|
ِدراسة
تاريخية:
الاشتراكية العربية في الأراضي
الكردية-6-
خالد
عيســى
تلخصت الاشتراكية العربية في
الأراضي الكردية بعمليات توطين
قبائل عربية بدوية متجولة في أراض
يستثمرها أكراد مستقرون يراد
تهجيرهم او تعريبهم. فاقامت
السلطات العربية المستوطنات في
منطقة الاستقرار الأولى في
الجزيرة تمهيداَ لطرد الأكراد
منها قسراَ أو عن طريق تهجيرهم
بعد تجويعهم, وذلك بقصد تعريب
المناطق الكردية.
لقد أفرزت عمليات الاستيطان جملة
من الآثارالاقتصادية والسياسية
والثقافية والاجتماعية تركت
بصماتها على التاريخ الكردي و
السوري. ولمحاولة ايجاز هذه
الآثار, سنتطرق وباختصار الى وضع
المستوطنين العرب والى طبيعة
العلاقات بين المستوطنسن من طرف
والأكراد (السكان الأصليين) من
طرف آخر
ثالثا. وضع المستوطنين العرب
كانت العشائر العربية, بدون شك,
قد أُعلمت عن اسباب توطينها في
الجزيرة, وكانت قد جُهزت لممارسة
دورها في متابعة "الزحف العربي
المقدس" في المنطقة التي تم
استيطانها فيها. فجهزت لهذه
العشائر العربية المستوطنات
بوسائل المواصلات و الكهرباء و
المدارس ومقرات الحزب. وزودت
السلطات العربية زعماء المستوطنين
بالأموال والأسلحة النارية. و
أعفت السلطات االعربية شباب
المستوطنين من اداء الخدمة
العسكرية الالزامية, وأغرقتها
السلطات بالوعود الأخرى لكي
يقبلوا و يتابعوا تنفيذ المهمة
المرسومة لها (30).
و خلال العامين الأولين من
قدومهم, كان أفراد العشائر
العربية, الرُحل و أشباه الرُحل,
غير خاضعين لأي نظام أو قانون,
سوى تبعيتهم لسلطات زعمائهم
العشائريين الذين كانوا بدورهم
تابعين للقيادة القومية لحزب
البعث.
حتى أن الوضع الخاص للعشائر
العربية التي تم استيطانها في
الجزيرة أثار سخط بعض المسؤولين
الإداريين المحليين. لكن لم يستطع
أي مسؤول محلي اظهار سخطه ازاء
الممارسات غير القانونية التي
كانت تقوم بها الزعامات العشائرية
للمستوطنسن العرب.
لقد كان المستوطنون البدو يتمتعون
في المناطق الكردية بكثير من حقوق
وامتيازات المنتصر في الغزوات
التي توصف بالفتوحات المقدسة.
وكانت تعليمات القيادية العربية
البعثية في سورية وتوجيهاتها الى
زعماء المستوطنين البدو تجعلهم
لايحترمون أي قانون أو عرف قد
يقيد مهمة الزحف العربي المقدس في
الأراضي الكردية.
لكن بعد تأكد لقيادة البعث بأن
المشروع قد نُفذ, و ثبت بأن
الأكراد ليسوا في وضع تنظيمي
يؤهلهم لمقاومة الاستيطان بالعنف,
لجأت السلطات تدريجياَ الى تقليص
صلاحيات زعماء القبائل و العشائر
المستوطنة. وبدأوا يندمجون في
اطار السلطات المحلية وخاصة في
القيادات والهيآت البعثية منها.
أما موقعهم الاجتماعي والسياسي
فبقي رديفاَ للسلطات الأمنية
ومكملاَ لأجهزتها في عمليات القمع
والتعريب الجارية في الأراضي
الكردية.
رابعا: العلاقات الكردية-العربية:
كان العرب عند قدومهم الى المنطقة
يعتقدون بأنهم حملة قيم يفتقدها
السكان الأصلييون, و أن مهمتهم هي
تحضير الأكراد المتوحشين الذين لا
يعرفون حتى التكلم بالعربية (31).
لكن من جهة أخرى, كان يتوجب عليهم
الخوف من سكان المنطقة الأصليين
المحرومين من الأرض, و بالتالي
كانوا حذرين جدا في علاقاتهم مع
الأكراد. ومع مرور الزمن تبين
للمستوطنين خطل تصوراتهم السابقة
عن المجتمع الكردي في الجزيرة.
أما الأكراد, فالفلاحون و خاصة
الذين فقدوا الأرض التي كانت
بحوزتهم (كفلاحين مستثمرين), و
أصبحت تلك الأرض ملكا لأجنبي عن
المنطقة و سكانها, كان يرى هؤلاء
بأن العرب المستوطنين أعداء و
معتدون. وان هؤلاء البدو استغلوا
دعم السلطة المركزية للاستيلاء
على الأراضي الكردية. فصحيح أن
قرار الاستيطان كان قراراَ
حكوميا, إلا أنه كان يتوجب على
المستوطنين أنفسهم رفض استثمار
أرض آحياها و أستصلحها غيرهم. كان
هذا هو المنطق السائد على تفكير
الفلاح الكردي المقهور أمام البدو
والقوات العربية التي جلبتهم الى
الأراضي الكردية.
أما الحرفيون والتجار و
البرجوازيون الزراعيون الأكراد,
فعموما لم تكن مصالحهم الاقتصادية
متناقضة تماماَ مع استيطان العرب
في المنطقة, و بالعكس, فبالنسبة
لهم, مبدئيا, الزبون هو زبون من
أية قومية كان. و هؤلاء العرب لم
يكونوا سوى زبائن عند مجيئهم,
لأنهم لم يكن يمارسوا أية مهنة
سوى تربية الماشية.
و مع ذلك حدثت خلافات بين طرفي
هذه المعادلة, و ذلك لأن هؤلاء
العرب كانوا أجانب عن سوق المنطقة
وأعرافها و صعب عليهم التأقلم مع
قوانين السوق المحلية. و من جهة
أخرى, كانت و لازالت هذه الفئات
الاجتماعية الكردية ضمن شبكة
الانتماءات العشائرية, فكانت هذه
الفئات ملزمة, أحيانا, بمراعاة
مشاعر أقربائهم الأكراد الذين
يعارضون الاستيطان لتعارض مصالحهم
معه, و كان على هذه الفئات أيضا
مراعاة شعور ومصالح زبائنهم
الأكراد الذين يشكلون الأغلبية في
المنطقة.
أما المثقفون من الشباب الأكراد,
فكانوا عموما ضد الاستيطان,
كمسألة قومية, باستثناء أقلية
متأثرة بسياسة الحزب الشيوعي
السوري, الذي شارك مساوئ سياسة
البعث في نظر القوميين الأكراد.
و يلاحظ بأن كان كافة المثقفين
الأكراد, فكانوا ولازالوا يؤيدون
الاصلاح الزراعي من حيث المبدأ,
لكنهم يرفضون شكل تطبيقة في
المناطق الكردية.
كان زعماء عشائر الأكراد بدون
موقف موحد وثابت وواضح. ففي تلك
الفترة, كانوا ضد دعوة الشباب و
طموح الفلاحين في تطبيق الاصلاح
الزراعي, لكن في نفس الوقت, كان
زعيم العشيرة ينظر الى هذا الفلاح
(الذي ينتمي غالبا الى نفس
العشيرة) المحروم بحزن, و يفضل لو
أن أرضه أعطيت لفلاحه بدلاَ من أن
تصبح ملكا لشخص غريب عن المنطقة.
و من ناحية أخرى, كان زعيم
العشيرة, و المالك العقاري أيضا,
يجد نفسه في نفس الخندق مع الفلاح
و المثقف و مختلف الفئات
الاجتاعية الكردية, في مواجهة
حكومة لا تعتبر الجميع سوى أكراد
تجب اذابتهم في بوتقة العروبة.
فيما كانت الآلة تغزو القطاع
الزراعي, وتهجّر الكثير من
الفلاحين و الأجراء الزراعيين الى
المدينة, ليتحولوا الى عمال أو
فئات دنيا من البرجوازية. جاء
الاستيطان ليزيد من عرض اليد
العاملة, و ليحرض الهجرة نحو
المدينة, و خاصة بين الفلاحين
الذين فقدوا الأرض بفعل
الاستيطان. و كان للاستيطان أثر
أخر, حيث تضررت اليد العاملة
المحلية نتيجة دخول كميات فائضة و
جديدة من اليد العاملة (العربية)
في السوق مما أدى الى انخفاض
الأجور وزيادة الهجرة الى المدن
السورية الكبرى..
كل هذا في منطقة الاستيطان, أما
في جنوب منطقة الاستيطان, فكانت
حالة الفلاحين قد تحسنت قليلا
تجاه المالك الذي كان بدوره يفضل
بقاء الحال على ما كان عليه خوفا
من انتقال ملكية أرضه الى عربي من
خارج المنطقة.
حتى أن المالك الكردي كان يرضخ
لبعض مطاليب فلاحيه. و الفلاحون
من طرفهم, عموماََ, كانوا يفضلون
وضعهم على وضع الفلاحين الذين
فقدوا كل شيئ في منطقة الاستيطان
في منطقة الاستقرار الأولى.
باختصار, أمام حكومة قوية, و لضعف
الحركة الوطنية الكردية, لم يقم
الأكراد بأية مقاومة جدية ومجدية
ضد المستوطنين, سوى بعض
الاستنكارات الكتابية أوالمشاجرات
التي كانت تحدث غالبا بمباشرة من
المستوطنين المدعومين من قبل
السلطة.
الملاحظات والهوامــش:
30-تقول جريدة دنكي كرد في عددها
رقم /65/ لعام 1973, بأنه في عام
1973, رضي زعيم عشيرة الولدة
بتوطين عشيرته في الجزيرة, و لقاء
ذلك, دفعت له الدولة /10/ مليون
ليرة سورية, و أعطت الدولة لكل
رئيس قبيلة عربية /10/ آلاف ليرة.
في الوقت الذي كان فيه راتب
المعلم الابتدائي /210/ ليرة
سورية.
-31خلال الفترة الأولى من
الاستيطان, كانوا يكثرون من
استعمال كلمات مثل بربري, وحشي,
للدلالة على الأكراد. علما, و
بالحقيقة و دون قصد الانتقاص من
القيمة الانسانية, هؤلاء العرب هم
أكثر سكان سورية تمسكا بتقاليدهم
البدوية, أي أنهم لم يتأثروا
كثيرا بـالحضارة العصرية, فنسبة
التعليم عندهم متدنية جدا, و قد
يعود ذلك الى نمط معيشتهم التي
تعتمد على التنقل و الترحال طلبا
لمراعي ماشيتهم.
|