|
لقد حفلت تجربة الشاعر طه خليل
بمحطات شعرية عديدة، تناوبه فيها القلق والتوتر،الإنقباض والإنبساط،
عبر فضاءات تفصح عما يتميز به الشاعر، من قدرة على التعبيرعن أناه
المتفردة، وروحه الوثابة والمتدفقةً، وقامته الشعرية المبدعة. ففي
قصائده ساحات ذكريات، وأنين خافت، وألم ممض، وأرواح متوهجة، وأفئدة
متأوهة، وصور وعواطف، وجمال في العبارة الأنيقة العذبة، والعفوية
الدافقة، وينابيع ثرة من الفطرية والأصالة.
ففي قصيدته (أنين الأسماء) يقول طه
خليل:
كلما وسعت
الدنيا علي.....ضاقت!
ووميض السهول من
ياسه...يخضر على الشرفات..
نكثت بعهودها
زنبقة المكان..
................................
هكذا بدأت مطارق
السنين، على غفلة..
ضاقت أعوامي في
المديح الطويل..
مديحي كان
ناقصاً، وبطيئاً، فلم أصل لهتاف، ولا
النادبات ذكرنني
في غلواء أرواحهن..
في هذه القصيدة يشكو الشاعرمن
محبوبته الصد والهجران، وهي تعرض عن الوصل، ولذا فقد سعى الشاعر لوصف
لوعة النفس وآمالها، والنكث ومرارته، باثاً - من خلالها- همومه
وأحزانه، وليبوح بعواطفه وترجمان أحاسيسه بشفافية عاشق، وصاحب قلب
دوماً للحب خافق.
وعنوان القصيدة الموسومة – كما
رأينا- بـ(أنين الأسماء) جاء بكثير من التناسب والإنسجام، مع الموضوع،
الذي يحفل بمسحة من الحزن الدفين، مع عبارات تدل على لهيب في الكبد
تضطرم، وجمرات في القلب تتقد، وقد ارتسم ذلك كله، في كلمات يغلب عليها
طابع من الحزن والألم مثل:
ضاقت – يأسه- تهاويت- نكثت- مطارق-
ناقصاً- بطيئاً- لم أصل...الخ.
فموضوع القصيدة إذاً، هو عالم من
الحزن الشفيف، ونوبات ألم ويأس، تنتاب الذات الشاعرة، في محراب حب
تنكرت له فيه الزنابق والنادبات معاً، فعبر عن ذلك بهذه القصيدة الشجية
التي جاءت ممسوسة بوهج احتراق الروح، ومعاناة قلب انهمرت دماؤه سفاحا
على مذبح عهود نكثت... ونكول فيه القلوب قست!. فكل ما حول الشاعر هنا
يئن بخفوت، وينضح ألماً ومرارة، في روضة عمر بدأ يتسرب إليها المحل
والذبول، بعدما انحبس عنها القطر والغيث، وليس هذا - وحسب- بل هاهي
مطارق السنين القاحلة تهوي على رأس الشاعر مؤلمة موجعة، وهو غافل له
الله وحده. ويمكننا القول هنا، أن الشاعر – في نظرته إلى المرأة- يشبه
امريء القيس، وطرفة بن العبد، أو نزار قباني، وصلاح عبد الصبور نوعاً
ما، وهذا الأخير يرى في الحب جنة يعيش فيها الإنسان قبل أن يودي به
الموت ويغيبه الردى، فطه خليل يشبه هؤلاء في تعامله مع الأنثى التي
لاتربطه بها سوى نزوة عابرة، وجمال آسر، وسحر أخاذ، تلك المرأة الفاتنة
التي لايني الشاعر يمتح من نبعها الصافي، وإلى محرابها المقدس يعود
دوماً. وفي - كل الحالات- فهو يختار مفرداته الشعرية من قواميس العشق،
ومن جمال الطبيعة، واخضرارالبراعم وألوان الزهور، فالمرأة تحدد كيانه
وتملي عليه حياته وأوقاته السعيدة معاً، فهو دائب السعي وراءها،
لايرتوي من حبها ووصالها أبداً،
كلما تعرفت على
امرأة..
تمنيت غيرها!
ليمارس عليها فحولته وعنفوان
ذكوريته، المعبرة عن تفرده وخصوصيته التي تجسدت من خلال الضمائر
المتصلة مثل:
علي- تهاويت- أعوامي- ذكرنني- سأقف-
عمري - ترمقني- نثرت- كتبت...
ولكن نظرته إلى الحب ليست ضيقة إلى
هذا الحد، فهو يرى من خلال المرأة ثراء الحياة وجمالها، وإثبات منه
للذات أمام الآخرالمحب. وقد حاول الشاعرفي قصيدته هذه، تجسيد وأنسنة
الصفات الخارجية اللغوية للأسماء، مع أن أسماؤه - في واقع الحال- هي
رموزإنسانية لأناس يمشون على الأرض هوناً، إلا أنه يضفي عليها نوعاً من
الشعرية والغموض المستحب كما هو الشأن في مجمل فضاءات الشعرالحديث. فطه
خليل نراه هنا يركض وراء محبوبته العابثة اللاهية، التي حولت حياته إلى
ما يشبه الأجواء الشباطية المتقلبة، فتتسع له الدنيا تارة وتضيق عليه
أخرى، تغيم ثم صحو، قلق وتوتر، معبراً عن ذلك بالأداة (كلما)، التي
تفيد الأستمرارية والتناوب، ولكن تناوب ينتهي بالشاعر غالباً إلى
العسرة والضيق، وتتلبسه حالة من من الأسى والذهول، فتثقله – عندها-
المعاناة ومتاعب الحياة وأرزائها! وهو الحائر الذي لم يدرك لحالته مع
الأنثى جوابا، دالاً على ذلك بإشارة التعجب في آخر كلمة/ ضاقت/ حيث لم
يظفر الشاعربمراده من حبيبته، فمديحه كان ناقصاً وإطراءه لم يقنع
محبوبته.
ومما يثير الإنتباه هنا هو،
الكلمات الغرائبية التي تحفل بها القصيدة، لكي يلفت بها الشاعر نظر
القاريء إلى موضوعه ويشده اليه شداً!
وميض السهول –
من يأسه- يخضر على الشرفات
تهاويت من ذهب-
السماء الوطيئة- الباب الذي يخضر في المساء...
فالإخضرار هو دوماً رمز الحياة
والتفاؤل والامل، يزهو في جو حياتي بهيج، ولكن ما نراه هنا هو أن
الإخضرار كنتيجة شدة ويأس وألم، وإلا لما اخضر، فالشاعر الواله يلفه
الضجر ويستبد به القلق والتأثر، لأن محبوبته الأثيرة - زنبقة المكان-
قد نكثت بعهودها له، فصدته وهجرته، فهوت - من جرائه- مطارق السنين
الثقيلة، على رأس شاعر مرهف الحساسية وقد التاع قلبه وزاده الحب يأساً،
فضاقت عليه الدنيا بما رحبت، رغم شدة تزلفه لمحبوبته وتقربه منها
ومديحه لها، بشتى الطرق والسبل. ولكن لم يلتفت احد إلى مديحه، الذي ذهب
أدراج الرياح.
وضاقت أعوامي في
المديح الطويل..
هذا الشطر المنغم بنعومة حرف
/الحاء/ ذات النبرة الحزينة، والتمطيط الذي يمثله الردف بحرف /الياء/
اللينة، كل ذلك أضفى على البيت إيقاعاً محبباً، ترتاح له النفس وتطمئن
إليه القلوب.
إلا إني أعتقد، أن كلمة /ضاقت/ جاءت
هنا في غير توافق مع حرف الجر / في/ فهي لم تأت – ربما- في محلها
الصحيح، والأكثر قبولاً وتنغيمية وانسجاماً، أن يقال /ضاعت/ بدلا من /
ضاقت/ أو أن يقال ضاقت ولكن مع حرف الجر/ ب/ أي تصبح العبارة /
بالمديح/ عندها سيكون سياق البيت أجمل وأكثر انسجاماً مع رنين موسيقاه،
وفي توافق تام مع معناه.
ورغم الهجران والمعاناة التي
يكابدها الشاعر، فهو لم ييأس من الوصال، بل يبدو وهو أكثر تصميماً على
نيل رضى حبيبته ووصالها، منتظرا الفرج القريب لعل وعسى، فقال:
ساقف على مرمري
هذا، واستطلع شؤون الطير اللجوج
وكلمة اللجوج نفسها تدل على ما يحز
في نفسه من خيبة ويأس، إلا أن الشاعر تمكن من اضفاء نوع من الايقاع
المحبب إلى النفس في بعض أشطر القصيدة، عن طريق التقديم والتاخير او
بعبارة اوضح تقديم المفعول به على الفاعل في كلمات مثل
كلما وسعت الدنيا /علي.. ضاقت/-
نكثت / بعهودها زنبقة/ المكان/ ولكن الشاعر أفرط في في حالات أخرى في
موسيقاه الشعرية، مجافياً القافية فجافته موسيقاها، فلم يلزم الشاعر
نفسه بقافية معينة، ليضفي على شعره ذلك الرنين الموسيقي العذب، رغم أن
هذا لايعيب قصيدة التفعيلة أو النثرية الحديثة لدى معظم الشعراء
والنقاد، سوى سلخها إيقاعها ورنين موسيقاها، ولكن هذا هو الشعر الحر
وهذه هي - على الأغلب - قوانينه الدارجة بين الشعراء الكبار منهم
والصغار، رغم أن الشاعرة نازك الملائكة ترفض شعراً بدون تفعيلة وقافية،
وتعتبرهما أوتار القصيدة ولحنها الراقص، وإيقاعها العذب، وأؤيد هنا ما
ذهبت إليه الشاعرة، بل أشدد – على الأقل- على القافية في قصيدة النثر
وشعر التفعيلة معا، وقد يخطيء من يظن خلاف ذلك من الشعراء المحدثين
منهم خاصة.
كما أجاد الشاعر طه خليل هنا أيما
إجادة، وذلك في اختياره لعناوين تتناسب مقطوعاته الغزلية، وبما يخص
الحب والنساء خاصة مثل:
العقيق- الخلخال- المرجان- الخرز-
خواتم... وهو ما ادى الى خلق الكثير من التناسب والإنسجام في السياق
وبين الألفاظ والمادة والموضوع.
وفي قصيدته
العقيق
الأولى، حيث
تفتحت براعمي كزهر على حواشي
ثوبها..
...........................................
كانت بأشيائها
الطويلة(الأصابع،الشعر،الفساتين،القامة،الرقبة...إلى آخرها)
تملىء دلوها من
بئر
عمري، وترافقها
في المشية السنونو، وحبارى السهول!
كانت ترمقني
بيأس خفي، وترتب لعيني حقولاً..
كلما اقترب من
ينابيعها تقول: ما حان يومنا!
.................................
كم نثرت على
الطريق خواتم، حبات مرجان وأمسيات!
.........................................
ثم.....غادرت
المكان بالبهاء الذي جئت به
وأكثر قليلاً
وللبراعم هنا معنى خاص لدى الشاعر،
فهو يرسخ هنا جذوره في حب جمال المرأة، في علاقة جدلية وتضايف بين
الشاعروالمرأة وجمالها، فقد عشق المرأة وامتص رحيق عصارتها العذب، وهو
الذي وشى ثيابها ببراعمه وألوان زهوره، فأعطاها – بدوره- مسحة من الحسن
والجمال، وهو تمثيل كنائي
Allegory))،
مما خلق حالة من التماهي بين الطبيعة الزاهية والمراة الفاتنة، في لوحة
خلبت لبه وأسكرت روحه العاشقة. فطه خليل هو مهندس حدائق العشق بامتياز،
يخلق حديقته في الخريف كما في الشتاء وفي الربيع، كما في الصيف، مفسحاً
لمحبوبته موضعاً في حديقته الغناء، والتي تصدح فيها البلابل والأطيار،
مزيناً ملامحها الحالمة بالبراعم والإخضرار، ومطرزاً ثوبها الشفيف
بزهور الخميلة الباسمة، راسماً عليه صور من خياله البديع، وأوراد
جنينتة اليانعة، كما في قوله:
حيث تفتحت
براعمي- كزهر على حوشي ثيابها- ترافقها في المشية السنونو وحبارى
السهول
وكانت محبوبة الشاعرحسناء فاتنة
الجمال، متدللة لعوب، يستهويه كل شيء فيها، وهو مغرم بكل ما هو طويل من
أعضاء جسمها الأثير - الأصابع- الشعر- الفساتين- القامة- الرقبة
ولهذا منح حبيبته حبه وعصارة حياته،
راسماً في ذلك صوراً شعرية مبدعة، في الوقت الذي يوفر لها دوماً متعة
اللقاء به، ولكن المحبوبة لاتسير معه حتى نهاية الشوط، فتماطله كلما
اقترب من وصالها، وهو المنجذب بمفاتنها وجمالها الآسرين، يحلم بلذة
الإغتراف الصوفي، من ينابيعها الثرة، دون أن يخفي - في الوقت نفسه - عن
الشكوى من الهجر والوصال، وبرهقه الحنين والاشتياق، وهكذا نجد أنفسنا
أمام هذا الحضور الكرنفالي للمراة في شعرطه خليل، مع إشراقة العبارة،
ولوعة الواله المشتاق.
وفي قصيدة
الخلخال يقول:
قالت لي: هبني
يديك، أدلك على ما تجنيه من
الظلام هذا..
................................
أخذت مني
الأطراف، وتركتني في حنين ناقص..
كانت شفيفة،
أغلقت الفضاء بحديد.. وراحت!
وبقيت من -
الحنين- غيمة أحاور حقول الهندباء
تلك مشاهد وصور متتابعة في لوحة
عشقية في غاية الروعة الجمال، ففيها الصد بعد الوصال، والمس واللمس، ثم
الخيبة والهجر والحنين، فخرجت حسناءه توارب خلفها مسارح الذكريات،
وفسحات اللقاء بأبواب من حديد، ولم يبق له سوى الحنين وذكرى الأحباء،
وفضاءات تاهت غيمة فيه، وفيه عزاللقاء!.
فالشاعر هنا ينحت صوره الفنية من
البيئة الكردية بكل فطريتها وعفويتها، فأصبحت جميعها، صوراً رامزة
التحمت مع المفاصل الفكرية والفنية للنص، الذي أخفى فيه كشاعر جهده
ومعاناته، وهذه صفات شاعر قادر على تحقيق عمق شعري، يتحكم بناصية الشعر
بألفاظه الرشيقة وعباراته الإنسيابية ، وقد تتكررلدى الشاعر مشاهد
الصور الثنائية التلاحمية مرات عديدة، وبشكل استغل فيه الشاعر كل
العناصر الديكورية لخلفية مشاهده الفنية، لتنشيط فعالية النص الشعري،
مما يدل على غنى قاموسه الرمزي، وخياله المحلق في الفضاءات الشعرية
المرهفة والمعبرة في آن، بحيث يجعل الصور الفنية تلتصق بوجدان المبدع
وبيئته معاً، مما أدى إلى خلق فضاءات شعرية طافحة بالخيال، ولذة في
المتابعة والتأمل. وصوره الفنية تولد دوماً في لحظة من الإشراق، أحاسيس
ومشاعر هي أقرب إلى الصعقة الرعدية، مفجراً اللحظة، في إحياء لوحة
ابداعية، يضفي عليها الشاعر كل مشاعره وتجاربه الحياتية وموهبته
الفنية، وكل ما في مخيلته الإبداعية من موهبة وتجربة شعرية، قد تتضافر
كلها في تشكيل أدواته التعبيرية، ورؤى وعناصر وآراء متميزة، في قراءة
الذات والآخر المختلف.
وفي قصيدة
(المرجان) يقول الشاعر:
رميت – بعد عام-
وقوعي المرصعة بالتمائم وأزرق
الخرز..
كسرت أفقي
وصليله..
رميت ما علق في
أساورها... والأغاني التي مالت
عليها..
حين هجلت بعينها
للحقول... وتيبست!
نرى الشاعريعجز هنا النيل من
محبوبته الأثيرة وطراَ، فلم يكن له منها سوى المس واللمس من الخارج،
فيما عجز عن إطفاء ظمأ الروح وإشباع دواخله والنهل من رحيق ثغرها
العذب، فلم يمكنه الهجر من الإفراج عن همه الداخلي وتنفيس كرب عشقه
ومعاناته، وهكذا يغادر الشاعر ساحة حبه وحقول حبيبته بالدموع والآهات،
ولكن ورغم أن الشاعر لم يفقد كل تفاؤله وأمله في اللقاء، معبرا عن ذلك
باللون الازرق، الذي هو رمز الأمل والتفاؤل اللاحب، ولكنه على ما يبدو
أنه فقد كل شيء، وتيبست في حقول مرابعه زهور العشق والغرام، وأصاب
الوهن والخفوت وميض غمزات عيون حبيبته الجميلة، فدار الدهر عليه دورته،
وأظهر عليه الزمن سطوته!.
أما في قصيدة
(الياقوت)
Bênamîso
كانت
تقولها لي، وتكتبها بلسانها..
كتبت عن السطوة
فيها، أجلستها في حضني
شاهنشاه..
كانت أسمؤها
كثيرة، لكل مذاق طعنته، وعريه...!
كانت تقول: دعك
من ليلى ربيبة الآشوريين.. والكروم
أقبل على بساتين
عمري..
قد أينعت لك
السفرجل..
وهنا نرى الشاعر – بخلاف ما سبق-
يفلح في تصيد حبيبته فينال منها وطراً ويجلسها في حضنه، مقبلاً على
بساتين عمرها وقد أينعت فيها الفواكه والسفرجل، فأقبل يعب من عصارتها
ويرتشف من رحيقها المسكر، فتخيل نفسه ملكاً واعترته شهوة العرش، تختال
من حوله الطواويس. مظهراً براعة في الإيحاء واستخدام الإستعارة،
والإنزياح الذي أدخله في توظيف حركة اللسان كأداة للكتابة، بالإضافة
إلى وظيفته الأصلية القول والحركة، ليؤكد على صدقية القول وحميميته.
وفي لقطة فولكلورية مثيرة، إستخدم الشاعر كلمة (بيناموسو) الكردية، وهو
تضمين قد يأتي حسناً أو قبيحاً ، فالقبيح منه كثيرا ما يشوه جسد
القصيدة، ودون ان يؤدي إلى وظيفة معرفية او جمالية، ويعتبره البعض من
النقاد امرا غريبا في جسم القصيدة، وتتمثل الغرابة فيه بالأبعاد
الزمانية والمكانية الموظفة هنا، أي ببعدي الصوت والصورة، وهنا جاء
التضمين حسناً، فرغم أن العبارة في سياقاتها العادية - وعلى الدوام حسب
البيئة الكردي- هي سب وشتيمة، ألا أني أرى هنا العكس وأقول أن الشاعر
استخدم الكلمة بذكاء كبير، وبطريقة إيحائية في غاية التعبير والجمال،
حيث أن مثل هذا التضمين يصبح – لمن يفهم السيكولوجية الكردية – مصدراً
للتحبب بين العشاق وفي قواميسهم الخاصة، ولهذا – يمكنني القول- بأن
الكلمة أعطت هنا بعدا من الوجد الصوفي المحبب، وشعوراً بالنشوة ولذة
التلقي، وعمق الإحساس العاطفي لدى الشاعرالواله، ونجد أمثال هذا
التضمين في قصائد شعراء فطاحل، ومنهم الشاعرة فدوى طوقان، التي تقول في
إحدى قصائدها:
في ليلة غدر
ظلماء..
Open
the door
افتخ آن هاديليت..
افتخ باب..
ويبدو أن مؤشرات بوصلة الشاعر طه
خليل تتذبذب بلا قرار، على خارطة هضاب جسد حبيبته الانثوي الغض،
وهوالنسر الذي ترك فريسته لنسور آخرين، بعدما عب نظرات عينيه الشامختين
من رحيقها العذب وجمالها الساحر، تطوف به سفينة العشق الصوفي، وهي تمخر
في عباب بحرحب متلاطم الأمواج.
وهنا يكون الشاعر قد عبر بذكاء عن
تجربة روحية ذوقية، في التعامل مع الأنثى، غائصا في بحر خصوصيتها،
يتقاذفه العشق، واللذة، والمعاناة معا، كاشفاً عن جمالية التلقى،
وحرارة وهج الروح عند اللقاء بحبيبة قدمت له نفسها على بساط الحب،
فاسكرته رائحة مفاتنها وتضاريس جسدها! وهنا نجد تناغما جماليا وانسجاما
مدهشا بين الطبيعة والمرأة في شعر طه خليل،
فطه خليل يشبه هنا (روسو) معلم
الرومانسية بولعه بالأخضر، وهوأول من أدخل الأخضر إلى الأدب الفرنسي،
وذلك لولعه بالطبيعة والأرض، وكذلك نرى طه خليل، مغرماً مثل (روسو) بحب
الطبيعة والطير والشجر، وما يبعث فيه هذا الحب من خيالات ورؤى، يجعله
يسبغ على محبوبته أوصافها تلك، بشكل موح ومعبر.
هل حطت نسور
بعدي على تلك القمم؟
هل تدلت اشجار
عمرك، وتساقطت ثمارها؟
وعلى كل فالشاعر سيعاود محبوبته،
وسيطرق بابها بالجبال الراسيات، والمساء هو اخضرار حديقة العشاق، ولكن
عدم وجوده فيها يكون يباسا. وفي الحقيقة فنحن نرى أنفسنا أمام انعطافة
جديدة، في تجربة الشاعر طه خليل، تلك التجربة التي تتمثل في الإستغراق
بالغموض، والتصوير، والخيال الفني الحامح، المحلق في فضاءات حب المراة
وجمالها الأخاذ، وحيث تمتعنا طبيعة الإنفعال والرومانسية، التي تتسم في
معظم قصائده ومقطوعاته باللهفة والرغبة، وبالشوق والحنين، وبالتواصل
واللقاء، وحينما يمازج بين البراعم وثوب حبيبته، وبين النبات والحجر،
وبين الحب والوطن، وهو التمازج الذي يمتح من نبع انفعالي واحد هو الحب،
حب المرأة وحب الوطن والطبيعة ورفاق الدرب... وحيث تتحول حقيقة المرأة
في قصيدة ( أنين الأسماء) – بالفعل- إلى صور رومانسية حالمة، يتننشق
عبرها الشاعر نسغ الحياة، وجمال الطبيعة، وعبق ورودها وزهورها الغافية،
و المرأة - بالنسبة للشاعر- هي الهواء الذي يملأ به رئتيه، وبمفاتنها
يمتع عينيه.
وفي مقطوعته الموسومة بالكيمياء
يقول طه خليل:
انا حجر، رماه
عابرون..
في الحديقة
الخلفية للذي كان بيتنا..
حجر وحيد..
موحش..
يتفتت من
العزلة..
ومن اسمه
المهمل!
نلمس هنا – سواء أكان الشاعر يقصد
بمقطوعته، وطنه أوحبه- شكوى طاغية، تشيها مسحة من حزن خفي، بل ألم
ومرارة، وشعور بالخيبة والهجروالنكران، حيث يبدو الشاعرقلقاً يعاني من
عزلة قاتلة مفروضة عليه، وقد أهملته الحياة والعالم في زوايا منسية
مهملة، معبراً بذلك بضمير المتكلم، أملاً في التعاطف معه والإلتفات إلى
محنته في هذه الحياة التي ناءت عليه بكلكلها، وفجعته بثقلها وقساوتها،
وهو كلام ينطبق ذاته وعلى وطنه ومن هم من بني جلدته أيضاُ، كما نلمس
كلمات ليست بالقليلة تعبر هنا – كما في القصائد الأخرى- عن الآهات
والإحساس بالضيق والألم والمعاناة، بطريق التضاد الدلالي بين صفات
كائنين متضادين بين قساوة الحجر/ وهشاشة /النبات/ . ولهذا نرى طه خليل
كثيراً ما يمزج بين الكلاسيكية والرومانسية في قصائده، وقد قال الناقد
محمد مندور: (أن مكسيم غوركي الأديب الروسي الكبير، وكوموجو الصيني
الكبير يؤكدان أن الأديب الكبير لابد أن يجمع بين الرومانتية
والواقعية.) إضاءات في النقد الادبي- عادل الفريجات- ص-181.
كما نشاهد هنا الشاعر وهو يرثي نفسه
في أجمل مقطوعة شعرية، ترافقها موسيقى شجية، تثير كوامن النفس والتأثر
الشديد، معتمداً في ذلك على التنغيمية الحزينة لحرف المد /الواو/ التي
تشبه وقع خطوات قافلة بدت ترحل بإيقاع بطيء، تتوارى جمالها بتثاقل خلف
غسق المغيب، تاركة وراءها ذكريات مثيرة، رحيلاً قد لا يكون لقاء بعده،
تلك صور أبداعية ورومانسية حالمة، لحالة معبرة عن الألم والفراق،
فالشاعر يرى هنا نفسه وبكثير من المرارة، مجرد حجر رمي به الآخرون
بعفوية في حديقة خلفية منسية، ربما كانت قبلاً مهوى أفئدة الشعراء من
أمثاله، ومرتعاً لمغامراته وأحلامه اللذيذة، واليوم بدأ الهجر ينخر في
كيان الشاعر، والذبول يتسرب إلى حدائق عمره، فبدا وقد أهملته الحياة،
طاردة إياه من رياضها وجنائنها، مفصولاً عن آماله وطموحاته الأثيرة،
فهو يعيش الآن عزلة قاتلة.
وفي مقطوعته ( ألم) يقول:
كي تكون حجرا..
يصفر النبات..
تحت ثقلك..!
صورة أخرى تعبر عن القساوة وعمق
المأساة، حينما لايعرف أحدنا إحترام الحياة، ولايأخذ لحياة الآخرين
وزناً ولاقيمة!.
وفي مقطوعة (ماتبقى)
يقول:
جدار وحيد..
متبق هناك..
منذ ثلاثين
سنة..
لاتعرف حجارته
لأية جهة تميل..
فتسقط
وترتاح...!
فالشاعر يبدو هنا وهو يتطرق إلى
موضوعات وأغراض متعددة، يبدو مترقباً ذلك السقوط المدوي لجدار برلين،
بإسلوب إيحائية رامزة لجبروت القمع والديكتاتوريات البغيضة، فبدأ
الجدار يترنح ويتهاوى تحت ضربات الشعوب ومطارق الحرية، ولكن الجدار
ذاته بدا حائراً إلى أي جهة تميل ليسقط فيها، فيريح وترتاح حجارته من
أوزار السنين وعنجهية الزمان والمكان، وهو ما يعبر عن التأكيد على
عاصفة مدوية انهت أوساخ السنين، وأوزار تاريخ أسود مليء بالمآسي
والويلات، بدأ بالتلاشي والأفول، وبوادرعهد سينعم فيه الشعوب بالإزدهار
والحرية، وبالأمن والأمان معاً ؟! فالشاعر يبشر بقدوم يوم مشرق، وعهد
من الحرية أت، وانقضاء عهود العبودية والإذلال والقمع في كل مكان.
وفي قصيدة (ذلك الرجل الحزين) يقول
طه خليل:
إهداء إلى جدي: صوفي برهيم كزالي
وفرسي هرمت!
....................
خنجري خريطتي
وبندقيتي
جناحاي!
تخشاه الطرق حين
يعبر..
يتذكرالجغرافيا
بعدد القتلى..
من عساكر
العثمانيين..
..........................
- أيتها
الغزالة.. خذي حليبك.. فأنت حرة..!
- أيتها القطا..
دعي لي حواف صوتك.. وعليك
بالجنوب!
أيتها النسور
ظلي إلى جانبي.. فقد تعبت!
................!
ثم جاءه عليكي
بطي جرده من سلاحه، مدده على
جنبه الأيمن
وسحب خنجراً، ليذبحه، أمسك هذا بيد
عليكي وقال له:
يابني! هذا عيب
لاتذبح الرجال كما تذبح الخراف،
جز رقبتي من
الخلف!
أجابه عليكي
بطي: معك حق والله! وذبحه كما
يجب أن تذبح
الرجال
كانت النسور
هناك.. |