Kampanya  100

عربي
صور من روزافا
حقوق الأنسان
الكتابة بالعربية
الأرشيف
 كوردستان عربيا
 كوردستان كرديا
 القوس الثالث
 
 
 
 
 

 

 

 

 


Kampaniya
100.000 imze


2006 Sala

zimanê kurdî



Urkêş



Şevçira



Êzîdxane

 

Kurdart

 
 Kurdi
 Deutsch
 English
 Swedish
 Urkesh
 Hevgirtin
 Contakt  

 

H.R.K.R.D     The Kurdish Intellectuals Union- West Kurdistan- Abroad

28 January 2008 16:02

   

صالح بوزان

 

التطورات العالمية وجدلية العامل الداخلي والخارجي
في التغيير والتطوير

صالح بوزان


القسم الأول ــ طبيعة الصراع العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، انتشرت مقولة العالم"قرية كونية". وانبثقت هذه المقولة أصلاً من مصطلح العولمة الذي تردد على لسان جميع الكتاب والمفكرين والساسة في الشرق والغرب على حد سواء. وسرعان ما برز اتجاهان أساسيان في مسار العولمة. اتجاه أوروبي يستند إلى فاعلية قوانين النظام الرأسمالي الذي أصبح بدون منافس بعد أن أزيحت أمامه المنظومة الاشتراكية، وبالتالي انفتح المجال له للسيادة على المجتمع البشري في القرن الجديد. ولهذا الاتجاه تراث فكري واقتصادي واجتماعي عريق، بدأ منذ الثورات البرجوازية في أوروبا وما تبعتها من ثورات صناعية وتكنولوجية ومعلوماتية بمراحلها المختلفة.
أما الاتجاه الثاني فجسدتها الرأسمالية الأمريكية، هذه الرأسمالية التي لا تختلف من حيث الجوهر عن الرأسمالية الأوروبية، إلا أنها مزيج بين طبيعتها الاقتصادية وبين الايدولوجيا والعسكريتاريا.
طبعاً هناك اتجاه ثالث تجسده منظومة ما قبل المجتمع المدني في "العالم الثالث". هذا الاتجاه الذي مازال يحتفظ بالكثير من طبيعته اللاشرعية التي تأسست في مرحلة الحرب الباردة. ويسعى للاستفادة من العولمة مع الاحتفاظ بالاقتصاد البترياركي المدموج بالاستبداد الشرقي، سواء على صعيد المجتمع، أو على صعيد الدولة. يريد هذا الاتجاه عزل المجتمعات الشرقية عن قيم الحضارة المعاصرة، ولا سيما في مجال الحقوق الفردية والجماعية، وقيم الديمقراطية وحرية الفكر والتناوب السلمي للسلطة.
مهما كان الجوهر الاستغلالي في الرأسمالية واحداً منذ ظهورها وحتى الآن، فإن تطورات كبيرة حدثت على بنيتها مع الزمن، بحيث باتت تختلف كثيراً عن رأسمالية القرن التاسع عشر التي درسها ماركس في كتابه المشهور"رأس المال". ولعل أهم جانب في هذا التطور هو ما حدث في الطبيعة الوحشية للرأسمالية البدائية، خصوصاً في الموطن.
لابد القول أن التطور الذي نتحدث عنه لم يأت نتيجة مواقف فكرية وإنسانية بالدرجة الأولى، بل انطلاقاً من الثورة الكبيرة في بنية الاقتصاد الرأسمالي، وفي مجال التكنولوجيا والمعلوماتية. لقد أحدثت هذه الثورة انعطافاً كبيراً في مستوى معيشة السكان في المجتمع الرأسمالي، وفي التفكير البشري عامة، وكان لها دور ملموس في إعادة مركزة الرأسمال العالمي على قاعدة الشركات المتعددة الجنسيات، والانتقال اللاحق إلى الاقتصاد المعولم.
أما السبب الثاني في تخفيف الوحشية الرأسمالية البدائية هو كفاح الطبقة العاملة، ولا سيما منظماتها النقابية في سبيل حقوقها. هذا الكفاح الذي جعل الديمقراطية عقداً اجتماعياً بين طبقات المجتمع. وانعكس تأثير تلك الديمقراطية على كافة الشرائح بما في ذلك على الرأسماليين. وقد يعود الفضل في هذا الانعطاف إلى أحزاب الاشتراكية الدولية التي حكمت في العديد من البلدان الرأسمالية.
خلال الصراع الحاد بين المنظومة الاشتراكية والمنظومة الرأسمالية برز عامل ثالث تجلى في سيرورة الصراع بينهما. فكما نعلم أن هذا الصراع تدرج من الأشكال المباشرة إلى البحث عن مقومات تهدف إلى نسف القاعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لبعضهما بعضاً. وإذا كانت الاشتراكية قد حققت في البداية انتصارات بارزة على الرأسمالية، إلا أن الأخيرة سرعان ما أدركت السبب الجوهري في ميل الطبقة العاملة الغربية نحو الاشتراكية. فانتقلت من القمع والاضطهاد ضدها إلى تقديم مكاسب مادية ومعنوية كبيرة لها وللطبقات المتوسطة، بحيث لم تعد هذه الطبقات تسير نحو الفقر كما تنبأ ماركس، بل أخذت تصعد في مختلف المجالات إلى مستوى اقتصادي واجتماعي وثقافي متقدم. وحصلت هذه الطبقات بالنتيجة على حقوق مادية ومعنوية أكثر مما تحققت في ظل الاشتراكية السوفييتية. بل أصبح العامل الغربي أكثر تقدماً من زميله في العالم الاشتراكي. وهكذا بدأ الطابع الثوري للطبقة العاملة الغربية يضعف، وضعف معه التضامن الأممي، والمفهوم العالمي للاشتراكية.
خلق الوضع الجديد للنظام الرأسمالي إمكانية الانتقال من خندق الدفاع عن النفس لغاية السبعينيات من القرن الماضي إلى الهجوم الذي توج بانهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية. لكن الظاهرة الجديدة التي بدأت تشق طريقها بعد هذا الانهيار هي بروز التنافس العالمي بين المراكز الرأسمالية، خصوصاً بين أمريكا من جهة والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
لقد أدركت الرأسمالية الأمريكية منذ البداية أن التطور الطبيعي للعولمة(أي العولمة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية) سيجعل النتائج لصالح الرأسمال الأوروبي والياباني، إضافة إلى الخوف المتزايد لدى أمريكا من التنين الصيني الذي يرفع رأسه على قاعدة اقتصادية متينة. وبالتالي سيؤدي ذلك إلى زوال الدور الأمريكي الطاغي الذي ساد خلال الحرب الباردة والصراع مع النظام الاشتراكي. ولهذا قام الأمريكيون بدمج فاعلية القوانين الرأسمالية مع الأيدولوجيا, هذه الايدولوجيا التي اعتمدت على نشر العولمة من خلال الهجمة السياسية والعسكرية المباشرة تجاه الدول التي خرجت عن المنظومة الاشتراكية، وتجاه "العالم الثالث"(الهدف الأكثر حيوية للعولمة). تذكّرنا هذه الرؤية ببعض مقولات لينين في تبريره للقيام بالثورة الاشتراكية في بلد واحد وليس على صعيد البلدان الرأسمالية كلها، وفي روسيا المتخلفة رأسمالياً وليس في بريطانيا، باعتماده في ثورته الاشتراكية على الوعي والمعرفة وتوظيفهما في التغيير، مخالفاً في ذلك ماركس وانجلز إلى حد ما. أقصد أن الاتجاه الأمريكي للعولمة يتضمن جانباً إرادوياً.
من التناقضات الهامة بين العولمة الأوروبية والأمريكية، هي أن الأولى تريد دمج "العالم الثالث" مع المنظومة الرأسمالية اقتصادياً أولاً، أما الجوانب الأخرى، أقصد الجوانب الاجتماعية والثقافية فستكون تحصيل حاصل للتطور الطبيعي، كما كان يحدث في التاريخ دائماً. ولهذا لم تسع هذه الدول إلى تغييرات راديكالية في "العالم الثالث"، بل كانت تميل إلى التعامل مع البنية السياسية والفكرية السائدة. وهذا ما كان وراء الموقف الأوروبي من نظام صدام حسين، والخلاف مع أمريكا في حربها لتغييره. أما العولمة الأمريكية فقد لعبت الايدولوجيا فيها الدور الأكبر، وكانت تبحث منذ البداية عن حصان طروادة في مسعاها لتحقيق أهدافها العالمية. وقد وجدت في الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب الوسيلة الأنجع في تبرير التغيير اللازم سواء سلماً أو حرباً. خصوصاً أن ثمة تعطش تاريخي لدى شعوب "العالم الثالث" للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان سواء على صعيد الأفراد أو على صعيد الشعوب، نتيجة السيطرة الطويلة للأنظمة الاستبدادية، هذا التعطش الذي تقاطع مع التوجهات الأمريكية الجديدة.
هناك حقائق حول النظام الرأسمالي لا يجوز غض الطرف عنها. فهذا النظام عندما يدعو اليوم إلى الديمقراطية وحقوق الأفراد والشعوب، وإزالة الديكتاتوريات ، فهو لا ينطلق من مفاهيم إنسانية أو قيم أخلاقية بالدرجة الأولى، بل لأن المرحلة التاريخية الراهنة، هي التي جعلت هذه المفاهيم تتفق وتطور النظام الرأسمالي عامة والأمريكي خاصة. فتجسيد هذه المفاهيم في الواقع يخلق التربة الطبيعية لتطور الرأسمالية في "العالم الثالث"، وبالتالي يخلق دورة جديدة لإعادة مركزة الرأسمال العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وهذا هو جوهر العولمة أصلاً. وعندما يستخدم النظام الرأسمالي الحرب فهو ينطلق أيضاً من ضروراتها للنظام الرأسمالي وليس حباً في الحرب. هذه الضرورة التي لا علاقة لها بترسيخ العدالة الإنسانية. ولهذا فالتشكيك بالديمقراطية الغربية، بما في ذلك بالديمقراطية الأمريكية, من قبل الطبقات الحاكمة في "العالم الثالث" وطابورها الثقافي، هو أما نتيجة عدم فهم حقيقة الرأسمالية وتطورها التاريخي، وإما لتضليل الشعوب، ومنع التغيير الذي يستهدف أصلاً هذه الطبقات الحاكمة مع منظوماتها الأيدلوجية والسياسية الأبوية.
أعتقد أن مسار التطور البشري في الألفية الثالثة سيضيق الفارق بين العامل الداخلي والعامل الخارجي في التطور والتغيير أكثر من السابق. وقد تصل البشرية في نهايتها إلى الاندماج. فالتقسيمات الجغرافية السياسية الراهنة على الكرة الأرضية ستتعرض للتغيير، وستجري إعادة التفكيك والتركيب حسب متطلبات جديدة سيفرضها الاقتصاد العالمي. وستدخل غالبية النظريات والمفاهيم الفكرية والسياسية التي سادت في القرن العشرين إلى ذاكرة التاريخ. وستظهر بالتالي نظريات وآراء جديدة جوهرها أن الكرة الأرضية هي ملك لجميع ساكنيها (الملكية الاشتراكية العامة للكرة الأرضية). سيتم ذلك سواء بالحروب الكارثية أو بالاتفاقات الدولية. خصوصاً أن ثمة إحصائية تقديرية تشير أن سكان الأرض سيحتاجون في عام 2050 إلى ضعف ما يمكن أن تقدمه الكرة الأرضية لهم.

القسم الثاني ــ بؤس الفلسفة الوطنية الرسمية
هناك فلسفة بائسة حول دور العامل الداخلي والخارجي في التغيير والتطوير يجري في العديد من بلدان الشرق الأوسط. هذه الفلسفة التي تمارسها أنظمة الحكم، وكذلك غالبية معارضاتها. فالجميع يتبارون في معركة مصطلحات يسقطون عليها مضامين ينتجها العقل التأملي المفرط في العطالة. ولعل من عجائب الشرق أن القوى السياسية تنشط في مجال الشعارات فقط. فكان شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة، وكان الصمود والتصدي، وكانت دول الممانعة..والخ. إنه العقل المهووس بذاتيته، ولا يستطيع إنتاج ما فيه خير الناس والأوطان.
من أهم المصطلحات التي تعرضت للتشويش اللفظي في السنوات الأخيرة هي علاقة الداخل بالخارج أو الخارج بالداخل. أقول التشويش اللفظي لأن الساسة في بلدان الشرق الأوسط مغرمون باللفظ، اللفظ الذي لا يشكل سوى ظاهرة صوتية. هناك من يحاول إجراء فرز تعسفي للساسة والمثقفين وللحركات الاجتماعية والمدنية المختلفة على أساس سؤال في غاية السذاجة، وهو: هل أنت مع التغيير من الداخل أم من الخارج؟ وبالتالي فمن مع التغيير من الداخل هو "وطني"، أما من مع التغيير من الخارج فهو "عميل ولا وطني". إنه فرز ديماغوجي من قبل عقل لا يستطيع استيعاب جدلية العلاقة المتبادلة بين العامل الداخلي والعامل الخارجي، ويستخف بطبيعة العلاقات البشرية وقوانينها. خصوصاً بعد الانعطاف الذي أحدثته العولمة في التفكير الشرقأوسطي نتيجة انهيار الاتحاد السوفييتي.
إن الصراع الدائر اليوم بين المراكز الرأسمالية الأساسية وبين أنظمة الحكم في"العالم الثالث" هو صراع بين المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والعلمية الأكثر تطوراً وبين مثيلتها في "العالم الثالث" التي هي أكثر تخلفاًً، بل أن هذه الأنظمة الأخيرة هي وجود نشاز في التاريخ المعاصر، لأنها تخلق شرخاً كبيراً في الاقتصاد العالمي والثقافة العالمية.
إن تسمية هذه الحالة بالاستعمار العولمي ليس خطأً، لكننا إذا استثنينا في هذا الشرق غزوات هولاكو وجنكيزخان وتيمورلنك، وكذلك غزوات العرب المسلمين( لقد قضت الغزوات العربية الإسلامية على أكبر حضارتين في حينها، أقصد الحضارة الفارسية والرومانية)، فإن الاستعمار الغربي كان له جانبين، الأول هو توسيع الاستثمارات الاقتصادية، أما الجانب الآخر فقد أحدث هذا الاستعمار تغييراً جوهرياً في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في هذه البلدان المستعمَرة، وأخرجها من النمط القديم إلى بوابات النمط الحديث. ومن هذه الزاوية كان للاستعمار الغربي دور تقدمي تاريخياً.
أعتقد أن شعوب "العالم الثالث" أمام مفترق طرق، فإما أن تقف مع التيار الذي يتناقض مع الغرب، ويسعى للقضاء على الحضارة الغربية بالغزو الحديث على طريقة ابن لادن والاتجاهات المتفرعة عنه. أقصد عن طريق منظومة الإرهاب الأصولي الإسلامي والقومي الشوفيني. وهذا الطريق سيوصل شعوب"العالم الثالث" إلى كارثة لا مثيل لها في التاريخ، وإما السعي للاندماج مع الحضارة الغربية في سبيل الخروج من البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الموروثة. وللأسف فإن جميع الاتجاهات المعادية للحضارة الغربية تسمى في "العالم الثالث" بالاتجاهات الوطنية، كما تسمى الاتجاهات التي تدعو إلى الاندماج مع هذه الحضارة بالاتجاهات اللاوطنية.
السؤال الذي يطرح نفسه: أين هي الوطنية واللاوطنية في هذا الصراع العالمي وفي العمل الجاد من أجل التغيير المطلوب؟
مما لا شك فيه أن الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط قد أوصلت الناس إلى قناعة بأن الحاكم هو المغتصِب الأول للشعب، وأن الوطن بالنسبة له ولحاشيته مستعمَرة، والشعب يعيش من أجله. وقد عمم هؤلاء الحكام نظرية استبدادية تقول أن الفصل بين الحاكم والشعب أو مطالبة الشعب بحقوقه التي استلبها هذا الحاكم أو ذاك هي مؤامرة ضد الوطن. والملفت للانتباه أن كل حاكم استبدادي يختبئ وراء الوطنية، وبالتالي يجرد شعبه الذي يطالب بحقوقه من هذه الوطنية. فمن يقف مع الشعب لتحقيق هذه المطالب هو لا وطني وخائن وعميل للجهات الخارجية. يتجلى ذكاء الحاكم الشرقي هنا في معرفته أن معاداة الاستعمار في القرن الماضي وحد الشعب وراء قيادات مازالت أحياء في ذاكرة الشعوب حتى الآن، ولهذا بالذات يريد إخفاء لاشرعيته، وتفرده بالسلطة، وممارسته للاستبداد اليومي وراء هذا الشعار من أجل وضع كل من يخالفه في خانة الخيانة.
هناك من يبحث عن الخصوصية الوطنية من خلال التراث، أو من خلال الانتقائية لبعض مظاهر الحضارة الغربية ودمجها مع التراث لصياغة وطنية رثة. هذا شكل من أشكال تشويه مسار التطور، وبلغة التاجر المفلس هو البحث في الدفاتر القديمة. فهذا النمط من التفكير هو الذي أوصل بلدان الشرق الأوسط إلى الخواء الراهن في مختلف المجالات.
لا شك أن في تاريخ كل شعب حضارة أو حضارات عريقة، لكن العودة إليها من أجل المستقبل هو السير بالاتجاه المخالف لطبيعة تطور البشرية وجدلية التطور. فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن تكون العودة إلى القديم تهدف إلى العيش فيه، مهما كان هذا القديم قد جسد من حضارة عظيمة في يوم من الأيام.
لقد ساد في كل عصر مركز حضاري واحد، وعندما كانت هناك حضارتان، فإن الصراع بينهما كان ينشأ عندما كانت تسعى إحدى الحضارتين إلى العالمية، أو كانت كلاهما تسعيان إلى ذلك، وقد أدى هذا الصراع في المحصلة إلى ابتلاع إحداها للأخرى. وبغض النظر عن الحروب التدميرية، ومظاهر الإبادات الجماعية في العصور القديمة، فإن الحضارة التي كانت تفتح المجال للتطور اللاحق هي التي كانت تنتصر. وهذا ما جعل تاريخ البشرية هو تاريخ تصاعدي، رغم بعض النكسات والمراحل الإنحطاطية التي سادت هنا وهناك. لقد كانت الحضارة المنتصرة تستوعب كل العناصر الحيوية في الحضارة المهزومة، ولهذا بالذات كانت تصبح أغنى من سابقاتها.
أريد القول أن المركز الحضاري هو الذي يغير غالباً الأطراف وليس العكس، وجرى ذلك بشكل قانوني، حرباً أو سلماً، خلال التاريخ، بغض النظر عما جلب هذا التغيير من ويلات لهذا الفريق أو ذاك في المراحل الأولى.
المركز الحضاري الراهن هو الغرب، هو أوروبا وأمريكا واليابان. ولعل المقولة التي يطلقها البعض بحوار الحضارات أو صراع الحضارات ما هي إلا نوع من الخديعة. فلا يمكن أن نتحاور مع الغرب على أساس حضاراتنا القديمة التي هي مجرد تاريخ كالحضارة السومرية والآشورية والإسلامية، أمام الحضارة الغربية فهي حضارة راهنة تلبي احتياجات الإنسان المعاصر سواء في الشرق أو في الغرب، ونحن نعيش بفضلها شئنا أم أبينا، بما في ذلك الأصولي والإرهابي.
ما أقصده، كان دائماً للمركز الحضاري دوره الأكبر في تغيير الأطراف مقارنة بالعوامل الداخلية. وبالتالي فالعامل الخارجي(بالمفهوم الحضاري طبعاً) كان وما زال له الدور الرئيس بالنسبة للبلدان المتخلفة. وهناك حقيقة أخرى، فلولا ثورة أكتوبر، وظهور الدولة السوفييتية، لما قامت العديد من الدول التقدمية في "العام الثالث"، ولما تأسست الأحزاب الشيوعية في هذه البلدان، وباعتراف مؤسسيها. ورغم كل الانتقادات الموجهة ضد الشيوعيين في القرن الماضي( بما في ذلك ضد الشيوعيين العرب)، ولا شك أن قسماً هاماً من هذه الانتقادات صحيحة، إلا أن مما لا شك فيه أيضاً أن هؤلاء الشيوعيين كانوا أناساً وطنيين، أرادوا من خلال تشكيل هذه الأحزاب أن يدفعوا بشعوبهم وأوطانهم إلى التطور المتسارع لمواكبة الحضارة. لقد كانوا يضعون الحزب الشيوعي السوفييتي وما حقق من تقدم عام في روسيا نموذجاً للسير على هداه. ولهذا كانت الطبقات التي تقف ضد هذا النموذج من التطور الحضاري تتهم الأحزاب الشيوعية بأنها عميلة لموسكو. وتحت هذه التهمة جرت مجازر للشيوعيين في العديد من بلدان "العالم الثالث" وبمباركة من الغرب الرأسمالي. تماماً كما يتهم حكام اليوم في غالبية "العالم الثالث" جميع الفئات التي تطالب بالديمقراطية وحقوق الأفراد والأقليات، وسيادة سلطة الشعب بأنهم عملاء للغرب وأمريكا، وتجري محاربتهم وزجهم في السجون، وقتلهم أحياناً.
لقد خلف القرن العشرين في "العالم الثالث" حقائق لا يجوز غض الطرف عنها. فجميع الذي حكموا في هذا القسم من العالم بعد الاستقلال كانوا مستبدين، فأحزاب البرجوازية الوطنية حكمت بالاستبداد، والإسلاميون كذالك والاشتراكيون أيضاً حكموا بالاستبداد، بل كانوا أكثر قسوة أحياناً من غيرهم(بول بوت، صدام حسين). يدفعنا هذا القول إلى استنتاج مفاده أن بنية الموروث في هذا العالم الثالثي بنية استبدادية. وقد اتخذت هذه البنية الموروثة لدينا صفة القدسية مع الزمن، وبالتالي فكل ما ينتج عنها هو الآخر مقدس، بما في ذلك الاستبداد. وتعتبر محاربة الاستبداد في هذه الحالة هي محاربة المقدس. وربما هذا ما يفسر النحيب الإعلامي العربي على إعدام الدكتاتور صدام حسين.
الفرق بيننا وبين الأوروبيين هو أن الأوروبيين أزالوا القدسية عن موروثهم، ونقدوه بجرأة وقدموا ضحايا كثيرة حتى استطاعوا التحرر منه, بينما نحن في الشرق مازلنا نعبد موروثنا سواء بطريقة خرافية أو نفاقاً. وقد نتج عن ذلك هذا الإيمان البليد الذي يعتبر كل من هو خارجه يدخل في خانة اللاوطنية والخيانة والعمالة.
إن التشديد الراهن على الوطنية في الشرق الأوسط من قبل المنظومات الحاكمة لا علاقة له بالوطنية، بل هو تمويه للاستبداد والتخلف ونهب الشعوب والأوطان. أما بالنسبة لبعض القوى المعارضة التي تردد هي الأخرى هذه النغمة، ولو بطريقتها، فهي الأخرى تؤسس لمشروع استبداد مقبل، عندما تزيح هي المنظومة الحاكمة وتنفرد بالسلطة.
إذا كانت مقولة أن التاريخ يكتبه المنتصر صحيحة، فإن حكام شرق الأوسط كتبوا بدماء شعوبهم تاريخهم الاستبدادي، واختزلوا الوطن والشعب في شخصيتهم "المقدسة". فالحاكم هنا يقول أنا الوطن وأنا الشعب، ومن يقف ضدي فهو ضد الوطن وضد الشعب، وبالتالي فهو خائن.



 

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 
 
Destpêkirina malperê: 01.12.2004 / www.rojava.net - © 2004-2005

HEVGIRTINA REWŞENBÎRÊN KURDÊN ROJAVA LI DERVE
rojava@rojava.net

Design: www.hesso.de
rojava.net rojava.net_INDEX_KURDI Neue Seite 1 rojava.net rojava.net Neue Seite 1 Neue Seite 1