|
أخيراً أقرت السلطات
الأمنية السورية بوجود
المهندس مشعل التمو بيد
أجهزتها الأمنية , ووجهت
له سيلاً من التهم تصل
العقوبات المترتبة عليها
إلى الإعدام أو السجن
المؤبد، ثم حولته إلى سجن
عدرا المركزي .
الإقرار بوجوده جاء
بعد اثنا عشر يوماً من
اختطافه ، وخلال هذه
المدة استنفرت المواقع
الكوردية وأقلام مثقفيها
وكتابها في حملة قل
نظيرها على الساحة
الكوردية . يبدو أن الوعي
السياسي الكوردي قد بدأ
يمتلك الذاكرة .
والتراكمية بدأت تلعب
دورها الطبيعي في بلورة
الوعي السياسي الذي يضمر
شعوراً بكينونة الوجود
الكوردي وحدوده الذي يحظر
على الآخرين اختراقه و
الساعي إلى تجنب أخطاء
الماضي وعدم تكرارها .
الحركة التضامنية كانت
محمولة بهاجس الخوف من أن
يلقى التمو مصير الشيخ
الشهيد معشوق الخزنوي .
أيضاً حركت الحركة
التضامنية الكوردية
اوساطاً أممية مهتمة
بحقوق الإنسان مثل منظمة
العفو الدولية وهيومان
رايتش ويتش وإقليمية
وعربية سورية
انعكست الحركة على
الشارع وتجلى في الاحتجاج
التضامني أمام منزل
المهندس مشعل التمو في
القامشلى وتوزيع البيانات
في شوراع عامودة
والقامشلى . عائلة التمو
ورفاقه تلقوا سيلاً من
الاتصالات والرسائل
الهاتفية والايميلات كلها
تعبر عن تضامنها
واستعدادها للمساهمة في
أي نشاط سلمي احتجاجي
وتعتبر عملية الخطف
مساساً لكرامتها وخطراً
على أمن المواطن وسلامته.
كل هذا حصل رغم
التحذيرات التي وجهت إلى
الحركة الكوردية من قبل
الأمن القومي من خلال
الأمن السياسي في حلب
والقامشلى قبل أشهر، من
مغبة القيام بأي نشاط
قومي أو حزبي بإستثناء
عيد نيروز .
فرغم محاصرة منزل
المهندس التمو من قبل
الأجهزة الأمنية والجيش
وحفظ النظام والتهديدات
التي وجهت إلى المواطنين
تمكن ما يقارب من خمسمائة
مواطن من الوصول إلى
منزله ، والتعبير عن
تضامنهم .
الذين قاموا بهذه
الحملة انتموا إلى كل
الأطياف السياسية
والثقافية والاجتماعية
في المجتمع الكوردي ولم
يقتصر الأمر على الجهات
الداعية للاحتجاج ( لجنة
التنسيق وتيار المستقبل
وأصدقاء مشعل التمو ) .
بالتأكيد عندما نتأمل
الحدث بعد تجريده عن
سياقاته ، سنستغرب هذا
الصمت الذي ساد الشارع
الكوردي ، تجاه اعتقال
قياديه من الصف الأول
والشارع العربي السوري
تجاه هذا الانتهاك الصارخ
لقيم الديمقراطية وحقوق
الإنسان والتدهور الحاصل
في بنيان الدولة على كل
الصعد وتخليها عن وظائفها
الحقوقية والسياسية . وأن
رد الفعل المناقض لأسلوب
السلطة لم يكن بمستوى
الحدث . لكن كما نعلم
المقاييس نسبية ومتجذرة
في سياقاتها الزمانية
والمكانية . فعندما ننظر
إلى الحدث باعتباره يحدث
في سوريا ، سنعتبر أن
الحركة الكوردية الحزبية
والفعاليات الثقافية
والاجتماعية كان حراكها
بمستوى المقبول ، وما
زلنا ننتظر المزيد طبعاً
. لأن القضية لم تنتهي ،
فما زال تمو وموسى
معتقلين ، ولن تنتهي
بإطلاق سراحهما . لأن جذر
المشكلة يتعلق بشعب مكبول
بقيود ويمنع عنه شمس
الحرية ، فهناك أكثر من
مشعل خارج السجن وفي
داخله ، وفي النهاية
الصراع يدور حول حق
الحياة والحرية والمساواة
والعدالة بين أفراد
ومكونات المجتمع السوري .
فنحن في طور بناء اصطفاف
سياسي خلف القيم
الإنسانية والحقوقية
والتشاركية في صنع القرار
السياسي وبالضد من
الإلغاء والإقصاء
والتفرد والفساد السياسي
والإداري والاقتصادي ن
وهذه ما وعاه العقل
الأمني السلطوي جيداً
وعملت على إفراغه من
محتواه . السلطة
باستهدافها قيادات الصف
الأول من الحركة الحزبية
الكوردية كانت تسعى إلى
إعادة الفعل السياسي
الكوردي إلى ما قبل
انتفاضة ربيع 2004,
وتدجينه ثانية في خانة
سياسية تخدم أجندة السلطة
قبل المجتمع الكوردي
والحيلولة دون تبلور هذا
الاصطفاف الذي تحدثنا عنه
, لكن الرد الكوردي تجاوز
تصورات السلطة وحساباتها
للمرة الثانية . وحصل
اصطفاف سياسي حول شعار (
الحرية لمشعل التمو ومحمد
موسى وسجناء الرأي
والضمير) ، هذا الاصطفاف
تجاوز الأطر الحزبية
الضيقة والخلافات
السياسية . وهنا سجلت
الحركة الكوردية نقطة
أخرى لصالحها وخطوة
باتجاه الأمام فبدلاً من
أن تتحول القضية إلى محور
الخلاف والتجاذبات
الرعوية التي اعتادت
عليها السلطة في الحركة
الكوردية في الحالات
المماثلة ، نجد في هذه
الحالة أن المشترك
الكوردي قد تجاوز المختلف
وطفا على السطح . والعقل
الإبداعي بدأ يجد أمامه
فضاءً من الحرية لطرح
المبادرات لمعالجة الأزمة
. لذلك نجد أن السلطة
حركت بعض أقلامها
وأبواقها لتميع القضية .
لكن خابت أمالها أمام
تمترس النخبة الكوردية
ليس خلف تمو وموسى بل خلف
الرمزية التي تجسدت فيهما
في هذه اللحظة في سياق
الصراع مع السلطة .
السلطة سعت إلى استفراد
بتيار المستقبل الكوردي
من خلال توجيه الضربة إلى
مكتب العلاقات العامة
الذي يعتبر بمثابة العقل
السياسي لتيار المستقبل ،
مما يجعلنا نتيقن أن الخط
السياسي للتيار كان
مستهدفاً ، هذا الخط الذي
كان ناقماً على الركود
والتقليد والتهميش
والاستجداء، في الخطاب
السياسي الكوردي .
فاعتقلت اثنين من أبرز
نشطاء التيار وهم مشعل
التمو وعمران السيد وسبقت
لها أن أرغمت نعسان شيخ
أحمد وخليل حسين على
الهجرة ،ومارست ضغوطاً
على بقية الأعضاء ،
واعتقدت أن دائرة
الاعتراض والاحتجاج
ستقتصر على تيار المستقبل
. لكن الحلقة التضامنية
تجاوزت تيار المستقبل
ولجنة التنسيق لتتحول
عملية الخطف إلى نقطة
الارتكاز في تحديد ملامح
المشهد السياسي السوري
الحالي.
وبهذا تأخذ قضية المهندس
مشعل التمو بعداً آخر,
وسياق الفعل السياسي
الكوردي سيتجلى في أنماط
جديدة من العمل السياسي
والحقوقي
الحرية لمناضلي الحركة
الكوردية مشعل التمو
ومحمد موسى و عمران السيد
وكل سجناء الرأي والضمير
والخبز
كوباني
29/ 8
|