|
خالد عيسى
رغم اعتراف السيد رئيس الدولة الشفهي بالوجود الكردي، لازال الاعتراف
بالحقوق القومية والسياسية للأكراد يعد من المحرمات في قواميس السلطة
العربية السورية ونواميسها. ان الافراج عن قسم من الوطنيين الأكراد لم
يغير في شيئ من حالة الاضطهاد التي يعاني منها الشعب الكردي في سورية.
ونتساءل فيما اذا كانت السلطة العربية السورية راغبة في فتح أبواب
مرحلة جديدة في العلاقات العربية – الكردية؟ وهل هذه السلطات قادرة
ومقدمة على الشروع في مبادرة وطنية كهذه؟ أم أن الأمر يتطلب وقتاً أكثر،
كي تتمكن السلطات المركزية من اعادة تنظيم الهيكلية السياسية لمجمل
مؤسسات الدولة السورية؟
وعندما نطرح السؤال بهذا الشكل، نأخذ في الحسبان علاقة القوى الراجحة
لحساب السلطة. لأن هذه السلطة هي الجهة الوحيدة التي تملك تحديد زمن
وشروط المبادرة ان رغبت فيها، لأنها هي الوحيدة التي تحتكر حق السيطرة
على القوات العامة. ولأن الطرف الكردي هو المغيّب الأكبر في قيادة
أجهزة الدولة، والطرف الأضعف تمثيلاً، فمجال المناورة والمبادرة ضمن
اطار المؤسسات معدوم تماماً لدى النخب الكردية.
فلما كان التعبير عن الذات، ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية، ممنوعاً
على النخبة الكردية في سورية، فقد عبرت الجماهير الكردية، في آذار2004،
عن وجودها وارادتها وبدماء أبنائها، وبشكل عفوي في أول مواجهة مع
العروبيين المتطرفين.
ومع أن السلطات العربية السورية هي التي منعت، ولازالت تمنع، على
الأكراد حقهم في تأسيس منظمات سياسية تعمل على تمثيلهم في المؤسسات
والأجهزة الوطنية، فلقد تفاجأت واكتشفت هذه السلطات حاجتها الى من يمكن
أن تساعدها في تهدئة الهيجان الشعبي الكردي في سورية. وعندما كاد
الصراع أن يتحول الى أزمة مفتوحة، طلبت السلطات المركزية الى النخب
الكردية الاسراع في مساعدتها في تطويق الأزمة. وتبين للجميع بأن كل
التنظيمات والشخصيات الوطنية الكردية تتخذ من الأساليب السلمية أداة
للمطالبة بالحقوق المشروعة للشعب الكردي في سورية.
ونظراً للظروف الذاتية لفصائل الحركة الوطنية الكردية من جهة وللظروف
الموضوعية، الوطنية والاقليمية من جهة أخرى، دعت أغلب المنظمات
السياسية الكردية الى تهدئة الوضع. وكان الجميع يأمل بأن تكون السلطة
المركزية قد تفهمت مدى خطورة الاستمرار في استعباد الكرد واقصائهم من
المساهمة في صنع القرار السياسي السوري. وكان جميع الوطنيين يأملون من
السلطة القيام باجراءات عملية لاعادة صياغة العلاقات العربية-الكردية
في سورية. فبالعكس من ذلك، زجت السلطات المئات من الأكراد في سجونها،
واشتدت السياسة القمعية في المناطق الكردية، بل ومارست الأجهزة الأمنية
التعذيب حتى الموت بحق عدد من الأكراد.
وفي اللقاءات الخاصة، يبالغ العروبيون، بألوانهم وتسمياتهم المختلفة،
في هول الأخطار التي قد تترتب على القيام باجراءات عملية على طريق
الاعتراف الدستوري بالوجود الكردي والسماح لأبناء الشعب الكردي بممارسة
حقوقهم القومية في سورية.
وفي الحقيقة لا يريد العروبيون من داخل السلطة ومن معارضيها أن يقبلوا
الأكراد كشركاء في الوطن. ويعمل العروبيون على استمرارية الوضع الراهن،
وابقاء الأكراد أتباعاً، وابقاء موطنهم (كردستان باللغة الكردية) مرتعاً
وبقرة حلوب للعروبيين وأسيادهم وأتباعهم.
وعقب التطورات الأخيرة، وبعد اعادة توزيع بعض الأوراق داخل السلطة، كاد
البعض أن يصدق بقرب بداية مرحلة وطنية جديدة، تبدأ باتخاذ قرارات
سياسية لرفع الغبن والاضطهاد عن الشعب الكردي، و تساهم في تعزيز الوحدة
الوطنية. باستثناء الافراج عن دفعة من المعتقلين الكرد،، لم تتحقق أية
خطوة ملموسة لرفع الغبن عن الشعب الكردي في سورية. لقد راهن الكرد على
حسن نوايا السيد رئيس الدولة تجاه الأكراد، عندما سمعوه على شاشة
تلفزيون الجزيرة، وهو يتحدث عن القومية الكردية. ولكن خابت آمال
الجماهير الكردية من جديد.
وبمتابعة التطورات السياسية الوطنية والاقليمية والدولية، يبدو أن
التلاحم الوطني أصبح ملحاً أكثر من أي ظرف مضى. ويبدو أن الوقت قد حان
للقيام بخطوة، ولو أولية، على طريق اشادة الثقة المتبادلة بين الشعب
الكردي والسلطة العربية المركزية. والى حين ايجاد مشاريع اصلاحية شاملة
لمجمل القضايا الوطنية، يمكن للسلطات المركزية الشروع في تنفيذ بعض
الاجراءات التي تعتبر مستعجلة وضرورية لتمتين التلاحم الوطني.
وفي المجال الكردي يمكن، في الظرف الحالي، المبادرة بتنفيذ بعض المطالب
الملحة أكثر من غيرها، ومنها عل سبيل المثال:
1-
الافراج عن جميع المعتقلين السياسيين الكرد، واعادة اعتبارهم، والتعويض
عن الاعتقال التعسفي الذي تعرضوا له.
2-
تشكيل هيئات للتحقيق في جرائم المسؤولين الذين خدموا ويخدمون في
المناطق الكردية. والاستيلاء على ما امتلكوه أو استولوا عليه عن طريق
استغلال مناصبهم.
3-
منح تراخيص لفتح مدارس خاصة لتدريس اللغة الكردية. فألا يحق للكردي أن
يطلب السماح بممارسة لغته.
4-
السماح بطبع ونشر الكتب والمجلات والصحف ومنح التراخيص للأجهزة السمعية
والبصرية الكردية.
5-
تشكيل هيئة تتولى اعادة الجنسية السورية الى المجردين منها، واستبدال
بطاقات عربي سوري ببطاقات كردي سوري لمن يتقدم بطلب ذلك.
6-
الاهتمام بالمرافق العامة في المناطق الكردية، واقامة المؤسسات
الصناعية والعلمية في هذه المناطق اسوة بغيرها من المناطق السورية.
7-
تشكيل لجان سياسية مركزية مهمتها محاورة التنظيمات والشخصيات الوطنية
الكردية من أجل تسهيل المهام الأولية لاشادة الثقة المتبادلة، على أساس
الشراكة الوطنية. والتخلي نهائياً عن سياسة استبعاد النخب الكردية
وأقصائها عن المشاركة في تقرير مصير البلاد. وترك السياسات العنصرية
المطبقة بحق الشعب الكردي، والكف عن اضطهاد النخبة الكردية رغم جهودها
المستمرة في العمل على تمتين الأواصر الوطنية بين الكرد وبقية سكان
سورية.
ان قدرة النخب العربية على ابعاد النخب الكردية عن مراكز القرار في
الدولة، ليس مبرراً مشروعاً لتهميش هذه النخب، والاستمرار في سياسة
اضطهاد الأكراد، واهمال مناطقهم.
فالواجب الوطني يفرض على السلطات المركزية اتخاذ اجراءات عملية على
طريق تصحيح السياسات الخاطئة بحق الشعب الكردي في سورية، والعمل على
اعادة صياغة العلاقات العربية - الكردية بما يخدم تعزيز الوحدة الوطنية.
فالى متى سينتظر الشعب الكردي.
|