|
بدأ صيف 2001 يجر أذياله
مولياً الأدبار، بحره
القائظ ونهاره الطويل
والممل والانكى من هذا
وذاك لسعات البعوض التي
لا ترحم. إنسحب فاسحاً
المجال أمام فصل الايام
الاخيرة من الاعمار؛ فصل
الخريف الذي لا يذكرنا
إلا بتساقط أوراق
الأشجار وإصفرار الطبيعة
برمتها وتقلب المناخ. هذا
الفصل، هو المحطة الأخيرة
من إنقضاء سنة كاملة من
عمرنا، من ليل ونهار،
مصاعب وإشتباكات، بطولات
وشهادات وحياة وموت. إنها
ليست شهور عادية مثل بقية
شهور الله المتناثرة
كعرانيس الذرة، بعضها
يابس والبعض طري وآخر
ناضج وإنما هي مصفاة
لغربلة وفرز أعمالنا
وأفعالنا وتقويم لقلب
الصفحات الاخيرة من
مسيرتنا السنوية، وبالأخص
لرفاق الكريلا.
لم تكن هذه المعاني كلها
تهم الرفيقة تارا في شيء،
لأن إنضمامها لم يكن
يتجاوز أياماً معدودة،
عندما إمتطينا صهوة
الزمن، لنسابق الثلوج
والأمطار ونباشر بجلب
وقود للتدفأة وأرزاق فصل
الشتاء. أما بناء أو حتى
تعمير المجموعات التي
سنسكن فيها فلا تسأل..!
لأنه يتحول الى عرس
القروي من الصخب والضجيج،
ولكي تكتمل الصورة أكثر؛
نبدأ كخلية نحل لا تعرف
الكلل أو الملل. كل رفيق
في العمل المخصص له يسير
وفقها، كعبوره الصراط
المستقيم، لأن أي هفوة أو
تقاعس سيدخله في الاجندة
اليومية أو حتى الاسبوعية
ويصبح مادة دسمة
للتعليقلات والتقريعات أو
ما يسمى بلغة الكريلا
(النقد السياسي). يلبسك
كل واحد منهم قبعة أو
معطفاً وذلك على ضوء تلك
الهفوة، لكن حتما ستكون
حسب المقاس تماماً، فحتى
المزاح له حدود ومقاييس،
لأنه بحد ذاته فنٌ
والجميع فنانين، لإتقانهم
خصوصية التعامل مع المحيط
وخبرتهم في معرفة ودراسة
وتحليل النفسية المقابلة
وعدم خروجهم عن عادة
وأعراف الأنصار المعروفة.
تنصلت تارا من رفيقاتها
وتوجهت نحو مجموعة
الادارة لترى سوباي"
المناوب" اليوم؛ الرفيق
دوغان وتتحدث معه، وما أن
خطت عدة فرسخات حتى شهدته
قادماً نحوها فبادره
بالسؤال:
مرحباً رفيق دوغان، هل
أنت صوباي اليوم..؟
أهلا رفيقة تارا، لا أفكر
أن اصبح لا صوبا ولا
مدفأة، فلدينا أعمال
كثيرة سنقوم بها اليوم.
أعتذر، لم أقصد ذلك، ولكن
مازالت هناك بعض الكلمات
ثقلية على لساني، ولم
أتعود عليها بعد.
لا يهم، إني أمزح فقط، هل
هناك ما تودين قوله..؟
أجل، أولا أريد أن اوجه
لك نقداً ثم أقتراح،
طبعاً إذا سمحتَ ليّ.
أما النقد فلا أظن وذلك
لسببين، أولاً تشاهدين
بأم عينيك بأني خرجت من
إجتماع الادارة تواً، وقد
أخذت ما فيه الكفاية من
لدغات ولسعات وأسواط
تكفيني هذا اليوم بأكمله.
وثانياً لأنك شبهتيني
بالصوبا أو المدفأة وأخاف
من نقدك ان يسطم منافذي
وبالتالي يلوح الدخان من
افقي ، فالاجدى ان أسمع
إقتراحاتك أولا ومن ثم
لم أقصد شيئاً يارفيق
دوغان، ولكني رغبت أن
أسال لماذا لا ترسلوني
الى المهام البعيدة، مثل
بقية الرفاق. إن حزبنا
مبني على الجهد والعرق،
هذا ما أكدته لي الرفيقة
زيار البارحة، وأنا اريد
أن تعاملوني مثل بقية
الرفاق القدامى فقط.
عندما يأتي الرفاق من
المهام البعيدة منهمكين
من التعب والسير، نبدأ
جميعاً بغلي الشاي لهنّ
وثم طهي الطعام وبدورهم
ما أن يجف عرقهم حتى
يبدأون بالضحك وسرد ما مر
معهم من قفشات ومفاجآت.
صدقني إني لاحظت أنهنّ
عند العودة، تتضاعف
شهيتهم في شرب الشاي
أيضاً، وكأنهنّ كلما
تعبنّ ازددنّ إرتياحا
ومسرة. إني حتى الآن ضمن
اللاتي يحضرن الشاي
والطعام دائماً، أنا
مرتاحة جداً لخدمة
رفيقاتي ولكن أتمنى أن
أذهب أنا أيضا في مهمة
وأتعب وأعرق، لأحس بنكهة
هذه الروح الرفاقية، ولكي
أسرد أنا أيضا ما يمر معي
للرفيقات.
- لا أعرف من أين تأتون
بهذا الكلام وكيف تلاحظون
هذه الاشياء، ضمن هذه
المدة القصيرة؛ أنتم
الرفاق الجدد. حسناً
يارفيقة: يبدوا ان طلبك
مجاب، فالإدارة قررت
اليوم أن تذهبي مع
الرفيقة بريتان في مهمة
تنظيمية الى القرية،
فأخبري رفيقتكي بدلاً
عني، وكونا جاهزتين
للانطلاق بعد ساعة من
الآن.
- هل ما تتفوه به صحيح أم
أني أتوهم ذلك..! هل صحيح
ما سمعته يارفيق دوغان..؟
- أجل يارفيقة تارا صحيح،
ولا تنسوا المرور
بالرفيقة سيلفان، لأخذ
التعليمات ومعرفة نوعية
المهمة.
- لا ..لا بالتأكيد لن
أنسى. شكراً، أشكرك
كثيراً وسأذهب حالاً
لابشر الرفيقة بريتان
بذلك.
بات الزمن يلعب دورته،
يتكبر ويخجل من تمرير
ساعته تلك، فالثلج
المتوقف عن الهطول منذ
ساعات صباح الاولى عاود
الغزو وبغزارة. وكأن
الطبيعة ليست امها
الاولى، فكيف تعرقل تنفيذ
حلمها الذي طالما تمنته؛
بالذهاب في مهمة رسمية
بثياب الكريلا والبندقية
المعلقة على كتفها الى
الشعب، هل سيقوم هذا
الثلج اللعين بعرقلة
مهمتها الاولى..؟ وعندما
استدارت الى الرفيقة
بريتان لتتفحصها وتتاكد
ما اذا كانتا ستذهبان ام
لا، استعجلتها بريتان
قائلة
- هيا بسرعة يارفيقة
تارا، يجب أن نكون حالاً
عند الرفيقة سيلفان لأخذ
التعليمات ومعرفة القرية
ونوع المهمة التي سنذهب
إليها.
عجزت الرفيقة سيلفان عن
إقناعهم بسوء الأحوال
الجوية وصعوبة المسير،
ولم تعد تملك أمام
إصرارهما لتنفيذ المهمة
في وقتها، إلا أن تقول
لهم بعد تلقينهما بالواجب
فعله والجهة المقصودة:
أنتما مناضلتان ثوريتان
وهذا يزيد من أعباء
وحساسية المهمة الموكلة
اليكم، أنتما طليعة الشعب
ورائداتهما وبنفس الوقت
قوات حماية الشعب، فكونا
لائقات بذلك.
سارعت تارا بالخروج من
الإدارة قبل رفيقتها، حتى
لا تندم الرفيقة سيلفان
وتتراجع عن قرارها. هبطت
الجبل مهرولة، تقع أحيانا
وتتدحرج أحيانا اخرى
وبريتان تراقبها حتى دبت
فيها الحماسة هي أيضا
وبدأت هي الاخرى بالتزحلق
على الثلج، فالاثنتان لم
تتما العشرين بعد.
عشيقتان تسرحان في تلك
الوديان وسكرة العشق
أنستهم خبايا النفوس
الخبيثة، لا يبصرون في
الدنيا غير عشيقتهم
بهضابها وسهولها وجبالها.
إثنتان تسرعان الخطى نحو
جبل القاف، لينضموا إلى
مجلسها ويوسعوا من حلقة
أربابها. وعلى مقربة من
القرية بعد مسيرة خمس
ساعات نادت بريتان قائلة:
- مهلاً يارفيقة تارا،
فنحن الأن على مشارف
القرية ولا يليق بنا أن
يرانا أحد ونحن نلعب هكذا
وبهذا الشكل.
- أجل يارفيقة بريتان هذا
صحيح. رجاء، إنتظري دقيقة
حتى اصلح من هندامي
وشكلي.. رفيقة بريتان
فوهة سلاحي إمتلئ بالثلج
هل سيؤثر هذا على
إستعماله..؟
- لا تهتمي، إحملي السلاح
بشكل معاكس وسوف يخرج من
تلقاء نفسه حتى نصل الى
القرية وننظفيه هناك
بقطعة قماش جافة.
ما أن وصلتا، حتى إستنفرت
القرية عن بكرة أبيها،
نساءاً واطفالاً وشيوخاً
وفتيان، فالرفاق لا يأتون
في كل الأوقات. استضافتهم
ام الشهيدة دلال وهي
تهلهل وترحب بهما حتى
أوصلتهما إلى دارها. لم
تكن ام دلال ترضى أن يذهب
الرفاق الى أي بيت كان في
القرية قبل المرور بها
وتناول الطعام وشرب الشاي
عندها، لأنها ترى دلال في
حبيبات العرق المتصبب من
جبينهم وضمن أحادثيهم
التي تخلو من الملل
والانا. بات مجيء الرفاق
إليها جزء من حياتها،
فعندما ترغب بطهي طعام
مميز ودسم، تننظرهم لأيام
متواصلة أو على الأقل
تخبأ لهم نصيبهم لأيام
الى أن يحضروا أو يتعفن
الطعام وترميه. هذه المرة
كانت ام دلال في لهفة أشد
لرؤية الرفاق لكي تعرفهم
بكنتها الجديدة، ولكن
توقيتهم لم يكن صائباً
هذه المرة فكنتها وحسب
الأعراف والتقاليد
المتداولة ـ بعودة
العروسة بعد سبعة ايام من
الزفة الى بيت ابيها ـ لم
تكن موجودة في المنزل.
ولكن هيهات أن تضيع ام
دلال الفرصة فقد أخذت
الرفيقتين ممسكة بأيديهما
الى غرفة العروس، لتفرجهم
على الأثاث والسواق التي
جلبتها معها. ما أن دخلت
الرفيقة تارا الى غرفة
العروس حتى لمحت
الاكليل(الطرحة) معلقاً
على الشماعة فتناولته
قائلة:
أ تعلمين يا أمي أن معنى
إسمي هو إكليل العروس.
كانت أمي تنتظر أن أرتديه
بفارغ الصبر، لأنني
صغيرتها.
- لا تأبهي يابنتي إن شاء
الله ستتقلدين الطرحة
يوماً.
الرفيقة تارا(ضاحكة
وخجلة):
لا.. لا يا أمي لم أقصد
ذلك، فأنا إنضممت الى
الحزب لأني لم أرضى أن
أكون عروسة لأي أحد، لقد
قررت وبكل فرح أن أكون
عروسة الكرد، أليس شيئاً
عظيماً أن تصبح الفتاة
عروسة شعب بأكمله عوضاً
عن شخص واحد.
- حياك الله يابنتي،
فدلال
أم دلال
أم دلال العدو
يقوم بتمشيط واسع والقرية
محاصرة من جميع الجهات.
إنهم على وشك الوصول،
تصرفي إعملي شيئاً، حاولي
إخباء الرفيقات بسرعة.
اندهشت تارا بالبرهة
الاولى من الخبر الصاعق
ولكن الرفيقة بريتان
تداركت الامر ولم تجعل
المبادرة تخرج من يديها،
فقالت لام دلال:
- أمي هل تستطيعين أن
تخبأي تارا في مكان آمن
والحفاظ عليها حتى إنتهاء
التمشيط.
- أجل يابنتي، فسأقول لهم
بأنها كنتي العروس. ها..
ها.. تذكرت فحتى بطاقتها
الشخصية هنا ولكن يجب أن
لا تتكلم، فلهجتها
الصورانية سيفضح أمرنا
إذا خالفت ماأقوله لها.
- حسناً يا أمي، تصرفي
كما يبدو لكِ مناسباً ولن
تخالف الرفيقة تارا لك
أمراً، أليس كذلك يارفيقة
تارا ..؟ حاولي عدم
الإبتعاد عن سلاحك
والإنتباه لنفسك. ولكن
أنت، أين ستذهبين ، ماذا
ستفعلين..؟
- لا تأبهي فأنا أعرف كيف
وأين سأختبأ، حاولي أن
تكون أعصابكِ باردة قدر
المستطاع.
غادرت بريتان منزل أم
دلال ولم تبقَ غير تارا
في غرفة العروس، فجلبت
لها أم دلال فستان طويل
ورجتها أن تلبسها
للتمويه. لم تعارض ذلك
ولكن بشرط أن تبقي على
نفسها ثياب الكريلا مع
حزامها العسكري ومخازن
سلاحها وقنبلتيها. وافقت
ام دلال على مضض، عندما
لم ترَ من الامر مفر وبعد
أن إطمأنت عليها، غادرت
الغرفة لترى أوضاع
القرية. كان الفستان الذي
لبسته تارا أبيضاً، مما
أثار في نفسها رغبة بوضع
ذلك الاكليل على رأسها
والتوقف أمام المرآة. لم
يعجبها ذلك الفستان،
فاحست برغبة شديدة في قلع
ذلك الفستان ورؤية
الأكليل على رأسها وهي
بالآلبسة العسكرية
ومتمنطقة الحزام وكامل
عدتها العسكرية وسلاحها
على كتفيها.
كانت فكرة سخيفة ولكن
راقت لها كثيراً وسرعان
ماشعرت بتفاهة الفكرة
والاحساس بالذنب
لإرتكابها عمل لا تظن
أنها من حقها، وخافت من
تقريعات الرفاق إذا
علموا. رمت الاكليل وخبأت
سلاحها جيداً بعد ان
جففته تماماً خلف الباب
ووضعت المكنسة عليه
للتمويه وعندما تراجعت
خطوتين وتفحصت مكان
السلاح لم تطمأن ولذا
حملت السلاح ووضعته في
سلة المهملات ووضعت
المكنسة فوقه وعندها فقط
إرتاحت.
ما كادت تارا تجلس على
الفرش وتتكأ على الأريكة،
لتريح بدنها وتصفي ذهنها
وتعيره حسب مستجدات
الأحداث، حتى سمعت صوت
عويل وصراخ ونواح. إنتفض
صدرها وبدأت ضربات قلبها
بالتسارع. عجباً مالذي
يحدث خارجاً..! لمْ
تتمالك نفسها فخرجت
الىعتبة الدار ويا هول ما
رأت؛ جنود مدججين بالسلاح
منتشرين كالذباب في كل
مكان ويتوسطهم في الحلقة
المغلقة رجل في خريف عمره
من المؤيدين البارزين
بالإضافة كونه والد رفيق
ويسير فعاليات الحزب
بالمنطقة. يكيلون له
الضربات والشتائم وهو
واقف لا يتحرك، يداه
مرتاحتان على جانبيه، لا
يقي نفسه الضربات
المبرحة. رأسه مرفوع
وعيناه ممعنتان في
الطبيعة اللا متناهية
وكأنه يرتاح وبنفس الوقت
يستهزء بهم، لأنه لن يبوح
بشيء عن الرفاق.
لم تعد تارا تدرك مالذي
يجب فعله، فاذا تدخلت
بشكل سلمي لهجتها
الصورانية سيثبت أمرها
وإذا إستعملت سلاحها،
فالاحتمال الاكبر هو حدوث
مجزرة في القرية. كل صفعة
تعرض له ذلك الوطني، كان
سكيناً ينغرس في فؤادها.
كل إهانة؛ هي التي تحس
بها أكثر منه، فيتقطع
أوصالها وتحس بمرارة الذل
والهوان. تذكرت أخر جملة
تفوهت بها الرفيقة
سيلفان، أنتم مناضلتان
وهذا يضع علىعاتقكم مهام
مضاعفة يجب أن تكونا
لائقتين بشعب القائد آبو.
عجباً..! كيف ستوفق في
مهامها الثورية
والنضالية..؟ كيف ستحمي
الشعب، أ ليس هؤلاء
القرويون هم المَعنيون
بكلمة الشعب..؟ وحاولتْ
أن تضع الرفيقة زيار أو
زوزان مكانها. عجباً ماذا
كانوا سيفعلون وكيف
سيتصرفون..؟
قطع صوت رشقات متتالية
حابل أفكارها، فانتفضت
متأهبة لكل طارئ. كان صوت
تلك الطلقات مألوفاً
لديها وكأنها تعرفه عن
قرب
نعم إنها الرصاصات
التي كانت تنظفها بريتان
قبل أيام وتضعها بحرص
وأناقة في مخازنها. صوت
خارج عن إرادة الحواس
الخمس ناجاها ولاقى صداه
في نفسها، ربما تكون
الحاسة السادسة أو قد
تكون حاسة المراة. المهم
أنها شعرت بأن وراء هذه
الرشقة دعوة لها. ربما
تكون نجدة، لهذا وفي
لحظات أخرجت سلاحها ورمت
ذلك الفستان جانباً،
فأحست لوهلة بإطمئنان
وثقة كبيرة وهي تعود
كالسابق رفيقة مناضلة
ثورية.
******
لم تحتمل بريتان التي
كانت مختبأة في سقيفة
بيوت أحد القرويين تلك
المناظر وإهانة الوطنيين
وام دلال بهذا الشكل
المهين، لذا أخذت قرارها
بتنفيذ عملية فدائية،
فمهما تكن النتائج، نحن
قوات حماية لهذا الشعب
ولسنا قوات دعاية مزيفة
وجبانة، إننا رفاق عكيد
وزيلان ومظلوم والمسؤولية
التاريخية تتطلب أن أخرج
من هذا الجحر النتئ،
ففدائي القائد آبو لم ولن
يصبحوا في يوم من الأيام
فئراناً. هكذا كانت تقول
لنفسها وعندها إتخذت
قرارها دون رجعة ولم تبقِ
في ذاتها لحظة تردد أو شك
واحدة، لهذا تسللت من بين
الجنود ـ بمساعدة الثلوج
التي كانت تهطل بغزارة ـ
الى مشارف القرية. وجدت
لنفسها خندقاً طبيعياً
بين صخرتين كبيرتين
متجاورتين وانتظرت إنتهاء
التمشيط وإجتماع الجنود
في الساحة الخلفية
للقرية. عندما بدأت
بريتان تحس بالبرد
وأسنانها بالاصطكاك. سمعت
من مكانها الاستراتيجي
صوت محركات العربات، كان
هذا دليل على أن حملة
المداهمة على وشك
الإنتهاء وأنهم سيدخلون
حالة الانسحاب. في هذه
الحالة يكون الجنود
مهملين أنفسهم وفي فرحة
عارمة، لأنهم لم يدخلوا
في إشتباك مع الكريلا
ويتزاحمون على ركوب
العربات. في هذه الفوضى
حسنت بريتان من موقعها
أكثر وتقدمت نحوهم اكثر
دون ان يراها أحد، وفي
الرشقة الاولى من
كلاشينكوفها الروسي ـ
التي كانت أهدتها لها
رفيقتها ومسؤولتها في
السابق الرفيقة زينب قبل
أن تنتقل الى ساحة اخرى ـ
رمت أكثر من سبعة جنود
على الأرض وارتمت مباشرة
خلف حجر أسود بجانبها،
لتُغير مخزن سلاحها
بسرعة، وتستفاد من
المفاجئة التي خلقتها
للعدو قدر الامكان.
عندما سحبت مسمار الأمان
من الرمانة اليدوية، لمحت
تارا على يمينها بخمسين
متراً وهي تهرول نحوها،
لكن الوقت لم يسمح لها
حتى بالتنبيه، مقدرة أن
القنبلة عند رميها للهدف
المنخفض عنها بعدة أمتار
مع الخمسين متراً لن
تؤذيها، فإستدارت وبكل ما
تملك من جسارة وشجاعة،
رمت القنبلة في وسط
المجموعة الاخرى القريبة
منها. إنفجار القنبلة فعل
فعله بين صفوف العدو،
وبدأ كل واحد منهم يفر من
جهة، معتقدين أن هذا
الهجوم هو كمين من
الكريلا، اختلط الحابل
بالنابل، فلا قائد يأمر
بينهم ولا جندي يطيع، كل
في حيرة من امره؛ من وقع
المفاجئة والبحث عن كيفية
النجاة والخلاص. استفادت
بريتان من تلك اللحظات
وبدأت تفكر بطريقة لتنجي
بها تارا، ليقينها بثبات
ورفاقية وجسارة تارا التي
لن تتركها مطلقاً في هذه
الظروف، فكرتْ وعرفتْ
وقررتْ في لحظات كيف
ستخاطبها وبلغة آمرة:
رفيقة تارا
رفيقة لماذا
أنت مذهولة، هيا اركضي من
هذا الطريق الى سفح الجبل
وتحصني جيداً هناك
لتحميني من الخلف وضعي
صعبٌ جداً. هيا بسرعة،
يجب أن تُخبري الرفاق
مباشرة اذا لم ألحق بكِ،
هيا إني أعتمد عليك.
ما ان سمعت تارا كلمة
لتحميني، حتى سارت
قشعريرة في بدنها وأرادت
ان تحميها وتضعها في لب
قلبها. آه
لو تستيطع الان معانقة
بريتان، ولكن ليس هناك
وقت. كان قرارها حاسماً،
اذ لقمت سلاحها ونادت
بريتان قائلة:
رفيقة
لا وقت سأحمي
إنساحبك حتى تتراجعي
وتبتعدي بالقدر الكافي
وسألحق بكِ
هيا، ومع كلامها بدأت
برشق طلقات متتالية،
لتغطية تراجع رفيقتها
التي نفذت الامر وبدأت
بالتراجع غير مُصدقة هذه
الجسارة، لعمرها المحدود
بين الرفاق وإعتقادها
بأنها غير حاكمة على
السلاح.
تارا نفسها لم تصدق ما
تقوم به، لكن وبحركة آلية
خبيرة أرادت تغيير مخزن
سلاحها. أثناء ذلك أحست
ان ساقها الأيمن ارتفع عن
الارض مرتين وبشكل خاطف
عدة سنتمترات بحركة آلية،
وكأن ماءً حاراً إنصب
عليه. لم تبالِ بالامر
وعندما أرادت إفراغ
المخزن الثاني اندهشت..!
اذ عرفت أنها متحصنة خلف
كومة من القش ولهذا وفي
لمح البصر تحفزت وكاللبوة
الجريحة قفزت خلف حجرة ـ
لا يكاد يغطي رأسها فقط ـ
وأفرغت المخزن الثاني فوق
رؤوس الجنود الذين لم
يفيقوا بعد من هول
الصاعقة التي قصفت بهم.
وعندما سمعت صوت بريتان
يناديها من الخلف، هرولت
منحنية قدر استطاعتها،
ولكن ساقها لم يكن على
مايرام، لأنها كانت تجره
جراً خلفها. استفادت تارا
من إرتباك العدو وحالة
الرعب والفزع التي
إنتابتهم فانسحبت مع
رفيقتها بأقصى سرعة ممكنة
الى سفح الجبل وساعدتهم
الضباب الذي كان يخيم على
الاجواء وحالة إنحسار
الرؤية.
عرقل الثلج مسيرتهم ولا
سيما عندما أحسوا بأنهم
ابتعدوا عن العدو بالقدر
الكافي. لم يكن المسير في
الثلج بالشيء اليسير
وخاصة اذا كان ارتفاعه
5،1 سم عن الارض، فا
لاقدام تشل عن الحركة
وتفقد فعاليتها وتبدأ
جميع الاطراف بالحركة
لمساعدة القدمين وبالأخص
الصدر ليفتح الطريق
والخصر ليتحكم بقوة
القدمين أكثر. كل خطوة في
الثلج يعادل ثلاثين خطوة
دونها، لأنه لا تبقى خلية
واحدة في الجسم لا يتحرك.
أخفت بريتان نبأ جرحها
بعيار ناري عن تارا التي
لم تعد تستطيع السير وبات
ساقها الايمن يشكل عليها
عبئا وحملاً من الالام
المبرحة. لم تعترف
الاثنتان عن الجروح التي
ألمّ بهما ومدى المشقة
التي تعانيهما في السير
بين ثلج بهذا الارتفاع.
الأنكى من هذا وذاك كان
إستمرار هطول الثلج
بكثافة شديدة مع ضباب
ورياح حيث يتشكل عاصفة في
دقائق وتخمد في دقائق
يجعل المرء لا يستطيع
الرؤية أكثر من أرنبة
انفه. أما البدن الذي
يتحركون به كوسيلة لتحقيق
غاياتهم في هذه الحياة،
أصبح يقفد خصوصياته
ونوعيته وناخت أكثرية
الحواس مع مميزات الثلج
الاولى. الاحساس بالبرد
او اللمس او حتى الالم
تلاشى وبدأت الطبيعة
رويداً رويداً بالتكشير
عن أنيابها وارجاع
ابناءها وفلذات كبدها الى
سابق عهدهم وعهدها. شيء
واحد فقط كان يجعلهم
متفائلين وعالي الهمة
الشيء الذي لا يولد معنا
ولا يكتسبها كل البشر.
بالنسبة لهذا العالم
يعتبرون اقل من جماعة من
يمتلكون هذا الشيء ولكن
به يحاربون ظلم العالم
اجمع ويعادلون بقوته
تقنية العصر المتطورة
ودراساته ومختبراته. شيء
واحد لو استعمله أي امة،
لكان لها من مقومات النصر
حجرا اساسيا لبناء صرح من
الحضارة
نعم لم تكن
بريتان وتارا تملكان بين
ألامهم واحلامهم غير
الارادة لمواصلة السير
نحو الحرية.
دعى آنو جميع الالهة الى
إجتماع طارئ في مجمع
الآلهة(آنو نانكي) وعرض
عليهم أحوال الرعية وبشكل
إستثنائي وضع بريتان
وتارا وما يعانوه من
كثافة الثلج وشدة العواصف
في دولا كوكى. أنب آنو
إله العواصف بعنف، وحذر
عشتار من مغبة عدم
اهتمامها وتبنيها
لاولادها وما سيترتب عن
ذلك من نقص في الجمال وشح
في الخصوبة والاخضرار على
الارض. عارض بقية الالهة
أجمع وعلى الاطلاق هذا
العمل وطالبوا جميعاً اله
العواصف، بإيقاف تلك
العاصفة الثلجية لتنجوا
بريتان وتارا وتداومان مع
رفيقاتهن في ترسيخ اسس
العدالة والمحبة
والمساواة بين البشر. كان
آراء جميع الالهة تنصب في
هذا المضمار، إلا اله
العواصف وإله الموت
والعالم السفلي(ارشكيجال)
وأبو وتكبروا بعنادهم
وإصرارهم على سحب تلك
الخيوط الذهبية من لوحة
آنو الالهية.
بياض على مرأى النظر وغزو
إله العواصف يشتد
ويتراكم على وادي كوكى
مصراً على تحويلها الى
كرة ثلجية. جميع الكائنات
الحية والظواهر الطبيعية
كانت في حالة تراجع
وإنسحاب، مفسحاً المجال
امام تساقط اكثر وحشية
للثلج، فإرتدت الارض كساء
اخر فوق أرديتها
المتسلسلة على بعضها
مشكلة من الثلج ثقلاً لا
يحتمل. فقط بريتان وتارا
كانتا تقاومان ذلك بعزيمة
وإيمان لا ينضب.
ادركت بريتان أنها أضاعت
الطريق وانهما تسيران في
فراغ اللامعروف، فالعاصفة
اشتدت والرؤية انحسرت
وارتفاع الثلج ازداد بشكل
ملحوظ ولم يعد يسمح
للعزيمة بالمواصلة، اما
جروحهم فأبت الانصياع
وبالاخص ساق تارا اليمنى
التي طلبت حق اللجوء من
إله الموت والعالم
السفلي، مستاءة من كونها
خلقت لفتاة تنكر ذاتها
وتضحي بنفسها من اجل
غيرها. عندما عجزت تارا
عن اقناع ساقها بضرورة
العمل والمثابرة، فأخبرت
رفيقتها بحركة آلية من
كفة يدها، لان الاصابع
كانت منذ فترة في سبات
عميق.
طفلتان كبرتا بسرعة وطلب
منهم أعمالاً فوق طاقتهم،
ولا يناسب عمرهم الربيعي،
إنها ضروريات الزمن.
وإلا كيف سيدون التاريخ
مسيرة نضال شعب من
الانحطاط والعدم نحو
الحرية..؟ وكيف ستحول
ابطالها الى نجوم
متلألأة، لتنير حياة
الاجيال القادمة.
تعجبت بريتان عندما لم
تتلق رد من رفيقتها
المتكأة بظهرها على الثلج
وهي في حالة واجمة، فمدت
يديها لتدلك وجهها وتخرج
بقايا ثلج من بين شفتيها
الذابلتين وقالت:
تارا
هل أنت بخير
ياحبيبتي.. تشجعي سوف نصل
الى الرفاق قريباً وسنشرب
الشاي ونتدفأ. صديقني
ستتحول هذه المصاعب الى
مجرد ذكرى تروينها في
جلساتك المسائية وسيستمعن
اليك الرفيقات بلهفة
وإستياغ منقطع النظير،
اؤكد لك ذلك.
انتفضت حمامة من بين ضلوع
تارا مرفرفة بجناحيها،
لتذيل كل يأس وألم، فرؤية
زيار وزرزان وسيلفان
وزينب ونوزين وبقية
الرفاق والرفيقات ألهب
مشاعرها ودب احساس
الاشتياق اليهم في كل
خلية من جسمها.
أحقاً سنرى الرفاق مرة
اخرى. ان الثلج لا يتوقف.
أسيقومون بخدمتنا
والاعتناء بنا وتحضير
الشاي مثلما كنت افعل.
لماذا لا تدعنا هذه
العاصفة وشأننا. سيفرح
الرفاق كثيراً عندما
يشاهدوننا طبعاً اذا لم
تحصل خيانة في مهمتنا
هذه،فأظن ان ساقي يتواطأ
مع الثلج. لا يهم اذا نحن
روينا تفاصيل هذه المهمة
او الاجيال التي ستخلفنا،
المهم انها ستبقى ذكرى
وقصة لفتاتين عشقتا الارض
والقائد والشعب وخطو
بحسهم ويقينهم وايمانهم
نحو الحرية عدة خطوات.
مالعمل يارفيقة بريتان
وكيف سنستخدم ونعصر
القطرة المتبقية من
الارادة، فأنا اريد شهادة
خالدة وضمن قواعد وأعراف
آبوجية.
احتضنت الطفلتان،
فاحتضنتهم الطبيعة بوجهها
المر والقاسي، في ذلك
السكون المخيف والتضاريس
غير الأهلة، الا
بالاحلام. عصفورتين
مفترقتين عن سربهم تأملان
بعش دافئ ومكان آمن.
تعانقتا حتى التلاحم،
مصرتان على إعطاء معاني
جديدة للارادة وتسطير
ملحمة تضاف الى قائمة
تعريفاتها. (بريتان
موشوشة بما تبقى لها من
قوة):
تارا.. رفيقتي حاولي رسم
إشارة النصر بكلتا يديك،
فما تبقى من ارتباطنا
بالرفاق هو؛ اذا جاؤوا في
الربيع ورأونا، حتما يجب
ان يشاهدوا إشارات النصر
مرسومة بين أناملنا
بالتالي هذا سيكون دليل
على مدى تحلينا بالارادة
وإرتباطنا بهم، وبنفس
الوقت سيكون شحنة من
القوة والعزيمة لارادتهم
التي لمْ ولنْ تنضب او
تخمد.
اظن ان يدي الاثنتان
ترسمان اشارة النصر الان،
لاني لا أحس بهما ولكن
كوني على ثقة بأن
الابتسامة لن تفارق وجهي.
سأرحل الى الربيع وعلى
اسمالي الكثير من الرسائل
التي يجب على الرفاق فك
طلاسمها. سأرحل مرتاحة
وفرحة، لاني قمت بواجبي
تجاه الشعب والتاريخ
والمرأة في المهمة
الثورية الاولى، وثانياً
لاني نفذت امنية امي
ولبست طرحة العروس ولكن
كما يريد التاريخ ـ بثياب
الكريلا ـ حيث لم يسبقنِ
الى ذلك احد من قبل، اليس
كذلك يارفيقة بريتان..؟
انا اجمل عروسة في سنه
وها أنا أزف الى قنديل
جبال الجنوب والشمال،
جبال الكبرياء والانفة..
أليس كذلك. انا اشبه هذه
الارض ألا ترين كيف إكتست
بالبياض وجعلت من ثراها
إكليلا لنضعه فوق رأسي و
انتهى مهمة اله العواصف
بعد ان افرغ سمومه عائداً
أدراجه الى جبال زاغروس
مفسحاً مكانه لاله الموت
والعالم
السفلي(ارشكيجال)وزوجها
أله الحرب نينغال لتبدأ
هناك قصة جديدة وزفة عروس
جديدة.
|