{عندما خرج من البيت ، كان مهندماً
و بمظهر لائق ولم يكن هناك شيئ غير مألوف و هو نفسه لم يظهر أية
نية بائتة وخمنّ أنه خرج لابتياع ربطة خبز أو للبحث عن عمل} قالت
النساء اللواتي شاهدناه في صبيحة ذلك اليوم . ثم أضففن: {عندما مرّ
بمحاذاتنا ، إرتطم بحجر، فلعن الصنم بنزق ثم توارى}
هو نفسه لم ينكر تلك الواقعة عمّا
قالته النساء ، بل أكد لحظة الخروج . و كان قد سار بمشية المختال
الفخور بين البيوت الطينية ؛ المتناثرة كحبات مسبحة إنقطعت خيطها.
دخل الحارات والازقة الضيقة. المتقاطعة والمتصالبة بزوايا حادة و
منفرجة وأحياناً أكواع دائرية , كشبكة عنكبوت كسول صاغها في أوقات
القيلولة ، تزخرفها تلال قمامة و مستنقعات مملوءة بمياه آسنة تفوح
منها روائح البول الآدمي .
عندما وصل إلى الطريق المعبد نظر
إلى حذائه باشمئزاز ، فضرب بقدميه على الارض كي ينفض عنها ولو جزء
مما تعلق به . فارتسمت آثار النعلين كأختام مختارية على المساحة
السوداء المنبسطة . إتجه يميناً و بخطى متثاقلة كأنه متردد أن
يتابع أو يعود أدراجه ، إلا أن قرقعة نعليه المتعالية شيئاً فشيئاً
حثه على المتابعة. فدخل المنعطف الذي إبتداءً منه تضّح علامات
المدينة و دخول شارع الجسرين, الحي الباقي على تاريخ تلك
الامبراطورية الوادعة على تخوم ممالك الغجر. وقع عيناه على خيولٍ
مربوطة تضرب الارض بحوافرها. بالبديهة عرف أنها ليست لفرسان ، بل
لباعة المازوت . تفوح من إتجاهها تلك الروائح المختلطة بعبق الروث
والبول . حينها مرّ أحد المترنحين و هو يردّد أغنية بصوته الحاد
والنشاز. لو سمعه صاحبها لأنتحر غيظاً . أما هو فلم يكترث بتلك
اللوحة واكتفى ب : {كلكم خلق الله} رددها في نفسه برحمة وود . كان
قد تجاوز تلك المبنى عندما ولج بابها العريض سيارتان.
{الامر واضح سيارة الجيب هي لموظفي
الجمارك و الاخرى مضبوظة و هي محملة ببضاعة مهربة....مالي وما لهم
فأنا لا أبيع ولا أشتري} قالها في خلده و حينها أحس بعطش و عناء و
بشيئ من الاختناق الغباري المتصاعد عن حركة الحافلات . كي يقلّل من
تلك الرتابة بدأ بالنظر والتحدق في اليافطات وكذلك حاول الاندماج
في الحركة المحيطة :
{هذه محل بيع قناني الغاز المنزلي
المعبأة من حقول السويدية و الرميلان......طوابير بشرية تنتظر
الدور لتبديل الفارغة منها بالمملوءة .الخياط ح ، كومجي ...قصاب ،
فوال، فرن طوني...، الديري مؤجر الدراجات، باعة متجولون. ..و هناك
عدة قرويات فرغن للتو من مقايضة اللبن بألواح الصابون}« .
لذا عندما سألوا المترنح ذي السحنة
النّورية و الذي كان حينها يقرفص أمام باب أحد الفوالين و شمس
الصيف الحارقة تلفح فروة رأسه المتقرّحة و هو يلحس آخر الصدقات ؛
فيما إذا رآه . فأجابهم بإشارة من يده و بعواء كلب أجرب : { إنه
ذهب في هذا الأتجاه} و أشار حينها إلى الغرب . أما هو فلم ينفي ذلك
و بها برَّأ ذمّة النَّوَري من أي تلفيق لا سمح الله. فقد مرّ به و
تجاوزه وفي تلك اللحظات أحسَّ أنَّ الشارع ينطبق عليه ، كرموشِ
عينٍ متطاول بصفوف دكاكينه وورشه المتراصة. حينئذ شقَّ طريقه بين
الحشود الذاهبة و العائدة ، رجال و نساء { السلام عليكم } { و
عليكم السلام} ...{ مرحباً... كيف حالكم؟...} {من أين تأتون
؟....إلى أين أنتم ذاهبون.......ماذا هناك ؟ } يُلقى عليه التحية
يتلقفها و يلقي بها على الآخرين . تردد في نفسه : {القضية هي قضية
مبدأ ، أن تستلم و تسلِّم و تمشي و أنت مختالٌ فخور. مع التيار أو
ضده لا فرق ، فالسرعة هنا سيدة الأحكام}
كلٌ كان يلقي بالتحية و السلام على
طريقته الخاصة. البعض باليد و آخرين باليد و اللسان معاً و منهم من
يكتفي بحركة من الحاجبين ؛ و قد يمر أحدهم دون أن يكترث ، ثم يضيع
بين الحشود . وقتئذ انشغل بتصنيفهم و فرزهم :{ هذا لطيف و الآخر
متزمت و الثالث غير ناضج و وعيه السياسي غير مكتمل....، ضيّق الأفق
و لا يستطيع الخروج من دائرته الحزبية الضيّقة.....} لكن لم يحبذ
هذا التصنيف و وجده كلاسيكياً ، لذا اعتمد الدارج: { الصقور و
الحمائم } أعجبته الفكرة . كلما مرّ أحدهم قال عنه:{صقور}
،{حمائم} . إزداد عدد المارة، فإطرّ هو أيضاً أن يردد باستعجال ،
كلحظات الجماع الاخيرة و بتلك النكهة النزقة:
{صقور،...حمائم،...صقور،...حمائم،...صقور،...صقور...}
. في هذه المعمعة ، شاهد مترنح آخر في الجهة المقابلة بأثماله
البالية و بلكنةٍ بدوية وأالفاظ ذي إيقاع اصولي ، تنم عن خلفية
فقهية: »هنا جهل و هناك هبل« ثم يلعن و يبصق {تف تف ...بسم الله
مولود}
تقاطعت و اختلطت ما كانا يرددانه :{
صقور..هبل..حمائم..جهل...بسم الله مولود}، كقطارين مسرعين سارا إلى
وجهتين مختلفتين . أما هو فكان وجهته غرباً. و عندما شاهد رتل
السيارات المدهونة باللون الاصفر الباهت ، استطاع التعرف على مكان
الجسر الاول. وصراخ سائقي الباصات آت من صوب كراج حلب :{تربسبي...عامودا...تل
معروف...}. أوساخٌ و قمامة و لحومٌ بشرية متدحرجة و دورية من القوة
ذي القبعات الحمر تدخل الكراج ؛ تنزّل شباباً من تلك الباصات
المنتظرة ثم تقودهم إلى جهة ما.
عندما توقف على الجسر الكبير هنيهات
، كان الشمس مازال في الافق تستعد للأفول. ونهر جقجق يجرجر اذياله
الخائبة و لا ينضح إلا بجزءٍ من البول الشمالي . لحظتها كان يتقدم
منه {مترنح} ببذةٍ عسكرية و هيئة جنرال مغوار تزخرفه صور، رتب ،
نياشين وشعارات تمثل مناهج متصارعة تعكس الخير و الشر معاً. ابتسم
له و كاد ان يطرح عليه مشروعا شغل ذهنه لحطتها.{ تعال لنتقاسم
الامبراطورية بيننا ، فتدير أنت في الصباح مشرقها و أنا مغربها و
ليكن في المساء العكس .} إلا أنه تراجع و اكتفى بتلويحة من يده و
في سرّه يقول : { إنه أيضاً من خلق الله و لكنه بريء و متبرأ من كل
ما يجري فوق بذته}
احتار لهنيهات ،أن يصنفه من الصقور
أم من الحمائم و في الآخر انتهى إلى الرأي : {إنه صقر كردي}. وقتئذ
كان حشد من الباعة المتجولين ينتظرون ، على أمل الافراج عن بعض
المتاع المحتجز في مبنى البلدية . فقال في خلده : {كلكم خلق الله و
رزقكم عليه . } مع هذه الكلمات اجتاز القيصرية . توقف بجانب سهم
كتب عليه{ إذا أردت الذهاب إلى الحلم الشمالي فالطريق من هنا} .
نظر إليها بشزر ، كإنه يستنطق اللوحة ويبيّن لها جهة اخرى . انعرج
يمينا ثم جلس وهو يتنتح عرقاً في هذا اليوم المعمعاني ؛ فنادى
الكرسون : {مرحباً أبو سمرة ، بالله عليك ، ناولني كازوزاً بارداً
يثلج صدري و تعال حدثني كيف أقنعت تلك البدوية ؟}
ناوله أبو سمرة زجاجة الكازوز
البرتقالي بسرعة البرق . جرعة أولى ، ثم أردفها بأخرى و رفع مؤخرة
الزجاجة شيئاً فشيئا و أبو سمرة يتابع سرد الحكاية و قد وصل إلى:
{...عندما وضعت يدي بين فخذيها ، فلم تمانع . عندها آمنت بربي و
توكلت عليه....}. قال بهمس : {إنك صقر شيوعي آشوري} و هو يجهز على
الشراب المتبقي ، كديك يؤدي آذان الفجر على أنغام قيثارة محدثه و
رائحة الكباب المشوي الآتي من صوب مطعم جانيك الأرمني . وضع
الزجاجة الفارغة جانباً كمن إستفاق من حلم . بقيت عيناه معلقتين
باليافطات و الاسماء الثلاثية و الرباعية المتداخلة
{ الدكتور،...المهندس،....فندق ، مقهى ومطعم،...إخصائي ب....} و
فجأةً إستفز من مكانه و إتجه غرباً. تضاعفت جيوش الذاهبين و
العائدين ، كأن الشوارع فاضت بشراً ، أو ربما جبال بشرية ذابت و
سالت . لوحات عديدة و مختلفة . كتب و مكتبات بواجهات جرائدية .
صقور و حمائم و زوبعات غبارية. جوعٌ غيثه العطش ، استعجلته
بالاسراع نحو الهدف . كم تمنى أن تنهمر حباة البرد اللعينة ، في
هذا الصيف القاحل ؛ لتجهّز على الحلم الباقي و تضيّع فرصة اللابدء
. فتوتوج لذةً و نشوة مراهقية بدأت للتو . منارة و ميدان و كومة
حجر ، جعلت في حلقه غصة و أحسسته بالعار :{أغتصبت الامبراطورية}
وجد نفسه وقتها كلقيط من أم عاهرة ؛ أعتدي عليها ليلة زفافها على
قارعة الطريق . فولد هو مجهول الاب و بدون تاريخ ميلاد. تغير
المكان في بطن الزمان ، فجعل الفكر جامد و العقل صافن و طرق كثيرة
و لكن أين الأمل ؟.تردد في مخيلته: { سبعة نوافير كانت هنا،...بللت
جسمي يوماً ههنا،....كانت مملكتي تقيم هنا. أما الآن ، فقد أصبحت
خارجة عن نواميس الزمن ، و الحدود لهم بقدر ما تصلها أيديهم و
أرجلهم.} ارتدت عليه الاصوات . توقفت عيناه عن الدوران و جابت في
رأسه فكرة: { سأعيد فتح النوافير السبعة . } إرتدت الاصوات عليه
ثانيةً. فسمع لغط و ضجيج . رأى صقوراً و حمائم و أشكال مبهمة .
اختلطت الالوان و تحولت إلى سواد أعمى . كل شيئ يوحي فقط بالسواد
، صقور سوداء ، حمائم سود ، غرباناً سوداء ، إختفت كل شيئ و بقي
السواد المتفحم و الصوت المسموع :{سأتركك منسياً كي تنسى مقاييس
الزمان و المكان،....سأسلبك التفكير و الرأي و البصيرة . ستبقى
بدون ذاكرة}.
نبس و كأنه يفهم الآخر:{ عد إلى رشدك
، أنا إنسان و أنت كذلك . نستطيع أن نكبر معاً. دعني أفتح أول
النوافير.....}
كمن حلف الأيمان المغلظة ، فلم يعد
هناك مجال للتراجع و فتح العنان لنافورته { شششششش......} وكانت
السعادة ظاهرةٌ في تململهِ :{ تدفقي و سيلي،...إجرفي ،.....لقد
تحققت أولى الامنياة.....}. بقي يردد في تلك السعادة المقدسة ،
بينما كانت تنهال عليه اللعنات المباركة و سيل من الركلات والرفسات
؛ من المهنئين و فكره الغائب ينادي : { الله يبارك فيكم أن تسرعوا
أكثر. ياللمتعة و الرأفة . تبركوا و تبللوا ،....فاشهدوا
،....فاشهدوا،..فاشهدوا.} لم يفق من النشوة إلا بسبب تلك الإقياءة
اللعينة ، في ذلك القبو المظلم..
Braunschweig
المقالات
المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع