحمل في جسده سوى مخلفات
الانسان، ولهذا لم يكن يعرف غير
ان يقول اقتل اقتل!! وتمضي العقول
التي افرغت من محتواها الانساني
تقتل باطلاقات ورمي الجثث في
الحفر، غير ان بعض الأطفال بقوا
ينتظرون اثداء امهاتهم فلقمهم بعض
الحرس الخاص اطلاقات في الفم
فاشبعوهم وصمتوا الى الأبد .
انفال وانفال وموت كردي يومي جميل،
وسماء ترى ما يحدث وصمت مريب،
المنظمات الدولية والسفراء
ومخابرات دول الجوار والمواخير
العاهرة وكوبونات النفط وقوات
الأمن والمخابرات التي جندت كل
عاهرات الأرض لتقتل بسمة الوليد
الكردي.
كانت الرشاشات الجميلة
الكلاشينكوف تحصد الصدور وتخترق
الرقاب والجماجم فتطيح بها يمنة
ويسرة، لكنها لا تنتظم فتنام على
بعضها ولا تواجه القبلة التي
يوجهها المسلمون عن الموت، وهو
وان اختلف عن موت الكائنات يبقى
موتا كرديا في موسم الأنفال.
الأرض التي ضمت الأجداث التي لم
تتعرف على قاتلها ولا عرفت سبب
موتها، يا للزمن العاهر الذي
اشترى بالصمت المريب الهمس
والصراخ والدموع والأوات التي
كانت اصوات المكائن والحفارات
والشفلات تختلط بها فتطغى عليها،
ولم يعد تسمع معها صوت المؤذن
والشهادة والبسملة مع ان العمليات
جميعها انفال.. وانفال.
لم يشمل الله الأيادي ولا اوقف
بارادته القتل الكردي اليومي ولا
شاهت وجوه القتلة، ولا صارت
المعجزة حين طمرت المكائن الثقيلة
جسد الطفل الرضيع، الذي بقي حيا
بعد موت امه وصار يبحث بكلتا يديه
عن جسد يتمسك به ومصدر يبلل شفتيه
اعتقادا منه انه مصدر للرضاعة،
لكنهم القموه التراب دون ان تهتز
اطراف السماء، فقد تحجرت الأشياء
فالمقتول كردي والقاتل عربي وتلك
هي الشراكة بعينها التي طالما
اكدت عليها نصوص الدساتير
العراقية المؤقتة منها او
الأساسية.
لم تكن العمليات التي قامت بها
السلطة في باليسان وشيخ وسانان
وما تحيط به من جبال بالقنابل
المحملة بغاز الأعصاب سوى البداية
التي لم ترق لتقبل الطاغية،
فالموت في نيسان 1987 بالغازات لم
يشف غليل الطاغية الأوحد، فاوعز
ان يتم اعتقال الأحياء فتم له ما
اراد، هو السلطة والقائد والعروبة
والرصاص الذي ينفذ في الصدور.
غير ان الانفال التي اريد لها ان
تبدأ لتنهي معها اكبر جرائم العصر
الخجولة والتي لم تكترث لها
الأقلام العربية ولا استفادت منها
الأفلام العربية ولا صحت معها
الضمائر العربية ولاسجدت معتذرة
وراكعة لجثث الأطفال الكرد كل قيم
العروبة.
في شباط 1988 توظأت كردستان بدماء
بناتها واطفالها وشبابها وشيوخها
وعجائزها المعصوبي الأعين
والمقيدين بحزامهم، ومع ان الرصاص
الذي حصد ارواحهم كان بقصد ان
يفصلهم عن كردستان العراق الا
انهم فتحوا افواههم ليملأوها
ترابا ثم يكتشف الطاغية انهم
يحتضنون التراب، ولكنه تراب
كردستان بعد ان تساقطت فوقه بقايا
الاطلاقات التي اطلقت على جثث
الضحايا، وباصرار الكرد يتعلقون
بالتراب مهما كان الثمن.
دماء تملأ الحفر تطهر التراب،
ومأساة تغص فيها الضمائر وتصرخ
بوجه العالم لينتبه لصمته المريب،
وللأجيال القادمة ان تتلمس العظام
واربطة القماط والشظايا التي
تركتها الرصاصات المتكسرة، وآمل
بان يتعب القاتل فيوقف القتل
ليسترد انفاسه.
للحفر التي احتظنت اخوتنا
واطفالنا، وللرصاصات التي تطهرت
عند اختراقها للاجساد الطاهرة
وللصلاة التي لم تتم عند الغروب،
وللمسابح المدفونة من رضاعات
الأطفال، للدماء المتيبسة فوق
التراب المطمور، للمواشي المسروقة
والمذبوحة طعاما للقتلة والسفلة،
وللحاجيات التي تقاسمها الفرسان
من ابناء العروبة الخالدة ولهدأة
الليل الذي يستر الموت القاتل
والقتيل، غير انهم يموتون كما
تموت الزنابق في كردستان حين
ينتهي الربيع ، ربيع الانفال.
كانت الشمس تبحث عنهم دون جدوى
فقد طمرتهم المكائن الثقيلة
وصاروا جزءا من ارض كردستان لعل
الذي لم يمت بالاطلاقات عانى عند
دفنه حيا اختنق بعد ان امتلأ الفم
ترابا وحاول الصراخ فلم يقدر
وحاول ان يتململ او يتحرك فلم
يقدر وانقطع الهواء وازبد وانتفخ
ثم سكت تحت مرأى العروبة الخالدة.
ومن اجمل ما سجلته الذاكرة في
انفال الكرد ان القتلة منا لا
يستحون ولا يفكرون فقد عادوا
ليسكروا ويمرحوا وياكلوا من
الحيوانات التي حللتها الأنفال،
وتناسلوا واضحكتهم توسلات النسوة
وبيدهم الأطفال،يقلن خذوا الأطفال
لكم ماذنبهم يا للجنون فكل شيء
كردي يجب ان يؤنفل حتى الرضيع ،
هكذا اراد قائد العروبة الضرورة
وللضرورة احكام .
ها هو فكر البعث يتجسد في الأنفال
دون رتوش، وها هي قسوة السلطة
البعثية وعنفها في جنوحها الدائم
نحو القتل يبرز دون مكياج او
ستائر ، وها هو المسلخ البشري
وموت الكرد الجميل ، وتاريخ مليء
بالفجائع والنواح والنكات، واطفال
يموتون دون ذنب، وشيوخ لم يتعرفوا
على ذنوبهم ، وجرائم بشعة ومجارز
يسجلها التاريخ بخط عريض في تاريخ
البشرية وبخط اسود بشع في تاريخ
البعث وعلامة مجللة بالسواد
والعار في تاريخ العروبة .
وقوات تتجحفل مع بعضها وعناصر من
الامن الخاص والحرس الخاص
والمخابرات والاستخبارات وحماية
الجرذان تتكالب كلها ضد مدنيين
عزل ومقيدين الى الخلف ومغمضي
العيون، وعلى صدور بعضهم اطفال لم
يعرفوا طعم الرصاص.
غريب امر هذا العالم ومريب، حين
يساهم بصمت لم يتشابه مع كل الصمت
عند الموتى حين يحرم الاعلان عن
موت الكرد الجميل، فقد اتسعت
الكارثة وامتدت المقابر التي
احتوت بشرا دون ان تختلط العظام
بالحيوانات، ودون ان تصطف معا
بانتظام فقد ماتوا دون انتظام
ودون فرصة لهم ان نتظموا.
ليس فقط الأنفال وحدها الأم، انما
سميت بالتطهير من الرجس والخيانة،
فحق عليها امام العالم الابادة
الجاعية بصمت دولي ابكى الصخور
والتراب، وابكى السيارات والأضوية
والأسلحة التي تصرخ مزمجرة حين
تنطلق صليا، دون ان يبكي القاتلين
فلم تعد لهم وجوه مثل البشر، ولم
تعد لهم قلوب وضمائر فقد مسحوها
ونزعوها عند قضاء حاجتهم، ولم
فيها فائدة ترجي ، فقد صاروا جزءا
من يد الطاغية وعقله الذي افرغه
من الضمير .
انها المسالخ التي اكلت اولادنا
ونساءنا واطفالنا، وهي المجزرة
وان تغير اسمها الى الأنفال، ربما
يكون الاسم ثقيلا ولكنها المسلخ
والمجزرة وآثار تختفي بعد ان يتم
دفن الشقوق المفتوحة في ارض
كردستان .
اكداس من العظام دون ان نعرف
عائدية عظام الصغار، ودون ان تبقى
دموعهم المسفوكة فوق تراب الشقوق
التي طمرتهم القوة العسكرية بها ،
انهم لم يعطوا الشقوق ارقاما ولا
تسلسلا في تاريخ الموت ، فقد
اختلطت المقابر ، وما عاد للتاريخ
معنى وصار الزمن المسالخ والمجازر
الكردية .
ان حياتهم اضحت محرمة ومناطقهم
محرمة واغراضهم محرمة لذا اوجب
الطاغية ان يتم تطبيق الأنفال
عليهم دفعة واحدة ، فعكس المنهج
الحقيقي لفكر البعث وتفكير القائد
الطاغية والدكتاتور الضرورة.
يالعار الانسان حين يصمت عن موت
الانسان الكردي او العربي او
التركماني او الكلداني والآشوري
في هذا التراب، ويالعار الانسانية
حين لم تدفن معهم حقوقهم الكردية
والأنسانية والدينية التي يستحقون
، ويا لعار البشرية حين لم تعد
تذكرهم كلما جللت بالعار رأس
الرئيس الضرورة ، اوكلما صار
للعرب مناسبة او فرح.
وسويت الأرض بهم ، وتم كل شيء
بصمت دون ضجة ودون عويل، فلم يبك
القتلة ولا الدفان ولا حتى
المقتولون، وابتلعت المكائن صوت
النواح والنحيب وصراخ الأنفال ليس
من الموت ، وانما هم كانوا جوعى
ولم تعد اثداء الأمهات تدر الحليب
، فقد جفت كل دروب الحياة.
يا الفرحة العرب فلم تتم محاكمة
ادوات الأنفال ولا ابطالها ، ولا
استطاع الكرد ان يقيموا لها محكمة
وفقا للاختصاص المكاني ووفق
قوانين العقاب المكتوبة، ولم يعد
للمؤنفلين مكان يلم عظامهم
ويتذكرهم، ولم تعد الجريمة بشاعة
فهي شأن داخلي ، وربما داخ بها
العقل العربي والمتابع العربي،
فقد اضحت تؤرق من لا ضمير له ،
ولكن ماذا تؤرق تلك المسالخ ولم
يعد هناك ثمة اثر من ضمير.
شقوق في الأرض ومقابر تحتوي على
عظام الموتى مختلطة بثيابهم
وحاجياتهم يوحدهم الموت الكردي ،
لم يكن والله يدري انهم لم
يرتكبوا ذنبا سوى كونهم كردا، اجل
اخوتي ان تهمتهم انهم كرد، وفي
الزمن البعثي العربي العاهر يموت
الكردي بالرصاص البعثي والكيمياوي
البعثي .
كلاويز وحسيبة وعمر وعصمت وخولة
وبيمان وليلى وسروة وكاروان ومحمد
وبخشان ونرجس وفتاح وتختلط
الأسماء والحروف، وتختلط العظام
والأسمال، وتختلط الصرخات والألم
والوجع البشري وتختلط الأجناس
والأعمار وصمت رهيب وكرامة ديست
بالنعال وشرف يتمرغل بين شقوق
الأرض، ومقابر صامتة بانتظار من
يستدل عليها ومن يستكشفها .
ارض المقابر والضحايا والفجائع
والموت، الأرض التي انتشر فوقها
وباء البعث العربي فأكل اعمار
اولادها واحرق خيراتها واحالها
الى هشيم، ودمر مستقبل من نجا من
قدره ، ارض المقابر التي لم
يكتشفها بعد اهلها ، انفال وانفال
وما ادراك ما الأنفال .
بسم الله الرحمن الريحم (يسألونك
عن الأنفال قل الانفال لله
والرسول فاتقوا الله واصلحوا ذات
بينكم واطيعوا الله ورسوله ان
كنتم مؤمنين).
أُخرج النبي من مكة مهاجرا بسبب
مكر المشركين وتدبيرهم امر قلته،
وليكون للمسلمين دولة، واستقر
بالمدينة حيث النصرة، وكان لا بد
من الجهاد لدفع الاعتداء، لكيلا
يفتن اهل الإيمان، فكانت غزوة بدر
الكبرى، وكان فيها النصر المبين
والغنائم، وكان وراء الغنائم بعض
الاختلاف والتساؤل في توزيعها.
يسألونك عن الغنائم: مآلها ؟ ولمن
تكون؟ وكيف تقسم؟ فقل لهم- ايها
النبي:- انها لله والرسول ابتداء
، والرسول بامر ربه يتولى تقسيمها
، فاتركوا الاختلاف بشأنها
واجعلوا خوف الله وطاعته شعاركم،
واصلحوا ما بينكم ، فاجعلوا
الصِّلات بينكم محبة وعدلا، فان
هذه صفة اهل الإيمان.
هذه الأنفال للرسول الكريم وامر
من الله، وقسمة في سبيل الله،
فاين يكون موقع الطاغية ؟
واين تكون مواقع المخابرات
والاستخبارات والأمن والحرس الخاص
والجحوش في هذا النصر المبين على
العزل من ابناء شعب يسبق الامم في
تقديم الضحايا من اجل الحق؟
| | | | | |