|
ُتلفزيون
كردي محلي
يجمع أهل الجزيرة
عمر كوجري
emerkoceri@yahoo.com
قبل أيام عادت بي الذاكرة إلى
أيام خلت ،حيث لم تكن الرأس قد
اشتعلت بالشيب بعد ،وكانت هموم
الحياة تتداعى أمام همة الشباب
وطلاوتها ،وطيشها الحلو .
فما يقارب العقد من جيد الزمن
الذي يتزحلق من بين أصابعنا كل
صباح من صباحات الباري تعالى ،كان
التلفازفي أريافنا المنسية حتى
بين خطوط الخرائط كان سيد ليالي
السمر والسهر. فقد حفظ آباؤنا
الأميون في مطلق العبارة أسماء
الممثلين، والممثلات بشكل أوضح،
وكذلك أسماء المذيعين أصحاب
المحاجر الغائرة والقاسية
،والحواجب العاقدة،وكان من بينهم
من لم يغرهم بريق الصورة
التلفزيونية فظل وفياً لجهاز
الراديو "الترانزيستور" الضخم وذي
الوزن الثقيل ،ويحتضنه وهو يسير
في أزقات قرانا الموحلة صيفاً
وشتاءً ويتباهى أمام الأقران
بثقافته الموسوعية مستمعاً إلى
إذاعة لندن وإذاعة مونتي
كارلو،ويعطينا الأخبار بشكل محرف
لعدم إتقانه اللغة العربية
،والعديد يتجاوز إذاعة بغداد
بدعوى أنها تعبر عن الكرد
المتعاملين مع النظام العراقي
هؤلاء الذين نعتهم قائد الأمة
الكردية الخالد البارزاني مصطفى ب
"الجاش".
إضافة إلى هؤلاء كان البعض ممن هم
أكبر منا أو آبائنا يحفظ عن ظهر
قلب أسماء المذيعات والمطربات
،ومنهم من كان يحتفظ بصورة
لمطربته المفضلة ذات الصدر الناهد
والعيون الوسيعة والتي كانت تغمز
لكل للحاضرين دون فرق بين فلان
وعلتان ،كانت هذه الغمزات تشعل
نيران الاشتهاء في رماد أيامهم
الكالحة ،ومن الطبيعي أن هذا
السلوك الطائش من قبل آبائنا
الأفاضل كان يوقظ بركان الغيرة في
نفوس أمهاتنا المغلوبات على أمرهن
والطيبات والمسكينات ،وعلى وجه
التخصيص حينما كن يقبضن على
أزواجهن ـ آبائنا ـ بالجرم
المتلبس وهو احتفاظهم بصور
جميلاتهم في محافظهم المؤلفة من
كيس مصنوع من النايلون الشفاف .
ولكن آباءنا المشاغبين سرعان ما
تخلوا عن اهتماماتهم "البريئة "
لصالح تلفاز ينطق بالكردية
ففي ذلك الزمان حيث كنا في
الأرياف القريبة من الحدود بين
سورية والمنطقة الكردية نتلهف
ونتلوى إلى أن تحين الساعة
السادسة مساء وهو موعد بث تلفزيون
محلي اسمه "خبات "أي النضال
بالكردية ،وكان يبث من مدينة
"دهوك " في كردستان العراق
.بطبيعة الحال كانت برامج القناة
ضعيفة ،وتدار بأيد فنية غير
متمرسة ،من جهتنا نحن الكرد كنا
نعبر عن تعاطفنا الكبير مع الوليد
الجديد باهتمام ملحوظ وتقدير عال
،فقد ألقى الكثير من الأسر
الآنتيلات القديمة في سلة
المهملات لصالح الآنتيلات التركية
،وبعض باعة الأدوات الكهربائية
كانوا يحتالون على العالم
،ويستغلون حاجة الناس فيبيعون
بسعر أعلى بداعي أن هذه الأجهزة
اللاقطة من مصادر أجنبية وكان
بعضها محلي ستوك "شغل أبوس روحك
ياخاي "
وكنا نزيد من طول القاعدة
الحديدية للحصول على التقاط أفضل
للبث لكن دون ذي فائدة رغم
كل محاولاتنا الحثيثة واليائسة في
النهاية .
كان البث يأتينا متقطعاً..مشوشاً
فما إن نسمع الصوت حتى تهرب
الصورة من أمام عيوننا
وما زلت أتذكر بانبهار كيف كان
المتفرجون مرتاحين من قناة "خبات"
، فإن رغبت بالاستمتاع بصوت
الإبرة كان يعني ذلك أن المذيع
يقرأ لنا الأخبار. وفي صباح اليوم
التالي وعندما نيمّم شطر ما يمكن
تسميتها قرى كبيرة "ديرك ..قامشلو
..تربه سبي ...كركي لكة " كنا نقص
على زملائنا أبناء المدن
،وأصدقائنا من الكتاب الأخبار
الطازجة عن انتصارات البيشمركه
وعندما اندلعت حرب انتحار الأخوة
بين طرفين كرديين كنت أتحاشى سماع
الأخبار وأفتعل أي قصة لأهرب من
المنزل،وأهرب من زعيق المذيعين
الذين وعبر زعيق أصواتهم كانوا
يحرضون الأخوة الذين فطموا من ذات
الثدي أن يشهروا في وجوه بعضهم
سلاح القتل والحقد .
وبعد :
لقد سقت هذه المقدمة عن سبق القصد
لأمنح الذاكرة بعض الحق لئلا تفكر
بمنح زر النسيان حرية الحركة
فيمحي ما يجب أن يكتب،ويدون على
ثلج الورق،والغاية الثانية هي أن
"خه بات" قد عادت إلى صدارة
الاهتمام ونحن في استحقاق الموسم
الكروي العالمي .
وعاد إليها ألقها وجمهورها الذي
هجرها كون بثها لا يغطي إلى الآن
غير مساحاتٍ صغيرة من الجزيرة ،
وبسبب انتشار فضائياتنا الكردية ،
وغزو الصحون اللاقطة على أسطح
وأمام منازل معظم الناس .
نعم : لقد تناهى إلى مسمعي أن
أبناء الجزيرة يتدافشون ،
ويتقاتلون لشراء أجهزة الهوائيات
القديمة ، ومنحت الريموت
والريسيفر إجازة مدتها شهرٌ كاملٌ
.
فقد وعدت خبات جمهورها أنها ستبث
مباريات كأس العالم كافةً ، وعلى
الهواء مباشرةً
وها هي تفي بوعدها . بذلك تكسر
احتكار مؤسسة آرتي الإعلامية
والتي اشترت حقوق
بث مباريات كأس العالم ، وتحتكم
بالغلابة من أمثالنا الذين يعجزون
عن شراء الفيزا
الخاصة بهذه المناسبة وهي غالية
الثمن .
فهنا في دمشق مثلاً تكاثرت
المقاهي بشكلٍ عجيب حتى بعض الدور
السكنية تحولت إلى
مقاهٍ توزع الشاي والقهوة
والأركيلة و.... على جمهور
المباريات ، وبطاقة حضور
المباريات
مئة ليرة لكل مباراة .من جهتي لن
أدفع قرشاً واحداً مقابل الفرجة .
فحسناً فعلت قناة " خه بات"
المحلية الكردية عندما أهدت
جمهورها فرصة مشاهدة مباريات كأس
العالم ، فقد استطاعت أن تجمع
أبناء الجزيرة ، وتوحدهم أمام
شاشتها من كردٍ وعرب
وأرمن وآشوريين وجاجان وغيرهم من
الطيف الفسيفسائي الجميل الذي
تتكون منه محافظة الجزيرة . يذكر
أن جفوة واضحة حاول البعض توسيعها
قد حدثت بعيد أحداث قامشلو في
ربيع 2004 هذا الربيع لم يزهر غير
الأزاهير الكردية التي تساقطت في
بكر أوانها ،هذا الربيع لم يكن
طلقاً، ولم يضحك في وجه الكرد
،ولم يكن ـ على غير عادته ـ حتى
ينطق بآيات الروعة ،والجمال .
بكل أسف حاولت أوساط معينة معروفة
بمواقفها الرافضة لكل وضع سليم في
الجزيرة أن تؤجج نار الاقتتال
الطائفي والاثني بين أبناء البلد
الواحد لغايات في نفوسها ،ولكن
تلك المؤامرة الدنيئة تلاشت
وتهاوت أمام تيقظ ووعي أبناء
الجزيرة الغيارى على بلدهم .
نعم : لقد حاول البعض من ضعاف
النفوس وصيادي السمك النافق من
مستنقع نفوسهم من إخوتنا من
الطوائف الأخرى أن تلعب دوراً
سلبياً ، وتقلب رأس المعادلة على
عقبها حين
ألبسوا الضحية ثوب الجلا د،ووضعوا
بيد الأخير وردة بيضاء ووداعة غير
لائقة لمن أراد أن تزلزل هذه
الأرض على رؤوس أبنائها ـ على حد
تعبير صديقنا وأستاذنا الشاعر
والصحافي " إبراهيم اليوسف" وهذا
ما ترك في قلوب الكرد جرحاً
غائراً ،لقد انتظر الكرد من هؤلاء
الأخوة أن يقفوا إلى جانبهم في
محنتهم الكبرى ويعزُوهم بضحاياهم
البريئة ،لا أن يفسفسوا على
إخوتهم عند الذين أدخلوا الرعب في
نفوس الصغار والنساء والشيوخ
وأغاروا على بيوت الكرد مدججين
بالسلاح والعتاد الحربي كأنهم في
مواجهة مع الأعداء لاأبناء الوطن
الواحد .
صفوة القول : أرجو من الأخوة غير
الكرد أن يتواصلوا مع إخوتهم
الكرد على مختلف الصعد ،وأرجو أن
يحتفظوا بتلك الأجهزة التي منحتهم
نعمة التفرج على مباريات كأس
العالم
على سبيل الذكرى ، وعندما يعودون
إلى أجهزة الكونترول أن يولفوا
القنوات الفضائية الكردية وهي تبث
العديد من برامجها باللغة العربية
،وماذا سيضيرهم لو دربوا شبكة
الاستقبال في مدارك الدماغ لتتلقى
أصداء لغة شرقية قديمة قدم
التاريخ البشري هي اللغة الكردية
الرائعة ؟!! نعم ،من واجبهم
الأخوي والإنساني تجاه الكرد أن
يكونوا قريبين من الثقافة،
والأدب، والتراث والفلكلور الكردي
،وأن يبادلوا محبة الكرد لهم
عرباً... وأرمن وكلدو آشوريين
بمحبة صافية . وهذا الأمر يتوقف
على الفعاليات الثقافية والسياسية
لإذابة جبل الجديد الذي يطوق
خاصرة هذه العلاقة التاريخية
الطويلة.
دمشق : 11-6-2006
|