Tuesday, 15. May 2007        

 

 

 

ِالفساد على تخوم التعليم

عمر كوجري

قد يخفق المرء في رصد واستعادة جلََ ما خزنته من غابة قراءات ومطالعات المرء بيد أن الكلام الذي يحمل في خباياه صداه الأبعد يظل إلى أمد بعيد محتفظاً ببريقه، ونضارته . ومن ضمن ماأتذكربعض ملامحه وخيوطه أن مسؤولاً في بلد ما أفصح لحاكم البلد ما يجول في خلده في الشأن العام ،شارحاً له أحوال البلاد والعباد ، وما آلت إليه الأمور ، فقال الحاكم:وما وضع التعليم والقضاء ؟ هل طالهما الفساد والإفساد ؟؟ فرد الأول بالنفي ، أجاب الثاني : الأمور مازالت بخير .
عندنا في سوريا يبدو أن هذه اللعينة قد عششت بذورها ، وفرخت في أرض القضاء والتعليم ، وهما بطبيعة الحال عماد أي رقي وعمران .
الإعلام الرسمي يتحدث كل يوم عن القضاء المستقل والنزيه لكن" كلام الليل يفوت في شقوق الجدران " كما يقول الكرد . والواقع يقول خلاف ذلك، فالقضاء ليس بمنأى البتة عن سرطان الفساد المستشري في الكثير من مفاصل الدولة السورية، وما القرار الرئاسي_ قبل أشهر _ الذي أحال واحدا وثمانين قاضياً إلى منازلهم العامرة أو إلى السجن سوى محاولة لتصحيح مسار القضاء فمازالت المحسوبيات والتدخلات من هنا وهناك بمثابة البلسم الشافي للعديد من القضايا التي تحل في الخفاء بعيداًعن الاستقامة التي ينشدها الكثير من الأفراد والجماعات والتنظيمات ، فحتى قبل فترة قريبة ويقال أنها مازالت موجودة كان شرط التقدم لمسابقات القضاة أن يكون المتقدم منتمياً إلى حزب البعث الحاكم منذ أكثر من أربعة عقود دون النظر إلى الكفاءة والسجل الشخصي النظيف والأمانة .لذلك كنا نسمع في السر والعلانية أن العديد ممن تقدموا إلى تلك المسابقات كانوا يتقاتلون لأجل النجاح ويبدو أن الغاية لم تكن إحقاق الحق وإعلاء شأنه لأن العديد من هؤلاء كان يحمل في جيبه عشرات الآلاف من الليرات طمعاً بالنجاح .ومن الطبيعي أن من يدفع من دم قلبه باليمنى سيسعى إلى استرداد الأضعاف المضاعفة باليسرى.
وإذا ماتركت الشأن القضائي جانباً ، والتفت إلى جانب التعليم الذي يهمني أمره كثيراً وهو محور موضوعي انطلاقاً من عتبة النص "العنوان " كما يعلمنا جماعة التفكيكيين ومابعد الحداثة. سأسجل أن التعليم ليس أفضل شأناً من القضاء ..
فقد جرت عملية فساد وإفساد طيلة العقود الأخيرة، وتشويه بحق العلم والتعليم وسأكتفي بأمثلة خاطفة :
فيما مضى وإلى فترة قريبة كان يتساوى- بلا أي وجه حق- الطالب الذي يصل ليله بنهاره مع الطالب الكسول الذي يحرض من قبل الأهل ، ولدافع المصلحة الصرف إتباع دورات الصاعقة والقفز المظلي ، والانتساب إلى اتحاد الشبيبة لأجل الفوز بعلامات أكثر من التي استحقها في الامتحان حتى يكون بمقدوره التسجيل في الجامعة أو الكلية المرغوبة ، أضف إلى ذلك أن المظليين على زماننا كانوا مصدر إقلاق لراحتنا نحن الطلبة ، وكنا نتحاشاهم حتى لو رأيناهم خارج أسوار المدارس ، كانوا يزحفوننا، و"يدعكلونا" ويضربوننا على أقفيتنا ببوطهم العسكري ؛ كل هذا أمام المد راء والموجهين الذين كانوا حاقدين وحانقين علينا ، وكثيراً ماكانوا ينعتونا بالبارتيين الخونة ، وعملاء إسرائيل ، ولم يكن يخامرنا أدنى شك أنهم أكثر إخلاصاً ووطنية منا ، وكانت قلوبنا الغضة تبدي فشلها أمام سيل تساؤلاتنا ، واستفهاماتنا الطفولية .ولعل من محاسن الصدف أن الطلبة الفاسدين الذين كانوا يحصلون على علامات إضافية، كان الفشل والتقهقر في الجامعة يترصدهم ، فيعودون إلى ذويهم يجرون أذيال الخيبة ، والخذلان .
إضافة إلى هذا الأمر وذاك يعاني التعليم في سورية من ترهل وتضعضع . للحق وزير التربية السابق والحالي حاول أن يفعل شيئاً ، لكن هذه الجهود لم يأت أكلها بعد
ولايبدو في الأفق القريب انفراج على مستوى تحسين التعليم ، فالوزارة وفي مطلع كل سنة تتحف المشتغلين في الحقل التربوي بالطلب المحفوف بالرجاء بأن يوافي " فرسان الميدان" وزارتهم بملاحظاتهم حول المناهج والعثرات والأخطاء "الكثيرة " لتتدارك الوزارة ، وتتلافى هذه الأخطاء لكن لا جدوى ، وإلا ماذا نفهم من العبارة التالية: طبع أول مرة عام 1979 وعدل تعديلاً جذرياًعام 1985 أي لم يفكر المعنيون بتغيير المناهج رغم مضي أكثر من عقدين من السنوات على آخر تعديل . ودائماً تصدم قرارات الوزارة بالحيط _ كما تقول العامة _ فعلى سبيل التمثيل تقرر بداية هذه السنة أن يصبح النظام الامتحاني للشهادتين على دورتين بدلا ً من الدورة الواحدة المجحفة ، والآن لايشعر في الشارع السوري بهذا الأمر .
الطالب السوري المسكين تقتل في داخله روح المثابرة والإبداع ، فكل المطلوب منه أن يحفظ كالببغاء المعلومات التي تلقاها من أساتذته الغلابة ويصبها صباً على الورقة الامتحانية. فإما النجاح وإما الفشل .وكأن ثمة من يريد لذلك المسكين أن يعلك المعلومات ذاتها إلى ما شاء الله ، فيقصى عن الواقع وما يدور حوله من تطور هائل وثورات تكنولوجية لاترحم الكسالى "والنائمين في أذن الحوت " كما يقول الكرد .ومن خلال متابعتي للشأن التعليمي باعتباري بطريقة ما قريبا من هذا الوضع أدعي أن العديد من البحوث لا تتواءم مع عصرنا، بل ثمة لامبالاة في وضع بعض البحوث التي تحتمل على أخطاء علمية. والمقام هنا لا يتسع لعرضها ، وكل المناهج منذ الصف الأول وتتجه إلى أد لجة التعليم ، وربط الطالب حتى لو كان من إخواننا في منغوليا أومن سومطرة بخط واحد ومحدد سلفاً والخط الواحد يحتمل الإضافة والحذف طالما أنه ليس من "محكم الذكر" .
ومما يدعو إلى الاندهاش والاستغراب أن الامتحانات العامة لا تخلو من الأخطاء العلمية الفاحشة رغم إشراف الوزارة بكل طاقمها على سير هذه الامتحانات ، كما حدث هذه السنة في امتحان مادة الرياضيات للبكالوريا العلمي . فقد اتضح، ولكن بعد ساعة أن هناك خطأ علمياً في إحدى المسائل مما أثر على نفسية الطلاب ،والعديد منهم انسحب، وانهار من هول الخطأ الذي تتحمله وزارة التربية بالدرجة الأولى ، والتبريرات التي ساقها بعض الزملاء في الصحافة الرسمية لم تقنع ذي بصيرة ، ويجب أن يحاسب من كان سبباً في تدمير مستقبل الكثير من الطلاب كائناً من كان .
نقطة أخيرة أريد إثارتها وهي أنه حري بوزارة التربية أن تحفظ كرامة المعلم بزيادة راتبه حتى لا يضطر إلى امتهان أعمال بعيدة كلياً عن عمله الأصلي ، ويتفرغ لمهنته ، ويعطيها حقها أكثر . ويجدر بالوزارة ألا تسهل الأمور لبعضهم فيستغلون القرار الذي يمنع الضرب في المدارس بشرشحة الزملاء وتقديمهم إلى المحاكم بحق وغير حق ، هذا القرار قد أدخل الرعب في نفوس بعض الزملاء إلى حد أن الكثير منهم يتناسى ويتجاهل صفعات ولكمات بعض الطلاب خوفاً من العقاب الذي يترصدهم ..وكم سيكون رائعاً لو تجاهلت الوزارة تواصي جهات أخرى فتعيد بعض زملائنا المدرسين في الحسكة ، الذين نفيوا إلى وزارات ومديريات علاقتها بالتعليم كعلاقة جدي بالأنترنت إلى حقل التعليم ، وتعوضهم مادياً ومعنوياً جراء ما لحق بهم من غبن وظلم.
ولايغب عن بالنا أن هؤلاء الأحبة مبدعون إن على الصعيد المهني أو الإبداعي .

Emerkocer@hotmail.com

emerkoceri@yahoo.com






 

 


المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
 

 


HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE