|
لا
يخفى على أحد منا الحالة
المأساوية التي تعيشها
الثقافة الكردية اليوم,
بالأخص في الأجزاء
الكردستانية التي لا يزال
الكرد فيها محكومين من
قبل طغم فاشية عنصرية
هدفها محو الشعب الكردي
عن الوجود مهما أظهرت من
''مرونة'' تكتيكية توائما
مع الظروف الدولية.. في
ظروف كهذه تصبح الثقافة
الأداة الوحيدة لنا
للبقاء كشعب له هويته و
وجوده المستقل. و العوامل
نفسها التي تعطي ثقافتنا
أهمية خاصة لنا تجعل
الحكومات التي تحكمنا
تمنعها عنا. معظم فروع
الثقافة الكردية بعيدة
بشكل شبه كامل عن شعبها
الذي لا يعرف عنها سوى
شذرات قليلة و يكاد لا
يمارسها الا نادرا.. هناك
أيضا حالة من الضياع
الثقافي متمثلة بظواهر
عديدة سأتكلم عن احداها
في هذه المقالة.
من
خلال متابعتي للوسط
الموسيقي الكردي بشكل عام
و الكردي السوري بشكل
خاص, لفتت انتباهي ظاهرة
غريبة و مقلقة. هذه
الظاهرة هي شيوع موسيقى
آلة ''البغلمة'' التركية
العلوية بصورة غير مسبوقة
في أوساط العازفين و
متعلمي الموسيقى الكرد,
خاصة الشباب منهم, و بشكل
أصبح الآن يهدد وجود
الموسيقى الكردية أو على
الأقل أصالتها تهديدا لا
يمكن السكوت عنه. يمكن
فهم شيوع هذه الآلة و
موسيقاها في كردستان
تركيا كنتيجة لسياسة
التذويب القهرية للدولة
التركية, ولكن شيوعها
بيننا في سورية هو أمر
غريب بالفعل, و لا يمكن
تفسيره سوى بالغفلة و
طيبة القلب الزائدة لدى
موسيقيينا و لدينا نحن
الكرد بشكل عام. فالبغلمة
التركية تضفي طابعا تركيا
قويا على الموسيقى التي
تعزف بها حتى لو كانت
كردية.. و لو كنا نفتقر
الى آلة وترية متجاوبة مع
موسيقانا الكردية لكنا
تفهمنا سبب استخدام
البغلمة, لكن الوضع في
الحقيقة مختلف. لعل
أغلبنا يعلم بوجود
الطمبور الكردي الأصيل
''ته مبوورا خورفانى''
الذي يعزف بالأصابع بدلا
من الريشة, فهذه الآلة
كانت الآلة السائدة في
الموسيقى الكردية الى أن
بدأت آلة البزق (و التي
هي على أية حال أكثر
ملائمة للموسيقى الكردية
من البغلمة) بالحلول
محلها. هذا الطمبور لا
زال الآلة الأساسية و
المقدسة لدى الكرد
اليارسانيين (ئه هلى حه
ق) في كردستان ايران.
يعلم من سمع عزف هذه
الآلة أن جمال صوتها و
النشوة التي تخلقها ليست
أقل روعة من صوت و نشوة
العزف على البغلمة ان لم
يكن أكثر, فلماذا اهمال
هذه الآلة الكردية
الأصيلة و تركها تموت؟
أعلم
جيدا أن هناك البعض ممن
سيدافع عن فكرة استخدام
البغلمة و حتى عزف
الموسيقى الدينية
العلوية. حجتهم ستكون
''الانفتاح'' و
''التآخي'' و الى ما
هنالك من أقوال مثالية..
لكن دعنا نتفحص هذه الحجج
عن قرب. لا شك في أن
الانفتاح على ثقافات
الآخرين شيء جميل و مفيد,
لكن الانفتاح لا يعني على
الاطلاق أن نحرف هويتنا و
ثقافتنا أو ننبذها و
نستبدلها بثقافة شعب آخر.
الانفتاح يعني الاطلاع
على ما لدى الآخرين و
الاستفادة منه الى حد
معين, أما الانفتاح الذي
يتكلم عنه هؤلاء فهو
سذاجة و تحريف للموسيقا
الكردية في أحسن الأحوال
و نبذ كامل للذات و
انتحار ثقافي في أسوءها.
على أية حال, لا أعتقد
أنهم كانوا سيعزفون
موسيقى تركية لو قرؤوا عن
الممارسات التركية
الهمجية و العنصرية
البشعة بحق الكرد و عرفوا
أن ''الأخوة'' المفترضة
ليست سوى وهم في أذهان
مثاليينا الذين جلب
أمثالهم لنا الدمار عشرات
المرات في السابق.
الثقافة الكردية اليوم في
حالة يرثي لها, و هي أولى
بجهودنا من أي ثقافة
أخرى. الثقافة الكردية
يتم محاربتها و منعها من
الازدهار و حتى سرقتها من
قبل الحكومات الفاشية
التي تحكمنا. و أسأل
''الانفتاحيين'' هنا: لو
كان باب منزل أحدهم
مخلوعا, أليس حريا به
تصليح بابه بدل تصليح باب
أحد آخر؟ هذا التشبيه
ينطبق عل حال الثقافة و
الموسيقى الكردية اليوم,
فالأجدر بنا اذا أن نكرس
جهودنا لحفظ و تطوير
ثقافتنا التي هي بأمس
الحاجة لنا بدل اضاعتها
على ثقافات أخرى. لكن
الذنب ليس ذنب
''الانفتاحيين'',
فشخصيتهم ''الشهمة'' هذه
موروثة عن أجدادهم
الأشاوس الذين طالما ضحوا
بالثقافة الكردية من أجل
ثقافات الآخرين و لم
يجنوا في المقابل سوى
القمع و القتل و
التهميش... تراثنا
الموسيقي الكردي تراث
جميل و غني و هو يئن
اليوم تحت وطئ العولمة
القاسية و جهل أغلبية
''الموسيقيين'' الكرد و
سطحيتهم و طمعهم بالشهرة
و تيههم من حيث الانتماء.
من
الجدير بالذكر أن نفس
الآراء التي أكتبها هنا
تنطبق على استخدام آلة
''التار'' الفارسية في
كردستان ايران, و التي
تعطي طابعا فارسيا طاغيا
للموسيقا التي تعزف بها.
للأتراك و العرب و الفرس
مؤسساتهم و مدارسهم و
جامعاتهم الموسيقية, و هم
ليسوا بحاجة الى جهودنا
لتطوير موسيقاهم.
موسيقانا هي التي تحتاج
الى جهودنا اليوم, فهل
يفطن موسيقيونا الى ذلك؟
|