H  E  V  G  I  R  T  I  N  A

REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE


اتحاد المثقفين الكورد-غربي كوردستان في الخارج
rojava@rojava.net
 

 
 

Kurdi عربيEnglishSwedishHevgirtin

 
 

 

 
     


ترنيمة مترنح
 

            rojava.net 04.04.2005

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                    

{إلى الذين فقدوا أعصابهم في لحظة حنق}

قصة قصيرة

الكاتب: وليد مراد

 

{عندما خرج من البيت  ، كان مهندماً و بمظهر لائق ولم يكن هناك شيئ غير مألوف و هو نفسه لم يظهر أية نية بائتة وخمنّ أنه خرج لابتياع ربطة خبز أو للبحث عن عمل}  قالت النساء اللواتي شاهدناه في صبيحة ذلك اليوم . ثم أضففن: {عندما مرّ بمحاذاتنا ، إرتطم بحجر، فلعن الصنم بنزق ثم توارى}

هو نفسه لم ينكر تلك الواقعة عمّا قالته النساء ، بل أكد لحظة الخروج . و كان قد سار بمشية المختال الفخور بين البيوت الطينية ؛ المتناثرة كحبات مسبحة إنقطعت خيطها. دخل الحارات والازقة الضيقة. المتقاطعة والمتصالبة بزوايا حادة و منفرجة وأحياناً أكواع دائرية  , كشبكة عنكبوت كسول صاغها في أوقات القيلولة ، تزخرفها تلال قمامة و مستنقعات مملوءة بمياه آسنة تفوح منها روائح البول الآدمي .

عندما وصل إلى الطريق المعبد  نظر إلى حذائه باشمئزاز ،  فضرب بقدميه على الارض كي ينفض عنها ولو جزء مما تعلق به . فارتسمت آثار النعلين كأختام مختارية على المساحة السوداء المنبسطة . إتجه يميناً و بخطى متثاقلة كأنه متردد أن يتابع أو يعود أدراجه ، إلا أن قرقعة نعليه المتعالية شيئاً فشيئاً حثه على المتابعة. فدخل المنعطف الذي إبتداءً منه تضّح علامات المدينة و دخول شارع الجسرين, الحي الباقي على تاريخ تلك الامبراطورية الوادعة على تخوم ممالك الغجر. وقع عيناه على خيولٍ مربوطة تضرب الارض بحوافرها. بالبديهة عرف أنها ليست لفرسان ، بل لباعة المازوت . تفوح من إتجاهها تلك الروائح المختلطة بعبق الروث والبول . حينها مرّ أحد المترنحين و هو يردّد أغنية بصوته الحاد والنشاز. لو سمعه صاحبها لأنتحر غيظاً . أما هو فلم يكترث بتلك اللوحة واكتفى ب : {كلكم خلق الله} رددها في نفسه برحمة وود . كان قد تجاوز تلك المبنى عندما ولج بابها العريض سيارتان.

{الامر واضح سيارة الجيب هي لموظفي الجمارك و الاخرى مضبوظة و هي محملة ببضاعة مهربة....مالي وما لهم فأنا لا أبيع ولا أشتري} قالها في خلده و حينها أحس بعطش و عناء و بشيئ من الاختناق الغباري المتصاعد عن حركة الحافلات . كي يقلّل من تلك الرتابة بدأ بالنظر والتحدق في اليافطات وكذلك حاول الاندماج في الحركة المحيطة :

{هذه محل بيع قناني الغاز المنزلي المعبأة من حقول السويدية و الرميلان......طوابير بشرية تنتظر الدور لتبديل الفارغة منها بالمملوءة .الخياط ح ، كومجي ...قصاب ، فوال، فرن طوني...، الديري مؤجر الدراجات،  باعة متجولون. ..و هناك عدة قرويات فرغن للتو من مقايضة اللبن بألواح الصابون}« .

 لذا عندما سألوا المترنح ذي السحنة النّورية و الذي كان حينها يقرفص أمام باب أحد الفوالين و شمس الصيف الحارقة تلفح فروة رأسه المتقرّحة و هو يلحس آخر الصدقات ؛ فيما إذا رآه . فأجابهم بإشارة من يده و بعواء كلب أجرب : { إنه ذهب في هذا الأتجاه} و أشار حينها إلى الغرب . أما هو فلم ينفي ذلك و بها برَّأ ذمّة النَّوَري من أي تلفيق لا سمح الله. فقد مرّ به و تجاوزه وفي تلك اللحظات أحسَّ أنَّ الشارع ينطبق عليه ، كرموشِ عينٍ متطاول بصفوف دكاكينه وورشه المتراصة. حينئذ شقَّ طريقه بين الحشود الذاهبة و العائدة ، رجال و نساء { السلام عليكم } { و عليكم السلام} ...{ مرحباً... كيف حالكم؟...} {من أين تأتون ؟....إلى أين أنتم ذاهبون.......ماذا هناك ؟ } يُلقى عليه التحية يتلقفها و يلقي بها على الآخرين . تردد في نفسه : {القضية هي قضية مبدأ ، أن تستلم و تسلِّم و تمشي و أنت مختالٌ فخور.  مع التيار أو ضده لا فرق ، فالسرعة هنا سيدة الأحكام}

 كلٌ كان  يلقي بالتحية و السلام على طريقته الخاصة. البعض باليد و آخرين باليد و اللسان معاً و منهم من يكتفي بحركة من الحاجبين ؛ و قد يمر أحدهم دون أن يكترث ، ثم يضيع بين الحشود . وقتئذ انشغل بتصنيفهم و فرزهم :{ هذا لطيف و الآخر متزمت و الثالث غير ناضج و وعيه السياسي غير مكتمل....، ضيّق الأفق و لا يستطيع الخروج من دائرته الحزبية الضيّقة.....} لكن لم يحبذ هذا التصنيف و وجده كلاسيكياً  ، لذا اعتمد الدارج: { الصقور و الحمائم } أعجبته الفكرة .  كلما مرّ أحدهم قال عنه:{صقور} ،{حمائم} . إزداد عدد المارة، فإطرّ هو أيضاً أن يردد باستعجال ، كلحظات الجماع الاخيرة و بتلك النكهة النزقة:

 {صقور،...حمائم،...صقور،...حمائم،...صقور،...صقور...} . في هذه المعمعة ، شاهد مترنح آخر في الجهة المقابلة بأثماله البالية و بلكنةٍ بدوية وأالفاظ ذي إيقاع اصولي ، تنم عن خلفية فقهية: »هنا جهل و هناك هبل« ثم يلعن و يبصق {تف تف ...بسم الله مولود}

تقاطعت و اختلطت ما كانا يرددانه :{ صقور..هبل..حمائم..جهل...بسم الله مولود}، كقطارين مسرعين سارا إلى وجهتين مختلفتين . أما هو فكان وجهته غرباً. و عندما شاهد رتل السيارات المدهونة باللون الاصفر الباهت ،  استطاع التعرف على مكان الجسر الاول. وصراخ سائقي الباصات آت من صوب كراج حلب :{تربسبي...عامودا...تل معروف...}. أوساخٌ و قمامة و لحومٌ بشرية متدحرجة و دورية من القوة ذي القبعات الحمر تدخل الكراج ؛ تنزّل شباباً من تلك الباصات المنتظرة ثم تقودهم إلى جهة ما.

عندما توقف على الجسر الكبير هنيهات  ، كان الشمس مازال في الافق تستعد للأفول. ونهر جقجق يجرجر اذياله الخائبة و لا ينضح إلا بجزءٍ من البول الشمالي . لحظتها كان يتقدم منه {مترنح} ببذةٍ عسكرية و هيئة جنرال مغوار  تزخرفه صور، رتب ، نياشين وشعارات تمثل مناهج متصارعة تعكس الخير و الشر معاً. ابتسم له و كاد ان يطرح عليه مشروعا شغل ذهنه لحطتها.{ تعال لنتقاسم الامبراطورية بيننا ، فتدير أنت في الصباح مشرقها و أنا مغربها و ليكن في المساء العكس .} إلا أنه تراجع و اكتفى بتلويحة من يده و في سرّه يقول : { إنه أيضاً من خلق الله و لكنه بريء و متبرأ من كل ما يجري فوق بذته}

احتار لهنيهات  ،أن يصنفه من الصقور أم من الحمائم و في الآخر انتهى إلى الرأي : {إنه صقر كردي}. وقتئذ كان حشد من الباعة المتجولين ينتظرون ، على أمل الافراج عن بعض المتاع المحتجز في مبنى البلدية . فقال في خلده : {كلكم خلق الله و رزقكم عليه . } مع هذه الكلمات اجتاز القيصرية . توقف بجانب سهم كتب عليه{ إذا أردت الذهاب إلى الحلم الشمالي فالطريق من هنا} .  نظر إليها بشزر ،  كإنه يستنطق اللوحة ويبيّن لها جهة اخرى . انعرج يمينا ثم جلس وهو يتنتح عرقاً في هذا اليوم المعمعاني ؛ فنادى الكرسون : {مرحباً أبو سمرة ،  بالله عليك ، ناولني كازوزاً بارداً يثلج صدري و تعال حدثني كيف أقنعت تلك البدوية ؟}

 ناوله أبو سمرة زجاجة الكازوز البرتقالي بسرعة البرق . جرعة أولى ، ثم أردفها بأخرى و رفع مؤخرة الزجاجة شيئاً فشيئا و أبو سمرة يتابع سرد الحكاية و قد وصل إلى: {...عندما وضعت يدي بين فخذيها ، فلم تمانع . عندها آمنت بربي و توكلت عليه....}.  قال بهمس : {إنك صقر شيوعي آشوري} و هو يجهز على الشراب المتبقي ، كديك يؤدي آذان الفجر على أنغام قيثارة محدثه و رائحة الكباب المشوي الآتي من صوب مطعم جانيك الأرمني . وضع الزجاجة الفارغة جانباً كمن إستفاق من حلم .  بقيت عيناه معلقتين باليافطات و الاسماء الثلاثية و الرباعية المتداخلة
{ الدكتور،...المهندس،....فندق ، مقهى ومطعم،...إخصائي ب....} و فجأةً إستفز من مكانه و إتجه غرباً.  تضاعفت جيوش الذاهبين و العائدين ، كأن الشوارع فاضت بشراً ، أو ربما جبال بشرية ذابت و سالت . لوحات عديدة و مختلفة . كتب و مكتبات بواجهات جرائدية . صقور و حمائم و زوبعات غبارية.  جوعٌ غيثه العطش  ، استعجلته بالاسراع نحو الهدف . كم تمنى أن تنهمر حباة البرد اللعينة ، في هذا الصيف القاحل ؛ لتجهّز على الحلم الباقي و تضيّع فرصة اللابدء . فتوتوج لذةً و نشوة مراهقية بدأت للتو .  منارة و ميدان و كومة حجر ، جعلت في حلقه غصة و أحسسته بالعار :{أغتصبت الامبراطورية} وجد نفسه وقتها كلقيط من أم عاهرة ؛ أعتدي عليها ليلة زفافها على قارعة الطريق .   فولد هو مجهول الاب و بدون تاريخ ميلاد.  تغير المكان في بطن الزمان ،  فجعل الفكر جامد و العقل صافن و طرق كثيرة و لكن أين الأمل ؟.تردد في مخيلته: { سبعة نوافير كانت هنا،...بللت جسمي يوماً ههنا،....كانت مملكتي تقيم هنا. أما الآن ، فقد أصبحت خارجة عن نواميس الزمن ، و الحدود لهم بقدر ما تصلها أيديهم و أرجلهم.} ارتدت عليه الاصوات . توقفت عيناه عن الدوران و جابت في رأسه فكرة: { سأعيد فتح النوافير السبعة . } إرتدت الاصوات عليه ثانيةً.  فسمع لغط و ضجيج . رأى صقوراً و حمائم و أشكال مبهمة . اختلطت الالوان و تحولت إلى سواد أعمى .  كل شيئ يوحي فقط بالسواد ،  صقور سوداء ، حمائم سود ، غرباناً سوداء ، إختفت كل شيئ و بقي السواد المتفحم و الصوت المسموع :{سأتركك منسياً كي تنسى مقاييس الزمان و المكان،....سأسلبك التفكير و الرأي و البصيرة . ستبقى بدون ذاكرة}
.

نبس و كأنه يفهم الآخر:{ عد إلى رشدك ، أنا إنسان و أنت كذلك . نستطيع أن نكبر معاً. دعني أفتح أول النوافير.....}

 كمن حلف الأيمان المغلظة  ، فلم يعد هناك مجال للتراجع و فتح العنان لنافورته { شششششش......} وكانت  السعادة ظاهرةٌ في تململهِ :{ تدفقي و سيلي،...إجرفي ،.....لقد تحققت أولى الامنياة.....}.  بقي  يردد في تلك السعادة المقدسة ، بينما كانت تنهال عليه اللعنات المباركة و سيل من الركلات والرفسات ؛ من المهنئين و فكره الغائب ينادي : { الله يبارك فيكم أن تسرعوا أكثر.  ياللمتعة و الرأفة . تبركوا و تبللوا ،....فاشهدوا ،....فاشهدوا،..فاشهدوا.} لم يفق من  النشوة إلا بسبب تلك الإقياءة اللعينة ، في ذلك القبو المظلم..

Braunschweig

 

 

 
 

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 
 

HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE