|
كلمة " الشرف
" عربية وهي تدل على
السمو والإرتقاء بالفكر
والعلم والدين والمال
وليس المقصود منه قضية
واحدة فقط. ولا علاقة له
بجسد المرأة كما هو سائد
في بلادنا وبلاد الشرق
عموماً إذ يربط الشرف
بجسد المرأة. الشرف
الحقيقي هو في القيم
والأخلاق وليس في القتل,
الشرف في إحترام إنسانية
الإنسان/ة وليس في
القتل, قتل الروح التي
وهبها الله حق الحياة.
دينياً
يعتمد الكثير من القتلة
في تنفيذ هذا النوع من
الجرائم الى مبررات
إجتماعية جعلها الجهل
بالدين وصمت الجميع
دينية, تحت ذريعة إرتكاب
الزنا. فإذا نظرنا إلى
الأمر من الناحية الدينية
فإن رسالة الأديان
السماوية كلها هي كيف
نعيد المخطئ الى رحاب
الله وليس كيف نقتله.
ولجريمة الزنا حد لم يسمح
الله لأحد أن يقيمه
بمفرده, لذلك حتى القاضي
لا يستطيع أن يقيم الحد
إلا بوجود اربع شهود عدل.
فالقاتل إنما يتعدى على
الشريعة في ثلاث نواح وهي
أولاً في أنها تفرض عقوبة
الإعدام في جرائم ليست
عقوبتها الإعدام شرعاً,
والثانية فرض عقوبة القتل
دون بينة والثالثة هي
التعدي على حق أولي الأمر
في إقامة الحد.
لم أستطع رغم بحثي الدؤوب
الحصول على إحصاءات رسمية
لعدد جرائم الشرف التي
ترتكب في سوريا. لشدة ما
يكتنف هذه الجرائم من غض
الطرف والتواطئ والسرية.
طبعاً أنا حين أتحدث عن
سوريا فأنا أتحدث عن كل
النساء فيها ومن ضمنهن
الكرديات, حيث ما دمنا
نعيش فيها ونخضع
لقوانينها ونعايش ظروفها
في شتى المجالات فمن
الصحيح أيضاً أن أتحدث عن
النساء الكرديات كجزء من
المجتمع السوري.
تصنف سوريا الرابعة
عربياً والخامسة عالمياً
في إنتشار جرائم الشرف,
حيث يصل عددها ما بين 200
و 300 جريمة سنوياً. تقول
الجهات الحكومية أن هذا
العدد مبالغ فيه, بينما
تؤكد المنظمات الحقوقية
والنسائية أنه أضعاف هذا
العدد لبقاء معظمها في
الخفاء بتواطئ بين
المجتمع والجهات الأمنية.
تشير
بعض التقارير أن إمرأة من
أصل كل أربعة نساء في
سوريا تتعرض للعنف الأسري
بما فيهن الطفلات. طبعاً
لا أحد يبدي إعتراضاً
حقيقياً على هذا, وهنا
نستطيع أن نتلمس بسهولة
أن الذي يحكم المجتمع
عندنا ليس القانون إنما
إعراف العائلة والعشيرة
التي تتكتم على هذه
الممارسات وتعتبرها حقاً
طبيعياً لها ولا يعرف أحد
عنها إلا إذا وصلت حد
القتل.
يقوم بجريمة القتل عادة
شخص واحد من العائلة أو
العشيرة توكل إليه هذه
المهمة, لكن الحقيقة هي
أن الجميع مشترك فيها
بالتشجيع والتحريض
والوعود ببذل الجهد
والمال لخروج القاتل من
السجن بعد فترة
قصيرة,وهكذا يحكم على
حياة إمرأة بأن تنطفئ.
قانونياً
يعتمد الجناة في الإقبال
على جريمتهم دون همّ
كثير, على المادة 548 من
القانون الجنائي السوري
الذي صيغ إستناداً إلى
القانون الفرنسي وليس إلى
الشريعة الإسلامية كما
يعتقد معظم الناس. وبقي
هذا القانون ساري المفعول
في سوريا في الوقت الذي
تم تجاوزه منذ فترة طويلة
في فرنسا.
تقول المادة 548 ما يلي :
يستفيد من العذر المحل من
فاجأ زوجه أو أحد أصوله
أو فروعه أو أخته في جرم
الزنا المشهود أو في صلات
جنسية فحشاء مع شخص آخر
فأقدم على قتلهما أو
إيذائهما, أو على قتل أو
إيذاء أحدهما بغير عمد"
لنلاحظ معاً حتى ونحن نضع
كلمتي ( فاجأ , وبغير عمد
) ضمن قوسين, لنلاحظ أن
القانون صيغ للرجل فقط,
فماذا لو أن المرأة أقدمت
على قتل رجل لنفس السبب؟
في هذه الحالة يتعامل
معها القانون على أنها
جريمة قتل من الدرجة
الأولى ولا يمنحها
التخفيف على الحكم وهذا
يناقض القانون السوري
الذي يقضي بالمساواة بين
الرجل والمرأة.
أيضاً المادة 242 تقضي
بحكم مخفف جداً لأي رجل
يقوم بقتل أخته أو زوجته
أو ابنته, حال اشتباهه
بإقامتها لعلاقة خارج
إطار العلاقة الزوجية.
في شباط هذا العام قام
المدعو " سعود شيخموس
دوكو " على طعن شقيقته "
سلام " البالغة من العمر
17 عاماً " قاصر " حتى
الموت في القامشلي بسبب
علاقة عاطفية كانت تجمعها
مع شاب. الجديد في هذه
الجريمة هو وجود عنصر
ثالث وهو صديق القاتل وقد
قام بإبلاغه عن مكان
تواجد شقيقته مع الشاب
لحظة قتلها. طبعاً في ظل
قانون يسمح للقاتل نفسه
بالإفلات من العقوبة لا
يمكننا انتظار أن يحاكم
الصديق بتهمة الشريك في
القتل كما يتم في
المجتمعات المدنية.
الطبيب الشرعي أكد بعد
إجراء الفحص أن " سلام "
عذراء. كما يحدث في أغلب
الجرائم التي ترتكب تحت
اسم " الشرف".
نساء غالباً قاصرات يقتلن
في مجتمع ذكوري لمجرد
الشك, بينما لا يقتل
الرجل حتى ولو أغتصب,و
حتى و لو أمسك به في فعل
اللواط.
أيضاً من القوانين
التي فيها تمييز ضد
المرأة ما يتعلق بالطلاق,
حيث لا يضع القانون أي
شرط للرجل لكي يقع الطلاق
وهو ليس بحاجة للجوء إلى
القضاء في حال أراد تطليق
زوجته. بينما المرأة لا
تستطيع الطلاق إلا
باللجوء إلى القضاء وفقط
في حال وقوع الضرر
والغالب أن تطول إجراءاته
و يتطلب شهوداً وأدلة,
وقد يحلو للزوج المماطلة
فقط إمعاناً في إهانة
المرأة وهي لا تملك حقاً
في تغيير هذا المصير.
المادة 508 تعفي المغتصب
من أي جرم أو جزاء إذا
قبل أن يتزوج ضحيته بينما
تصل عقوبة الجريمة إلى 22
عاماً وليس أمام الضحية
في مجتمع كمجتمعنا من
خيار سوى القبول وإن دون
رغبتها.
هذا دون أن نتطرق إلى
نقاط تمييز أخرى ضد
المرأة في القانون
السوري, من مثل عدم
قدرتها على منح جنسيتها
لأطفالها ( حتى ونحن نضع
ضمن قوسين آلاف الكرديات
المجردات من الجنسية ),
وأيضاً قوانين الوراثة
التي لا تعادل بين نصيب
المرأة ونصيب الرجل.
كما يساهم غياب قانون
للزواج المدني في تزايد
جرائم الشرف في حال
الزواج بين أفراد ينتمون
الى عقائد دينية مختلفة
كما حصل في حالة " هدى
أبو عسلي " البالغة من
العمر 23 عاماً وهي من
مدينة السويداء حيث طعنها
شقيقها حتى الموت بعد
علم العائلة بزواجها سراً
من شاب من عقيدة أخرى.
والسؤال
الذي يطرح نفسه هنا هو ,
في حال تم تعديل القانون,
هل ستتوقف جرائم الشرف أو
يتم التقليل منها؟
ربما من المجدي هنا أن
ننظر إلى المثال في تركيا
وفي كردستان العراق.
قبل
عامين غلظت تركيا من
قوانينها المتعلقة بجرائم
الشرف, فأصبح الرجال
الذين كان القاضي ينظر
إليهم بعين الرأفة
لإقدامهم على القتل بدافع
الشرف ويحكم عليهم
بالأسباب المخففة, صاروا
يواجهون أحكاماً بالسجن
مدى الحياة. ولهذا حسب ما
يقوله نشطاء في مجال حقوق
الإنسان فإن عائلة الفتاة
المشكوك بأمرها يدفعونها
إلى الإنتحار لكي تعفي
قريبها الرجل من العقوبة.
ارتفاع نسب الإنتحار في
المدن الكردية دفع الأمم
المتحدة إلى إيفاد السيدة
ياتين أرتورك في الفترة
من 22 الى 31 من أيار
2006 الى تلك المناطق
للتدقيق في المزاعم بأن
نسبة الإنتحار المرتفعة
مرتبطة بالعقوبات
القانونية التي باتت تفرض
على مرتكبي جرائم الشرف.
في مدينة باطمان التي
يبلغ عدد سكانها ما يقارب
250 ألف نسمة انتحرت في
العام 2006 36 إمرأة وهي
نسبة مرتفعة مقارنة
بالعام 2005. ووصل عدد
المنتحرات في مدينة وان
إلى 20 إمرأة وكان قد وصل
في العام 2005 الى 45
إمرأة. تؤكد ناشطات أن
بعض الحالات حدثت نتيجة
الدفع للإنتحار بينما
القسم الآخر كان جرائم
قتل قدمت على أنها
إنتحار.
وقد كشفت السيدة ياتين
أرتورك أن الممارسات
التقليدية مثل الزواج
المدبر والعنف الأسري
وإنكار حقوق الإنجاب تلعب
دوراً أساسياً في دفع
النساء في جنوب وجنوب شرق
تركيا للإنتحار في ظل عدم
تطبيق السلطات للقوانين
التي تحميهن.
تشير التقديرات إلى أن
ما لا يقل عن ثلث جميع
النساء التركيات يقعن
ضحايا للعنف البدني داخل
أسرهن؛ إذ يتعرضن للضرب
والاغتصاب، بل والقتل في
بعض الأحيان، أو يرغمن
على الإنتحار.
تتعرض
النساء لخطر مزدوج، حيث
يقعن أولاً ضحايا للعنف،
ثم يُحال بينهن وبين سبل
العدالة والإنصاف؛ إذ
يُثنين عن تقديم شكاوى ضد
المعتدين عليهن، ولا
يلقين أي حماية تُذكر من
أزواجهن وأقاربهن.
وكثيراً ما تتقاعس الشرطة
ووكلاء النيابة عن
التحقيق فيما تتعرض له
النساء من الاعتداءات
العنيفة أو جرائم القتل،
أو ما يبدو أنه حالات
إنتحار. ولا يُقدَّم
المسؤولون عن هذه
الاعتداءات لساحة القضاء
إلا نادراً؛ وما برحت
المحاكم تلقي باللائمة
على النساء اللاتي تعرضن
للإعتداء أو الإغتصاب أو
القتل، وتبرئ ساحة
المعتدين لأسباب تتعلق
بـ"الشرف".
أيضاً في أقليم كردستان
العراق أصدرت وزارة حقوق
الإنسان في 3_4_ 2007 أن
533 إمرأة أقدمن على
الإنتحار أو تعرضن للقتل
خلال العام الماضي. كما
ورد في تقرير آخر أنه
خلال 14 شهرا أقدمت 831
أمرأة على حرق نفسها في
أقليم كردستان العراق.
أظهر التقرير أن نسبة
الإنتحار أرتفعت من 22%
في العام 2005 الى 88% في
العام 2006 وأشار إلى أن
معظم النساء اللواتي
يتعرضن للعنف تتراوح
أعمارهن بين 13 و 18
عاماً. حدد أنواع العنف
بالضرب والسب والقذف
والوعيد بالقتل والزواج
القسري والإعتداء الجنسي
والحرمان من إكمال
الدراسة.
تفيد ناشطات في مجال حقوق
المرأة أنه يحدث أن تقتل
المرأة لغسل الشرف ومن ثم
يتم حرقها لتحويل العملية
إلى إنتحار خاصة وأن
القانون الإقليمي في
كردستان لا يعطي أسباباً
تخفيفية لمرتكب جريمة
الشرف، ولكن غالباً ما
يكون مرتكبها صاحب نفوذ
وسطوة وبخاصة في الوسط
العشائري، وهذا الوسط هو
عصب رئيس في تركيبة
السلطة والدولة، وهذا
يعني سهولة تفلت المرتكب
من العقاب عبر إقفال دعوى
القتل وتحويلها انتحاراً.
الفتية قبل سن البلوغ هم
فئة أخرى من مرتكبي جرائم
الشرف حيث يحرضهم الأهل
على قتل شقيقاتهم أو إحدى
قريباتهم متسفيدين من عدم
سريان القانون الجنائي
عليهم.
فإذاً الخلل الأساسي يكمن
في النظام القيمي
الأخلاقي للمجتمع وتغيير
هذه النظم عملية طويلة
ومعقدة تحتاج إلى تضافر
جهود المنظمات الأهلية
والحكومية ,السياسية
والدينية والإعلامية. لا
بد من نشر ثقافة بديلة
تغير نظرة المرأة أولاً
إلى نفسها ومن ثم نظرة
الرجل إليها لتصبح
إنساناً كامل الأهلية في
الحقوق الواجبات, ولابد
من تغير مفهوم الشرف
ليصبح أكثر مصداقية. إن
جزء كبير من مسؤولية هذا
العمل يقع على عاتق
المرأة الكردية المثقفة
بالدرجة الأولى.
قصور القوانين والتخلف
الإجتماعي وسيادة الفكر
العشائري يجعل قتل النساء
تحت ذريعة الشرف ليس فقط
صحيحاً بل أيضاً واجباً.
المرأة المتعلمة,
الجامعية. ما هو الدور
الذي تقوم به في المجتمع
الكردي ؟ هل تتعامل مع
القضايا الإجتماعية
بمقتضى علمها وثقافتها؟
هل تأخذ المبادرة في نفض
الظلم الواقع على المرأة
, أم تستمر في الخضوع
لممارسات المجتمع
المتخلف؟المرأة الكردية
التي تعيش في دول لا تملك
قوانين ومؤسسات تحميها في
بعض الدول التي تحتل
كردستان وقوانين معطلة عن
التطبيق في البعض الآخر.
حتى الآن لم يتبادر إلى
علمي إنشاء جمعية ما
لحقوق المرأة في كردستان
سوريا, أو حتى لزيادة
معرفتها بحقوقها وتقديم
المشورة لها. الكثيرات
منهن يتعاملن مع الأمور
وكأنهن تعلمن فقط لنيل
الشهادة الجامعية وليس
للنهوض بدورهن كرائدات
يقع على عاتقهن محاولة
إحداث تغير ما في البنية
الأجتماعية والقيم
الإخلاقية( أنا هنا لا
اعفي نفسي أيضاً ).
قد يبدو إنشاء جمعيات من
هذا لنوع للوهلة الأولى
غريباً على بنية المجتمع
الكردي, لكن لكل شئ
بداية. المؤكد أيضاً أن
جمعية من هذا النوع ستلقى
العديد من الصعوبات خاصة
في ظل قوانين لا زالت غير
قادرة على حمايتها
فعلاً,ومجتمع لا زال ينظر
إلىالمرأة بوصفها مشروع
فتنة وتخريب وليس على
أنها إنسان كامل الأهلية.
لا أدري فعلياً مدى
إمكانية أن تمنح الدولة
الترخيص والحماية لهكذا
منظمات وتمنحها شرعية
التواجد والعمل في ظل كل
ما تمارسه هذه الدولة من
تمييز ضد الشعب الكردي
برمته . هذا دون أن نتحدث
عن القطيعة المطلقة بين
الناشطات العربيات في
مجال حقوق المرأة,
والناشطات الكرديات مما
يكرس سياسية الحكومة في
تهميش الشعب الكردي في
سوريا.
ما هو دور الرجل
المثقف في كل هذا ؟ هل
سيستمر في الإستمتاع
بالحظوة التي يمنحها له
المجتمع المتخلف؟ أم
سيجرؤ على الرفض وبالتالي
أن يكون مستعداً للإزدراء
والنبذ الذي سيواجهه من
المجتمع الذكوري ؟
لابد من محاولة لرمي حجر
في البركة الساكنة. ربما
ليس بإمكاننا إزالة هذه
المشكلة, لكن الأكيد هو
أن بإمكاننا الإشارة
إليها ومحاولة تغييرها.
لننزل قليلاً إلى الواقع
ونسمي الأشياء باسمائها
المتدوالة في المجتمع
والأقرب الى المعايشة
منها الى التنظير.
نساء ضد نساء
إقتلها, أغسل شرفك.
|