|
شهدت
الشهور القليلة الماضية
عمليات نوعيّة نفذتها
قوات حماية الشعب( الجناح
العسكري لحزب العمال
الكردستاني) وطالت كلها
اهدافاً عسكرية تابعة
لقوات الجيش التركي. ولعل
أعنف تلك العمليات كانت
الأخيرة، والتي وقعت في
الثالث من الشهر الجاري،
حينما نجح أكثر من 350
مقاتلاً كردياً من تطويق
نقطة" بي زلي" العسكرية
التركية وامطارها
بالأسلحة الرشاشة
والصاروخية لمدة ثمانية
ساعات، مما اسفر عن مقتل
وجرح العشرات من الجنود
الأتراك. هذا الموقع كان
قد تعرض لهجومين سابقين
من قبل مقاتلي الكردستاني
سقط فيهما العشرات من
جنود الجيش التركي...
الحكومة التركية ردّت
على الهجوم النوعي الأخير
بتمديد مذكرة التدخل
الخارجي لعام واحد. بينما
رد الجيش بسبعة غارات
جوية متتالية على مناطق
جبلية في اقليم كردستان
العراق، تقول تركيا بان
قوات حزب العمال
الكردستاني تتحصن فيه.
وفي الحين الذي رفضت
الحكومة إقتراحاً بإقامة
منطقة " عازلة" تفصل
تركيا عن العراق، لمنع
هجمات العمال الكردستاني،
على غرار المنطقة التي
اقامها الجيش الإسرائيلي
في جنوب لبنان لمنع هجمات
" حزب الله"، بدى الجيش
يراهن مرة أخرى على
الهجوم البري ويطالب
الحكومة بإعلان ولايات
منطقة كردستان " مناطق
طوارئ" ومنح المزيد من
الصلاحيات لقوات الشرطة
والإستخبارت هناك.
هذا
وكان الجيش والحكومة
التركيين قد عمدا إلى نفس
هذه اللعبة العام الماضي
حين إقرار مذكرة التدخل
الخارجي وشنا حملة
إعلامية كبيرة لتعبئة
الرأي العام وتثويره ضد
حزب العمال الكردستاني
والأكراد عموماً،
والترويج لعملية "إحتلال
شمال العراق وضرب قواعد
حزب العمال الكردستاني".
وكان ان تم الهجوم التركي
الموعود في الفترة مابين
21/2/2008 ـ 29/2/2008
حيث منيت القوات التركية
المتوغلة في أراضي اقليم
كردستان العراق بخسائر
كبيرة على ايدي المقاتلين
الكرد، مما أجبرها على
التقهقر والإندحار، وهو
ما أثار إندهاش الشارع
التركي الغارق في الحماس
والخدر القومجي الفارغ،
حيث تساءل المواطن التركي
عن أسباب الإنسحاب
المفاجئ للقوات التركية،
وهو الذي كان ينتظر ان
ينتهي زحف هذه القوات في
مدينة كركوك، بحسب حملات
البروباغندا الكبيرة
آنذاك...
الجنرال إلكر باشبوغ
قائد أركان الجيش شن حملة
شعواء ضد بعض وسائل
الإعلام التي إتهمت الجيش
بالتقصير والفشل في
مقاومة قوات حزب العمال
الكردستاني. باشبوغ توعد
المنابر التي إنتقدت
الجيش بإجراءات عقابية
إذما تمادت ب"الترويج
لحزب العمال الكردستاني".
وقائد الجيش التركي كان
يعني، على الأغلب، صحيفة
( طرف) التركية التي نشرت
صوراً لقائد سلاح الجو
وهو يلعب الغولف بينما
يدك حزب العمال
الكردستاني قواعد الجيش
التركي في محافظة هكاري.
والحكومة ردّت بدورها،
مجارية الجيش، فحظرت
ولمدة شهر كامل، صحيفة (
آزاديا ولات) التي تصدر
باللغة الكردية في مدينة
ديار بكر بتهمة الترويج
لحزب العمال الكردستاني
والتأثير في معنويات
الجيش التركي.
حزب
العدالة والتنمية يمضي في
ممارسية سياسته المعروفة
إزاء الكرد في البلاد. هو
الآن يحضر للإنتخابات
البلدية التي من المزمع
أن تجرى في العام المقبل.
يريد الإستحواذ على أصوات
المواطنين الكرد والسيطرة
على بلديتي "ديار بكر"
و"باتمان" بشكل خاص
وإلحاق الهزيمة بحزب
المجتمع الديمقراطي( الذي
يوصف بإنه الجناح السياسي
للعمال الكردستاني). ومن
اجل تحقيق هذا الهدف
يٌسارع العدالة والتنمية
في حملاته عبر تقديم
المساعدات المالية
للمواطنين الكرد على شكل
قروض ميسرة ونشر الجمعيات
النقشبندية وشراء ذمم
الأغوات والملاكين الكبار
ورؤوساء العشائر الكردية،
فضلاَ عن الحملات
الإعلامية التي تروج
ل"الإخوة الإسلامية"
وتربط العمال الكردستاني
ب"الغرب وإسرائيل
والصليبيين والأرمن"
والتي تنفثها مئات الصحف
والقنوات الإعلامية
التركية الموجهة، وبرضى
ومباركة من الجيش نفسه...
هذا
على الجانب الشعبي
الميداني، اما في الجانب
الحقوقي فالدعوة المقامة
بحق حزب المجتمع
الديمقراطي والرامية
لحظره مازالت قائمة، وثمة
إحتمال كبير في أن تقرر
المحكمة الدستورية العليا
حظر الحزب ومنع 200 من
قياداته وبرلمانييه من
مزاولة العمل السياسي.
وهذا لو حصل قبل
الإنتخابات البلدية
القادمة فسوف يزيد من
حظوظ العدالة والتنمية في
الفوز وإستكمال خطته، وهو
الأمر الذي يفسر صمته
وتواطئه على هذه
الإنتكاسة في
"الديمقراطية التركية"،
وهو الذي اقام الدنيا ولم
يقعدها عندما نظرت
المحكمة الدستورية العليا
في القضية المقامة بحقه
والرامية لحظر نشاطه في
البلاد...
الحزب الحاكم يريد ضرب
عصفورين بحجر واحد. يريد
ضرب الجيش بالعمال
الكردستاني والتفرغ
للتمدد في أوساط الشعب
الكردي عبر توزيع الأموال
والمساعدات وإستغلال
الدين الإسلامي، وكذلك
إزالة حزب المجتمع
الديمقراطي من طريقه
وحرمان قادته من مزاولة
العمل السياسي. وهذا لو
تم فإن تركيا ستشهد
تصعيداً دموياً ورداً
قوياً من جانب حزب العمال
الكردستاني على سياسة
الإستحواذ على الكرد وضرب
ممثليهم السياسي. وقد
قلنا سابقاً، ونقول الآن
ايضاً، بان العمال
الكردستاني لن يسمح
للعدالة والتنمية بالتمدد
في كردستان الشمالية و"
تمييع الشخصية الكردية"
مهما حصل...
العمال الكردستاني يتقوّى
ويتمدد بسرعة الآن، وهو
في أوج قوته أكثر من أي
وقت مضى. ومع إستمرار
سياسة الحرب التركية
وإنكار هوية وحقوق الشعب
الكردي، وإنعدام قوى
كردستانية فاعلة تقف
بالضد من هذه السياسة،
لايملك الأكراد، وفي كل
مكان، اي خيار آخر سوى
دعم الكردستاني والإنخراط
في ثورته والنضال ضمن
المئات من مؤسساته
السياسية والإقتصادية
والعسكرية والإعلامية...
الرئيس التركي عبدالله
غول تعهد بمحاربة حزب
العمال الكردستاني حتى
النهاية ومهما كان الثمن.
وهذا الكلام قاله قبل غول
5 من رؤوساء الجمهورية
وكلهم ذهبوا ولم يذهب حزب
العمال الكردستاني. فالحل
العسكري أثبت فشله.
و"الحلول الإقتصادية
والسياسية" في ظل الإصرار
على نكران هوية الكرد في
البلاد وإهمال ممثليهم
المنتخبين، لم تنجح
أيضاَ. لامناص إذن من
الحوار وحل القضية
الكردية في البلاد عبر
مصالحة وطنية شفافة.
فالحل الديمقراطي السلمي
هو الكافي بحل النزاع وهو
الذي سيقوّي تركيا وسيفتح
ابواب الرفاه
والإستقرارعلى مصراعيها.
وهذا ما لايتمناه بعض ممن
يقدمون أنفسهم على أنهم
أصدقاء تركيا وفي مقدمتهم
الولايات المتحدة
الأميركية والإتحاد
الأوروبي....
فهل ستختار تركيا الحل
الديمقراطي السلمي وتقرر
التحاور مع العمال
الكردستاني ونواب الشعب
الكردي المنتخبين، ام
أنها ستختار الحرب التي
قد تستمر عشرات السنين،
وتكلف كل الأطراف المزيد
من الدماء والدموع؟.
* عن صحيفة "العرب اليوم"
الأردنية
|