|
كل الجهات المعنية بإيجاد حل سلمي للقضية
الكردية في تركيا , و خاصة في أوساط
الحكومة التركية , برئاسة رجب طيب أردوغان
, إتفقت في وصف ما قام به حزب المجتمع
الديمقراطي من حشد الكرد للإحتفال بقدوم
وفود السلام الكردية , على أنه عمل
إستفزازي , غير مسؤول . الإستقبال
الجماهيري الغفير , و التحضيرات المكثفة ,
من إجل إخراج مشهد سياسي , إعتبر من قبل
أردوغان , مجرد إستعراض عضلات , من أجل
مكاسب إنتخابية .
و السؤال الذي يتبادر الى الذهن الآن هو :
هل يشكل إحراج حزب العدالة و التنمية أمام
معارضيه , خطوة سليمة من الجانب الكردي؟
حزب المجتمع الديمقراطي قرر وقف
الإحتفالات , أخذا ً مشاعر الشارع التركي
بعين الإعتبار .الأفراح و الأتراح الكردية
إستفزت جهات تركية عدة , منها على الصعيد
الرسمي , و أخرى على الصعيد الشعبي . على
الصعيد الرسمي , كان موقف الجيش غاضبا ً.
المعارضة على لسان أحد رموزها , دنيز
بايكال , تحدث عن قطع الرؤوس: الضحية لن
تكون حزب المجتمع الديمقراطي , و إنما حزب
العدالة و التنمية نفسه . الجميع ترقب
وصول مجموعة أوروبا إلى مطار أتاتورك في
يوم الأربعاء القادم . من الصعب تصور
حدوث مناكفة من هذا الشكل بين المعارضة
التي تدعمها أوساط قومية متطرفة , و جهات
من الجيش , و الحكومة بقيادة العدالة و
التنمية , لأنها قد تسفر عن نتائج كارثية
بالنسبة الى مسيرة الحل السلمي للقضية
الكردية , لن تنفع بعدها حسرات و آهات
الندم عليها . الحكومة , لذلك , قررت
إيقاف العملية مؤقتا ً , لدراسة ما جرى من
خطوات و أحداث رافقتها .
لا شك أن الحكومة التركية لن تسمح , أن
تحشر في زاوية ضيقة , و تتلقى الضربات من
كل الجهات . و ليس من مصلحة الكرد أن ينجر
الحكومة الى وضع كهذا . إعادة النظر بعض
الشئ في ما جرى حتى الآن , مصلحة لكلا
الطرفين : الحكومة و ال ( ب ك ك ) . بعد
الإحتفالات الكردية , دق ناقوس الخطر في
سرايا الحكومة , و كأن هناك من حذر , من
أن ال ( ب ك ك ) يقطف الثمار كلها . أدرك
أردوغان أن من الصعب المضي في إنفتاحه
مجانا ً.
و مع ذلك ليس من المتوقع , أن تتوقف
العملية. الفرصة التاريخية لنقل القضية
الكردية , من مرحلة الى مرحلة أخرى ,
أصبحت حقيقة . نحن لا نتحدث عن الحل
النهائي الذي ما يزال بعيدا بعض الشئ , و
إنما عن مرحلة يكون البحث عن سبل إنهاء
الصراع دون إراقة المزيد من الدماء بين
الشعبين هو الخيار الرئيس عند اطراف
الصراع .
لجعل هذه المهمة قابلة للحياة و الديمومة
, يتطلب الأمر من كلا الجانبين الحيطة و
الحذر . ليس المهم قتل الناطور , و إنما
قطف العنب . فإذا كان الأفراط في التباهي
و الإستعراض , من شأنه أن يضعف موقف
الحكومة التركية , و يعريها أمام سهام
المتربصين بها , و خاصة فيما يتعلق
بنواياها للإنفتاح على الكرد, فإن من شأن
ذلك أن يؤخر الحل لسنوات , و ربما عقود ,
و هو ما لا يتمناه أحد في الوقت الحاضر
بين الخيرين من الجانبين .
لا شك أن حزب العدالة و التنمية كانت له
حسابات حزبية أيضا ً من مسألة مرور
مجموعات السلام . الزعم بأن « الإرهابيين»
قد إستسلموا في النهاية , كان سيشكل
بالنسبة له إنتصارا ً , و بالتالي الأحقية
في مطالبة الجميع بمزيد من التفويض و
الشرعية . إلا أن إحتفالات الكرد الحاشدة
, و إستقبال المقاتلين الكرد , إستقبال
الأبطال , أفسد أجواء فرك الأيادي في
سرايا الحكومة في أنقرة .
و لكن مع ذلك , و بالرغم من القناعة , بأن
الحكومة لا تمتلك مشروعا ً متكاملا ً للحل
, و إنما ثلة من الخطوات الآنية , التي من
الممكن في أي لحظة , و في ظل ظروف معينة
العدول عنها , نقول أنه من الممكن جعل أو
ترقية تلك الخطوات في سياق رؤية أو مشروع
أو إتفاق سياسي في نهاية المطاف , يؤدي
الى حل تاريخي للقضية الكردية في تركيا .
إزاء المرور الهادئ , و السلس لمجموعات
السلام , و السماح بإستقبالهم , و إخلاء
سبيل المقاتلين الكرد , كان المطلوب خطابا
ً دبلوماسيا ً من قادة المجتمع الديمقراطي
بإتجاه الحكومة . المسيرة الحالية لا يجب
أن تكون إستعراضا ً للتاريخ , و إنما
بوابة لمرور الشعبين الى المستقبل , في ظل
المساواة و العدل .
الأجواء الحالية تختلف عن أجواء 1999 ,
عندما قدم الى تركيا مجموعات سلام كردية
. الظروف و الأوضاع , آنذاك, كانت مختلفة
تماما ً. القرار في ذلك الوقت كان قرارا ُ
خاطئا ً. رسل السلام آنذاك زجوا في السجون
. أما الآن فإن الجميع يتحدث عن ضرورة
إنهاء المشكلة , و وضع حلول لها . في حال
كهذه , يكون للإشارات النفسية موقعا ً
مهما ً . مراعاة الهواجس و الصعوبات على
الجانب الأخر , أمر في غاية الأهمية ,
لمسيرة الحل , و ضمان إستمرارها .
26/10/2009
|