|
الإهداء إلى زينب جلاليان وهي
تجابه الموت وجهاً لوجه في سجنها*
مدخل
ما من أحد لا يخشى الموت، بما في ذلك
المؤمن الذي يتوقع أنه سيدخل الجنة ويعيش
فيها خالداً مخلداً. هذه الخاصية هي
المشترك البشري منذ كلغامش وحتى الآن. لكن
الحديث هنا يجري عن نوع من الموت يتم
اختياره عن رضى و قبوله بدون خوف. كأن
ينتحر العاشق لأنه حُرم من عشيقته. أو
الجنرال الذي هُزم في معركة حاسمة، أو
الغني الذي خسر مادياً خسارة كبيرة. وثمة
إجماع حول هذا النوع من الموت على أنه
تعبير عن اليأس.
وهناك حالة أخرى من الموت أكثر ندرة،
يختار فيها الإنسان الموت أو يتقبله كشكل
من أشكال التمرد والاحتجاج على واقع لا
يمكن قبوله. هذا النوع من الموت الاختياري
ظاهرة إنسانية فريدة تستحق الدراسات
العميقة. في هذه الحالة يكون للموت معنى
آخر غير المعنى الذي نعرفه ونرتعب منه.
يدخل في صلب هذا النوع من الموت ظاهرة
إحسان فتحيان** ومظلوم دوغان***، وسجناء
سجن ديار بكر في تركيا الذين أضربوا عن
الطعام حتى الموت في عهد الحكم العسكري في
الثمانينات القرن الماضي.
أريد التطرق إلى هذه الظاهرة على صعيد
التاريخ الكردي الحديث، وعلاقتها بالحق
الكردي كإنسان وكشعب، دون الادعاء أن
الظاهرة محصورة بين الأكراد.
I
عادة يعيش الإنسان حسب معايير مجتمعه، وفي
إطار هذه المعايير يسعى لأن يحقق ذاته
ويجسد حريته. ولعل الشباب هم أكثر من
غيرهم يسيرون في هذا الاتجاه برغبة شديدة.
وكانوا في كل العصور مشروع بناء وإرادة
التطلع نحو الأفضل. ولكن عندما يصطدم
الشاب بالعوائق الاجتماعية والسياسية
والحقوقية التي تضع الحواجز أمام حريته،
تتحول رغبته في تحقيق هذه الحرية إلى آمال
تسعى لتجاوز تلك العراقيل. عندئذ يبدأ
برسم آفاق أرحب، يمكن أن تشكل الفضاء الذي
يقدر فيه أن يكتشف وجوده الإنساني الحر.
هذه الآمال تدل على أن التعايش مع هذا
الواقع غير ممكن. فيتمرد عليه بقوة، ويسعى
لإزاحته عن كاهله وكاهل غيره. لكن سرعان
ما يكتشف أن المسألة ليست بهذه السهولة،
وأن هذا الظلم يملك قوة القانون، وله
قضاته وبوليسه وسجونه. عندئذ يضطر أن يفكر
خارج هذا القانون، ويعتبره قانوناً
باطلاً، لأن الظالم هو الذي أقره ضد
المظلومين. يعتقد المتمرد أن الالتزام
بهذا القانون يعني الاستسلام للظلم
والخضوع للظالم. من هذه المعادلة يأخذ
شرعية تمرده على القانون وعلى الظالم
وجميع مؤسساته.
تبدأ بوادر هذا التمرد عندما يصيغ تطلعه
للحرية على شكل مبادئ وأهداف أولية تمكنه
من البحث عن وسائل للقضاء على الظلم.
جاء في رسالة إحسان فتحيان قبل
إعدامه:(لقد ولدت في كرمنشاه كأحد مواليد
البشرية، وبدأت بالحياة فيها وشعرت فيها
بالظلم والقمع، ولهذا بحثت كثيراً عن
السبل من أجل التخلص من هذا الوضع).
وهكذا، فقبل أن يتمرد الإنسان على الظلم
يدخل في حوار داخلي طويل إلى أن يصل
لنتيجة وحيدة بأن لا خيار عنده سوى التمرد
على هذا الظلم. قال إحسان فتحيان في
رسالته:(..ولكن مع الأسف كل السبل كانت
مغلقة أمامي، ولهذا اضطررت ...).
في الحقيقة كلما يشتد الظلم والاضطهاد على
الإنسان، كلما يتعمق هذا الحوار الداخلي،
ليتجاوز حالته الفردية إلى المجموع.
وبالنتيجة يظهر أمامه طريقان، إما أن
يستسلم للظلم والاضطهاد ويتعايش معهما،
وبالتالي يجد مكاناً له بين قطيع
المستسلمين. وإما أن يتمرد ويقول "لا".
عندما يقارن الشاب في هذه الحالة بين كلفة
الاستسلام وكلفة قول "لا" يجد أن كلفة
الاستسلام باهظة ومن المستحيل أن تتقبلها
نفسيته التواقة للعدل والحرية. وهذا ما
فعله إحسان فتحيان.
لهذا التمرد خلفية فكرية عميقة تعرض لها
كبار المفكرين العالميين. وقد كرس ألبير
كامو كتاباً كاملاً حول مسألة التمرد
بعنوان "الإنسان المتمرد". نقرأ في هذا
الكتاب أن العبد يقول لسيده "لا" لأنه يصل
إلى درجة (أن ما يجري لم يعد قابلاً
للتحمل). بمعنى آخر (أن الأمور استمرت
أكثر مما يجب)، وأنها (كانت مقبولة حتى
هذا الحد، ومرفوضة فيما بعده).
صحيح أن إحسان فتحيان لم يكن مفكراً ولا
فيلسوفاً. وكان ما يزال طرياً على مختلف
الصعد. لكن الإنسان العادي قد يجسد فكرة
فلسفية من خلال سلوكه أكثر مما قد ينتجها
فيلسوف. لقد توصل هذا الشاب إلى نتيجة أن
ما يقوم به النظام الإيراني ضد بني جلدته
خرج عن حدود التحمل، على الأقل حدود تحمله
وتحمل رفاقه. وكان لا بد أن يخرج من
مدينته التي يعشقها، ليتمرد على الاضطهاد.
لقد برزت المقاومة عنده الوسيلة الوحيدة
لإعادة العدل لوجوده ولوجود شعبه، فهي
الطريقة الوحيدة إلى الحرية، والتحدي
الممكن لواقع ما عاد بإمكانه تحمله. وهكذا
جسد إحسان فتحيان في خياره هذا ضمير
الإنسان الكردي الذي تُسحق إنسانيته تحت
ظلم الأنظمة الاستبدادية. هذه الأنظمة
التي تريد دفن الإنسان الكردي في حفرة
اليأس الكامل، وإجباره لكي يتخلى نهائياً
عن التفكير بخصوصيته القومية، ويتعود مع
الزمن على العبودية كمصير محتوم لوجوده.
في هذه الحالة تحمل كلمة "لا" المعنى
الأعمق للحرية.
II
إن تاريخ البشرية مليء بمظاهر الظلم منذ
العصر العبودي، وبالتوازي مع هذا الظلم،
فهو حافل بالتمردات أيضاً. صحيح أن تطور
المجتمع البشري قد لفظ الكثير من مظاهر
الظلم، ولكن في الوقت نفسه أظهر مظاهر
جديدة منه.
في الحقيقة أن الظلم الواقع على الكردي
مازال يعود إلى عصور سابقة. فالأنظمة التي
قضمت كردستان تتعامل مع الكردي على أنه
مجرد حجر في بناية. فكما لا نطلب من الحجر
أن يختار مكانه في البناية، لا تقبل هذه
الأنظمة أن يكون للكردي(كشعب) خياره في
كيف يعيش وعلى أي مستوى تكون العلاقة مع
محيطه غير الكردي. فجوهر المسألة إن لا
يكون له حق الحرية، كما ليس للعبد هذا
الحق. وعلى هذه القاعدة اُستبيح الدم
الكردي بنفس الرخص الذي كان يستباح فيه دم
العبد.
في تاريخ الحركة الكردية الحديثة لم ينتفض
الكردي ضد الاضطهاد والتمييز الممارسين
عليه كإنسان كردي فقط ، بل كان أحد أسباب
انتفاضاته أن المُسيطر عليه سعى دائماً
لاجتثاثه من المكان. فالمُسيطر يريد أن
ينسى الكردي اسم كردستان، اسم مدينته،
قريته، أو أي اسم يدل على هويته. لقد قام
بترحيله من قراه، وغير أسماء أمكنة
تواجده. ولعل العمل الأكثر فظاظة هو حرمان
الكردي من أن يطلق الأسماء الكردية على
أولاده. لقد كان تغريب المكان(حسب تسمية
سليم بركات) قاسياً على الكردي بنفس مستوى
تغريبه من حقوقه.
يدرك الكردي العادي، مثل الكردي الواعي،
أن ما قامت به الأنظمة القاضمة لكردستان
من تغير أسماء المكان، وحرمانه من أن يحمل
اسماً كردياً، هو نوع آخر من الحكم عليه
بالموت. فالهدف من هكذا عمل هو اجتثاث
الكردي من المكان واجتثاث المكان منه.
وبالتالي القضاء على البقية الباقية من
ذاكرته التاريخية. الغريب في الأمر أن
الاستعمار الغربي، وهو استعمار، لم يقم
بهذا العمل. عندما نعود إلى الخرائط
الفرنسية عن سوريا في عهد الانتداب، نجد
أن جميع المواقع تحمل نفس الأسماء التي
كانت متعارف عليها بين الناس عندئذ.
إن العلاقة الوجودية بالمكان ظاهرة
إنسانية، فكما أن الإنسان لا يعيش في
الفراغ، فإنه غير قادر أن يعيش عندما
يُسلب منه المكان. صحيح أن الاسم بحد ذاته
لا يعني الشيء الكثير في الحالات العادية،
وهناك بلدان ومدن عريقة تغيرت مع الزمن
أسماؤها. غير أن ذلك حدث ضمن مسار تاريخي
طويل. أما ما تقوم به الأنظمة القاضمة
لكردستان هو عمل يجري عن سابق إصرار، يهدف
من خلال تغير الاسماء إلغاء وجود كيان
بشري بالكامل. فهذه الأنظمة لا تكتفي
بإعدام الكردي، بل تقوم بإعدام تاريخه
أيضاً.
لقد قرأنا في الأدب العالمي، ولا سيما في
الشعر أن كبار الكتاب والشعراء أعطوا
مكانة خاصة لاسم المكان الذي ولدوا فيه.
وهناك شعراء سموا دواوينهم بأسماء قراهم.
بكلمة أخرى كان الحنين للموطن مبعث نتاج
أدبيي رائع.
في الحقيقة لا يمكن للإنسان أن يتمرد على
الظلم إذا لم يكن لديه انتماء عميق لمجموع
المظلومين الذين يعانون ما يعانيه، كما لا
يمكن أن يتمرد إذا لم يكن لديه انتماء
عميق للمكان الذي يحوي تاريخه. فالانتماء
للمجموع والحب للمكان يزيدان من قوة
التمرد على الظلم، ويعززان من إرادة
المقاومة والكفاح.
III
ما ميز فتحيان عن غيره من الشباب الكرد،
أنه وقع في حالة الخيار بين مصلحته كفر
وحقه كمجموع، أيهما يختار؟. ففي مصلحته
اكتشف تطلعه الفردي في العيش بأمان، أما
في حقوقه فقد وجد حقوق شعب كامل يتعرض
للانقراض. لقد تغلب حق المجموع عنده على
مصلحته الفردية. وهذه إحدى الحالات
الإنسانية التي يلتحم فيها الفرد مع
المجموع.
في أوروبا المتحضرة يرصدون مبالغ طائلة من
أجل الحفاظ على حيوان نادر خوفاً من
الانقراض. بينما في الشرق ترصد الأنظمة
الاستبدادية كل إمكانياتها البشرية
والمالية لفرض الانقراض على شعوب بكاملها.
يا له من تفكير بدائي!. إن شعباً يتمرد
على هذا التفكير البدائي، مهما كان
متخلفا، يجسد قيماً حضارية أكثر من هذه
الأنظمة الشرقية المستبدة بكل تأكيد.
أعود إلى إحسان فتحيان لأقول أنه في تاريخ
الشعب الكردي المعاصر يوجد أكثر من إحسان
فتحيان جابه الموت كشكل من أشكال قول "لا"
في وجه الطغاة. ففي الأربعينات من القرن
الماضي انتفض أكراد العراق. وبعد فشل
انتفاضتهم نتيجة التحالف بين الانكليز
والحكم الملكي، جرى اعتقال وإعدام مجموعة
من الضباط الكرد. جابه هؤلاء الموت بشجاعة
منقطعة النظير. ففي كلماتهم قبل الموت ما
يلفت الانتباه. قال النقيب مصطفى خوشناو
موجهاً بكلامه إلى جلاديه: (.. أنا فخور
لكوني أعي أن اسمي سيبقى خالداً في ذاكرة
أبناء جلدتي ولن يطويه النسيان وسيكون
بمصاف أسماء أولئك الذين ضحوا بحياتهم في
سبيل عظمة وسعادة كردستان). وقال الرائد
عزت عبد العزيز: ( أن شجرة الحرية مغمسة
بدمي وبدم رفاقي. عندي أمل بأنها ستزهر
قريباً زهور الحرية والسعادة في وطني).
كما أن مظلوم دوغان* انتحر في سجن ديار
بكر احتجاجاً على الممارسة التي كان
السجانون يمارسونها معه ومع زملائه. لقد
كان انتحاره يتجاوز نضاله من أجل حقوق
شعبه. كان يعتبر من الطبيعي أن يقوم
النظام التركي المتنكر للشعب الكردي بسجنه
هو ورفاقه. ولكن أن يتعامل السجانون معهم
بوحشية غير قابلة للتحمل من قبل الكائن
البشري، هو الذي دفعه للانتحار. لقد كانت
حالة من الحالات النادرة التي يتحول فيها
الموت إلى الاحتجاج.
لاشك أن هناك أشكال مختلفة من مقاومة
الظلم والاضطهاد في تاريخ البشرية. ولكن
عندما يُحرم المظلوم من أي شكل من أشكال
التعبير لرفض الظلم، ويُجرد من إنسانيته،
يتحول الموت عندئذ إلى آخر ما يستطيع
المقاوم أن يقوم به لكي لا يحقق الظالمون
انتصارهم عليه. صحيح أن الموت ينهي
المقاوم جسدياً وعملياً، ولكن في الوقت
نفسه تنتقل فكرة المقاومة إلى داخل نفسية
الطاغية، لتمارس هذه المرة عملاً كفاحياً
داخل دماغه. إن شراسة الطاغية ضد المقاوم
تكشف مدى خوفه منه. فعندما يموت المقاوم
دون أن يستسلم، يصبح الخوف رفيق الطاغية
حتى في نومه، وتراوده هواجس انهيار سلطته.
عندئذ يقف الطاغية هذه المرة وجهاً لوجه
أمام أفكار الموت. ويبين التاريخ أن
الطغاة كانوا أكثر جبناً أمام الموت عندما
جُردوا من سلطتهم مقارنة مع أولئك الذي
تعرضوا للموت في ظل استبدادهم.
يقول ألبير كامو في كتابه السابق الذكر:"
الحقيقة أن الفرد إذا قبل الموت، ومات في
الوقت الموافق في حركة تمرده، فإنه يدلل
بذلك عن أنه يضحي بذاته في سبيل خير
يعتبره أنه يتجاوز مصيره الخاص".
وهكذا، عندما رفض إحسان فتحيان أن يسحب
الجلاد الكرسي من تحت قدميه، وقام بذلك
بنفسه، فإن هذا العمل ليس مجرد شجاعة قصوى
وشهامة، بل يكشف أن المقاوم يفضل الموت
اختيارياً من أجل الحق الذي بسببه يعدم.
لقد وضع الحق فوق مصيره الذاتي، ليكون
عمله هذا آخر رسالتين يبعثهما إلى الجهات
المعنية. الأولى إلى شعبه، بأن حقه
المستلب يستحق هذا المصير، والأخرى إلى
النظام الإيراني بأن التمرد عليه حالة
إنسانية أكثر من دفاع عن حق شعب.
كان انتحار مظلوم دوغان، وقيام إحسان
فتحيان بدفع الكرسي من تحت قدميه بنفسه
الصرخة الأخيرة لقول "لا" بوجه الطغاة.
لكنها صرخة مدوية في الحياة طالما بقي
الظلم فيها.
الجدير بالاشارة أن هذه الظاهرة عند
الأكراد لم تكن حالة فردية فقط، بل تجاوز
ذلك إلى حالات جماعية اشتهربها سجن ديار
بكر. عندما قام المناضلون الكرد في هذا
السجن بالإضراب عن الطعام حتى الموت، ومات
بعضهم نتيجة هذا الإضراب.
قد يتساءل البعض لماذا يقوم المناضل
بهكذا عمل، مع العلم أنه أكثر من غيره
حباً للحياة. إن تحليل هذه الظاهرة ليس
مستعصياً على الفكر البشري. فعندما يُجرد
الإنسان من كل مظاهر إنسانيته، ويعزل عن
المجتمع وعن العالم، لا يبقى أمامه سوى
هذا الشكل الوحيد لأن يقول "لا" لسجانيه.
في هذه الحالة يجري صراع حاد بين السجان
والمقاوم. صراع يجري في مكان وزمان غير
متكافئين بالنسبة لكل منهما. فالسجان يملك
كل أسباب السيطرة على المسجون، حتى
إنهاءه. بينما المسجون لا يملك سوى وسيلة
التحمل لكي لا ينكر ذاته. وكلما صمد
المسجون وأظهر للسجان بأنه مستعد للموت،
كلما شعر السجان بالإهانة والهزيمة.
فالسجان يريد أن يرى المسجون مرعوباً
مستسلماً يتضرع له. وعندما لا يتحقق له
هذا الأمر، فإنه يشعر بالخزي، وبذلٍ داخلي
يكشف له أن ما يملكه المسجون من قيم هي
أعلى منه ومن وسائل تعذيبه. يدرك السجان
في هذه الحالة أن المقاوم لن يسمح للسجان
أن يجتث ما في داخله مهما استعمل من وسائل
وحشية. وأن ما في داخله له أهمية عنده
أكثر من عذابه وموته. يقول بير كامو:
"لماذا يثور الإنسان لو لم يكن هناك في
ذاته شيء يستدعي الصيانة". إن المقاوم في
مجابهته للموت بشجاعة يبين للسجان أن ما
في داخله قضية عادلة لا يمكن المساومة
عليها.
عندما ننظر إلى حالة إحسان فتحيان ومظلوم
دوغان وسجناء ديار بكر سنتوصل إلى فكرة
جوهرية أن هؤلاء المقاومين حدثت لديهم
حالة صوفية من التوحد مع قضيتهم. حالة
تتجاوز الانتماء الحزبي والايدولوجيي. لقد
تصلوا إلى قناعة أن استسلامهم وانهيارهم
أمام الموت يتجاوز حالتهم الفردية ليصبح
استسلاماً وانهياراً لشعب بكامله. وهم لا
يقبلون ذلك بأي وجه من الوجوه، لذا جابهوا
الموت بشجاعة.
أن الوصول إلى هذه الحالة لا يتطلب
بالضرورة ثقافة عالية، كل ما في الأمر أن
المقاوم ينتقل من حالة "أنا" إلى حالة
"نحن". والتاريخ البشري مليء بهذه النماذج
من المتمردين، مثل سبارتاكوس**** في
اليونان القديمة ورازين في روسيا*****.
في الفكر الوجودي يأتي التأكيد على الذات
من خلال ممارسة الحياة بحرية ، لأن الموت
هو العدم. أما في حالة المتمرد والمقاوم
يتحول الموت إلى شكل آخر من استمرارية
الحياة. المقاوم يريد أن يؤكد للطاغية بأن
هذا الموت هو دلالة على وجود كيان إنساني
يخشى منه الطاغية، وأن هذه المعاملة بحقه
يكشف عدالة قضيته، وبالتالي يزيده كل ذلك
التصاقاً بقضيته. فالمقاوم يرى في موته
مستقبلاً آخر يتجاوز حياته. وهذا ما عبر
عنه إحسان فتحيان عندما قال في رسالته:
(إذا كان المستبدون الظالمون في أنهم
بقتلي سيقضون على قضية كردستان والأكراد،
فذلك خيال أجوف، هم بقتلي بل وبقتل آلاف
الشباب من أمثالي لن يستطيعوا إطلاقاً
تحقيق هذا الهدف، فكل موت يجلب معه حياة
جديدة).
قد لا ندين المعتقل الذي ينهار تحت
التعذيب الجسدي والنفسي. فالإنسان له حدود
للتحمل، وعندما يُمارس بحقه تعذيب وكأنه
حيوان فمن الطبيعي أن ينهار، وحتى هذا
الانهيار شكل تراجيدي للإدانة، لأنه دلالة
على أن الظالم لم يعد إنساناً. وقد عبر عن
هذه الحالة خير تعبير ممدوح عدوان في
كتابه "حيونة الإنسان". إن المتعة التي
يحصل عليها السجان من خلال استسلام
السجين، هي غريزة حيوانية. ولا عجب هنا أن
تنهار غريزة الإنسان أمام غريزة الحيوان.
لكن الذي يرفض الاستسلام حتى في هذه
الحالة، ويرضى بالموت، هو الذي لا يقبل أن
تنهار الغريزة الإنسانية أمام الغريزة
الحيوانية.
__________
*.زينب جلاليان هي صاحبة النداء التالي:
نداء عاجل الى منظمة حقوق الانسان
اني المواطنة الايرانية .كردية القومية
وادعى زينب جلاليان وابلغ من العمر 27
عاما ؟ لقد صدر بحقي حكما بالاعدام من قبل
المحكمة الايرانية العليا . حيث انني
سجينة سياسية في سجن ايران وقد تعرضت
للتعذيب والضرب الجسدي المبرح. كما لم
يعين لي محامي للدفاع عني. وفي جلسة
المحكمة الاخيرة صدر بحقي حكم الاعدام
شنقا وقد طلبت من القاضي كرجاء وطلب اخير
ان اودع والدتي واسرتي ولكن القاضي رفض
طلبي وقال لي اخرسي . كلي رجاء ان تحاولوا
مساعدتي .
26/11/2009
زينب جلاليان - ايران.
**. إحسان فتحيان هو شاب كردي قامت
السلطات الايرانية بإعدامه في الشهر
الماضي.
***.تعرض مظلوم دوغان لتعذيب قل مثيله في
السجن المركزي في ديار بكر، لكن الدولة
التركية لم تتمكن من الحصول على أية
معلومة منه ، كان مصدراً للمعنويات
للمعتقلين الآخرين في السجن حيث غير مجرى
الأحداث في السجن . احتفل بعيد النوروز في
سجنه عبر إشعال ثلاثة عيدان ثقاب ثم أضرم
النيران بجسده حتى استشهد في 21 آذار
1982.
****. سبارتاكوس
Spartacus
العبد الذي خاض الثورة ضد الرومان التي
سميت ثورة العبيد الثالثة(ت في عام 71
ق).حيث اسر وبيع كعبد لاحد الرومان الذي
كانت لدية مدرسة لتدريب العبيد لاستخدامهم
كممبارزين ومصارعين في حلبات خاصة تقام
لاجل المتعة. ثار هو والعبيد الاخرين
الذين كانوا معه. والحقوا هزائم عديدة
بالجيش الروماني إلى ان قتل في اخر معركة
وبموتة انتهت الثورة وصلب العبيد الاخرون
في الساحات العامة.
*****. رازين قاد انتفاضة الفلاحين ضد
نظام القنانة في روسيا، أعدم عام 1671.
|