المستقبل
- الجمعة 17 آب 2007
- العدد 2705
بعد مجموعة أفلام
قصيرة أنجزها بين
1997 و2005 ونحو ربع
قرن قضاها في ايران
مدفوعاً خارج العراق
بالنظام البعثي
العراقي، عاد المخرج
الكردي شوكت أمين
كوركي الى شمال
العراق عام 1999 وبدأ
التفكير بخوض تجربة
سينمائية طويلة الى
جانب اكمال عمله في
الافلام القصيرة
والمسرح والتلفزيون.
مجيّشاً بالأحداث
والتحولات الكبرى
التي بدأت تعصف
بالعراق منذ العام
2004، كان بديهياً أن
يخرج فيلمه الأول
"عبور الغبار" (2006)
من تلك الاجواء
وعنها. ولكنه أراده
توثيقاً غير مباشر
لتاريخ مازال يُكتب
ومفتوحاً على
المجهول. هكذا اختار
حدثاً مركزياً لفيلمه
هو
سقوط
بغداد زارعاً أحداثه
في ذلك اليوم اي
التاسع من نيسان
2004. حول ذلك الحدث
المفصلي، يصوغ كوركي
حكاية تمزج الخفة
بالعمق والجدية
بالسخرية والحاضر
بالماضي مبقياً في كل
ذلك على خطين: هاجسه
بصنع فيلم كردي يحمل
على الاقل ملامح
تاريخ شعبه وميله الى
انجاز عمل يخاطب
الجمهور العريض. وليس
مبالغاً القول انه
نجح في تلك المعادلة
الى حد بعيد. فهو من
جهة يقدم حكاية
انسانية تمس الاحاسيس
وتخاطب ذاكرات الشعوب
التي اختبرت الحروب
وقسوتها ومن جهة
ثانية يمرر محطات من
تاريخ الاكراد الاسود
المعاصر على يدي صدام
حسين. أحياناً يتداخل
الهمان فيفتقد الفيلم
شيئاً من الدقة وينحو
الى ترداد منظومة
مكرورة خارجة عن
سياقه السينمائي من
مثل تصوير اكتشاف
المقابر الجماعية في
شمال العراق الامر
الذي يمكن الجزم بأنه
لم يحدث يوم سقوط
بغداد. ولكنها صورة
من الذاكرة الجماعية
للشعب الكردي تسللت
بشكل غير سينمائي الى
فيلم كردي كان من
اوائل الاعمال التي
انجزت بعد سقوط نظام
صدام حسين.
تدور حكاية الفيلم
اذاً يوم سقوط بغداد
انما مسرحها شمال
العراق حيث يعم الفرح
مناطق الاكراد اولاً
بسقوط طاغية سلبهم حق
الحياة. خلال رحلة
يقوم بها اثنان من
المقاتلين الاكراد
7-7-الباشمرغا7-7- من
شمال العراق الى
بغداد لتوصيل بعض
الطعام الى زملائهم،
يعثران على صبي عراقي
تائه فيشفق عليه
احدهما ويقرر ان
ينقله معه وسط ممانعة
رفيقه الشديدة التي
تتراوح اسبابها بين
كره العرب لما أنزلوه
بهم من تنكيل بشخص
صدام حسين وبين اسم
الصبي "صدام" الذي
يتحول شاهداً على
مرحلة يرغب الاكراد
بشدة في طيها الى غير
عودة. من هناك، يتخذ
الفيلم منحى الرحلة
او "فيلم الطريق"
الذي يتيح للمخرج ان
يضع مشاهداته وان
يرصد التحولات بعيد
حدوثها في ما يمكن ان
يسمى مفصلاً تاريخياً
في مسار العراق وربما
المنطقة. هكذا
يتنقلان مع الصبي في
محاولة للعثور على
أهله او من يهتم به.
ولكنهما لا ينالان
اهتمام أحد فيرفض
الجنود الاميركيون
أخذ الصبي كما يفعل
امام الجامع. بمحاذاة
ذلك، يُحاك خط سردي
آخر يلاحق والدي
الصبي اللذين يسيران
على الدرب عينها انما
متأخرين دائماً عن
الموكب. لعلها ميزة
وفي الوقت عينه نقطة
ضعف ان يكون الفيلم
على مسافة قريبة جداً
من الحدث. فالرحلة
يوم التاسع من نيسان
تلقي عن كاهل الفيلم
عمق التحليل وبعد
الرؤية ذلك ان ما
يرصده انما لحظة
الحدث. يتجلى ذلك في
لحظات عدة بداية مع
مقدمة الفيلم التي
يحشدها بالصور
التلفزيونية الابرز
للاجتياح الاميركي
للعراق ولاحقاً لسقوط
صدام، بانياً ما يشبه
الخلفية السياسية
والزمانية لأحداث
فيلمه ومحتفلاً في
الوقت عينه بصور لا
يتيح الفيلم الروائي
استخدامها. في
المحصلة، تتخذ الرحلة
منحىً انسايناً يتشكل
من علاقة الرجلين
بالولد ومن مشاهدات
تقف شواهد على ظلم
انساني مقزز مورس بحق
شعب بكامله على ايدي
حفنة طغاة. لا يتسنى
للمخرج بقربه من
الحدث وربما بالحمل
العاطفي الذي يثقل
ذاكرته البصرية من ان
يتخذ مسافة الى
الوراء ليرصد خلال
رحلة الطريق تلك ما
هو ابعد من الحدث
المباشر.
شارك "عبور الغبار"
في مهرجانات كثيرة
وفاز بعدة جوائز كان
آخرها جائزة افضل
مخرج في مهرجان
سنغافورة قبل شهرين
والجائزة الاولى في
مهرجان "غرانادا"
وتنويه في مهرجان
اوسيان سينيفان
للسينا العربية
والاسيوية في نيودلهي
حيث التقينا المخرج
في حوار حول فيلمه.
ما هي العلاقة بين
"عبور الغبار" والظرف
السياسي الذي صُنع في
ظله؟ أو بمعنى آخر،
هل كان الدافع الى
انجازه سقوط نظام
صدام حسين أم الرغبة
بعمل فيلم بصرف النظر
عن الظروف المحيطة؟
ـ الحرب الاميركية
على العراق كانت بحد
ذاتها الدافع الى صنع
هذا الفيلم. عندما
بدأت تلك الحرب، كنت
مشغولاً بعمل فيلم
آخر ولكنه لم ينجح
لاسباب تتعلق بالحرب.
ثم ان الأخيرة شرعت
الابواب أمام قصص
كثيرة انسانية لتقع
وتتوالد وتصل الى
الناس يصيغتها
الواقعية أحياناً أو
بشكل مبالغ فيه في
معظم الاحيان. أوحتني
تلك الحكايات
بامكانية استثمارها
في سيناريو يوثق لتلك
المرحلة من خلال قصة
متخيلة وانما متجذرة
في وقت وزمان
واقعيين. بالطبع كان
التوجه صنع فيلم ضد
الحرب ليس الاميركية
فقط انما ضد كل
الحروب والاصرار على
انه يمكن الحفاظ على
السلوك الانساني خلال
الحروب حتى لدى
المنغمسين فيها.
لقد صنعت "فيلم طريق"
كما يوحي الشكل.
ولكنك توقفت عند
مظاهر الأشياء
والانطباعات الاولى
بدلاً من الغوص على
ما هو أعمق من
الظاهر. فالثابت من
خلال تاريخ السينما
أن هذا النوع يتخذ من
رحلة الطريق حجة او
مبرراً ليخوض رحلة
أعمق وليقول أشياء
تتخطى الرحلة نفسها.
ـ هذا صحيح في ما يخص
افلام الطريق فانها
تتحول في الغالب الى
بانوراما لاحداثيات
اخرى يمكن رصدها خلال
الرحلة. ولكننا هنا
إزاء يوم خاص. صحيح
ان جزءاً مما يواجهه
الثلاثة ونشاهده نحن
سبق لنا كمشاهدين ان
عرفناه من خلال
الاعلام وتغطيته
للحرب الا ان الجزء
المتخيل للحكاية هو
الاهم بالنسبة الي
وهو الاضافة الى ذلك
الواقع المعروف. وليس
ذلك فقط انما ايضاً
تطور الاحداث في
اتجاه تلك النهاية
المأسوية. ان هذا
الخط الدرامي المتخيل
هو برأيي ما يشكل
البعد الانساني وقضية
الفيلم الاساسية
ويلفت الى أن ما نقله
الاعلام ليس وحده
الحقيقة. الفرق بين
نظرتي ونظرتك الى
الفيلم هو انك
تقارنين احداثه
بالوقائع وصورة
الاعلام اما بالنسبة
الي فهو حكاية تأخذ
من الواقع وانما تملك
مقوماتها المتخيلة
وهذا ما يجعلها
سينمائية.
ثمة أحداث توردها في
الفيلم تجافي الحقائق
والدقة التاريخية من
مثل نبش القبور
الجماعية والشعارات
التي تنادي بسقوط
البعث على الجدران.
المؤكد ان تلك لم تقع
يوم سقوط بغداد الذي
يشكل الاطار الزمني
لفيلمك؟
ـ أنا أدرك ان تلك
الاحداث لم تقع كلها
في ذلك اليوم ولكنني
قمت بجمع ابرز
الاحداث التي وقعت في
خلال اسبوعين من سقوط
بغداد ووضعتها في
الفيلم في اطار حكائي
متخيل. الواقع هو
اشبه بخلفية لحكاية
الشخصيات الثلاث.
ثمة إحساس بأن الفيلم
كما الشخصيات منقسم
بين ابيض واسود او
خير وشر. هناك
المقاتل الكردي
الانساني في مقابل
العراقيين المجرمين.
وهناك الطبيعة
الكردية شديدة الجمال
وسماؤها التي تكاد
تكون مرسومة بريشة في
مقابل المناطق
العراقية المغبرّة
والمهدمة...
ـ صورت الاشياء كما
هي في الواقع. ذلك هو
شكل القرى الكردية
وتلك هي القرى
العربية من دون اي
تغيير او تعديل.
بالتأكيد لم تكن لدي
اية نية في القيام
بفرز بين الاكراد
والعرب على اساس
الخير والشر. تقصدت
اظهار بعض الشخصيات
العربية الايجابي
كالذي عرض عليهم ان
يقلهم بسيارته. ولكن
أعود وأقول ان اليوم
الذي تجري احداث
الفيلم خلاله هو يوم
خاص محكوم بمعطيات
سياسية وتالياً لم
يكن يحتمل اكثر من
ذلك. هذا المنظار
الكردي في وجه العربي
ليس مدخلاً الى
الفيلم.
نشاهد في الفيلم
القرى العربية
والكردية متداخلة. هل
هي كذلك في الواقع؟
ـ في المنطقة
الحدودية الفاصلة بين
المنطقتين العربية
والكردية تتوالى
القرى تباعاً. ولكن
القرى التي تظهر في
الفيلم لا ترمز الى
قرى واقعية انما هي
جزء من الشق المتخيل.
يدفعني هذا الى سؤالك
عن الخط الفاصل بين
الواقغ والمتخيل.
أقصد في فيلم من هذا
النوع يتناول لحظة
تاريخية واقعية
وزماناً ومكاناً
محددين كيف تقرر ما
هو واقعي وتلتزم به
وما هو متخيل؟ اليس
هناك خطر استغلال
اللحظة الواقعية بشكل
يناسب خطابك السياسي
ويدعم الجانب
الانساني ـ العاطفي
للتأثير في المشاهد؟
ـ الواقعية ليست
بالضرورة نقلاً
حرفياً للواقع الى
السينما او على الاقل
ليس هذا ما اردت
فعله. السينما هي خلق
أشياء من خلال
الاستعانة يأجزاء من
الواقع تشكل الاطار
او الخلفية للاحداث.
انه الواقع من وجهة
نظر المخرج. وهذا ليس
فيلماً وثائقياً عن
صدام والحرب. الفيلم
في المحصلة عن تلك
الجوانب الانسانية
التي تدمرها الحروب.
بالطبع لم يكن هذا
النقاش حول الواقع
والمتخيل ليكتسب
أهمية لولا أن موضوع
الفيلم وسياقه
مسيسان. بهذا المعنى،
يبدو المزج بين
الواقع والمتخيل من
دون ضوابط او حدود هو
اصطفاف لمجموعة مواقف
وآراء تؤلف لوجهة نظر
وخطاب سياسيين
بامتياز.
ـ الفيلم مسيس صحيح
وكذلك الاحداث او
لنقل انه يرتكز على
وقائع سياسية. ولكن
لا ننسى ان تلك
الحالة جديدة على
العراق وعلينا بعد
نحو نصف قرن من
الجمود. برغم ذلك، لم
يكن الهدف انجاز فيلم
سياسي وانما انساني
بالدرجة الاولى. وهذه
القضية الانسانية هي
أكبر من موضوع العراق
والحرب.
فيلمك سينمائي
بامتياز لجهة التصوير
والمناخ والتركيب.
ولكن لماذا اخترت ان
تبدأه بمشاهد
تلفزيونية توثيقية
للحرب ولسقوط بغداد؟
ـ أردت أن أحضر
المشاهد خلال المقدمة
للدخول مباشرة في
أحداث ذلك اليوم اي
التاسع من نيسان. ثم
ان الفيلم ينتمي الى
السينما الواقعية
الجديدة التي تأخذ من
الوثائقي.
يفتتح الفيلم بمشهد
تهليل للقوات
الاميركية وينتهي
بمشهد مطابق لمرور
القوات انما هذه
المرة يسود وجه
المقاتل الكردي
الحزن. أليس
استنتاجاً مبكراً لما
ستؤول اليه الاوضاع؟
ـ التهليل الذي نراه
في بداية الفيلم لم
يكن تهليل الاكراد
للأميركيين بل لسقوط
نظام أمعن خلال ربع
قرن في قمعهم
وإذلالهم. المسحة
التشاؤمية في نهاية
الفيلم على وجه
المقاتل الكردي هي
بمثابة تساؤل حول
امكانية تبدل الوضع
على أيدي الاميركيين.
النهاية كانت مفتوحة
على المجهول كما هو
واقع العراق اليوم.
ولاتنسي ان جل ما
حمله له ذلك اليوم هو
الموت.
الى أي مدى أسهم
الظرف السياسي المحيط
بالفيلم في تسليط
الضوء عليه
واستقباله؟
ـ لا أعتقد ان هناك
فضلاً للظرف السياسي
على الفيلم لأن
الأخير يحمل مقومات
نجاحه وهي حكايته
الانسانية ورسالته ضد
الحرب في كل زمان
ومكان. انه فيلم فني
وانساني بالدرجة
الاولى.
كيف تتخيل مستقبل
السينما الكردية
القريب؟ كيف ستتعاطى
الافلام مع تلك
المرحلة.؟ هل ستكون
محور كل فيلم كردي
يبصر النور خلال
السنوات المقبلة؟
ـ لا نستطيع ان نقلل
من هول عشرات السنين
ومن تجذرها في حياتنا
وفي الفن والسينما
ايضاً. ولكن أعتقد
أننا في زمن ما
سنتمكن من تجاوز تلك
المرحلة على صعيد
الواقع والسينما
ايضاً التي هي في
المحصلة انعكاس
لعيشنا وهواجسنا.
بالنسبة الي، فيلمي
المقبل بنتمي الى
الكوميديا السوداء
ولا علاقة له بصدام.
الاكيد ان أحداثه
تدور بعيد سقوط نظام
صدام حسين