|
يبدو
أنّ ظهور (كروبات )
ثقافيَّة في المشهد
الثقافي الكردي باتَ أشبه
إلى ( موضة ) ، منها إلى
حالة ثقافية جديدة ،
وولاداتها البارامسيومية
غير الطبيعية تجلب إلى
الساحة قلقاً ثقافياً ،
وبؤساً معرفياً ، مما
يُخرِج هذه الجماعات من
مساراتها التي يُفْترَض
أنّها تؤسّس لخلْقِ
ثقافةٍ مختلفةٍ ، ولكسْرِ
السائد من الاجترار
الفكري ، وتسعى لبناء
رؤية مبتكرة ، تتجاوز
الصّفحة الراكدة
المحاصَرةِ أصلاً من
الجغرافيا والتّاريخ ؛
فقد تكاثرت (الكروبات )
الثقافية في كثير من
المناطق الكردية ، بل
أصبح لكلّ مدينة كروب
ثقافي ؛ فتتوالى هذه
الولادات ، حتى أمسى
لكلِّ مدينة كروبها
الثقافي، وقد تُصبح لكلِّ
حيٍّ كرديٍّ كروبه
الثقافيّ !. ولها أسماء
مزركشة ، وألوان تتعانق
مع التاريخ وتجليات
الفصول،ومع ألوان وطيف
قرص ( نيوتن ) .
طبعاً لا
أقصد من هذا الكلام إلحاق
الأذى الكلامي بكروبٍ ما،
ولا الإساءة إلى مثقف
معين بذاته ؛ لكن وفي
نفس الوقت أرى أنَّ
فَتْحَ حديثٍ عن هذه
الكروبات الكثيرة
بأرقامها ، والمشتتة في
أسمائها ، والفقيرة إلى
برامج ثقافية ، والخالية
من المثقفين ، حقٌّ
طبيعيّ لي ولغيري .
كثيراً ما
نسمع بوجود أو ظهور (
كروب ) ثقافي في مدينة
معينة ، لكن دون أن نرى
بأنَّ هذا الكروب قد رسم
لنفسه برنامجاً ثقافياً
معيناً ، يسعى إلى تحقيقه
ولو بخطوات متواضعة ؛
أستثني من هذه الأسماء
بعضاً منها ، تلك التي
تعمل بهدوء ودون أنْ تثير
حولها زوبعة كلامية
(كمكتبة جارجرا ، وكوميتا
نوبهار ، وجلادت بدرخان
،....إلخ) وسأقف عند
واحدٍ من هذه الأسماء في
سياق هذا الحديث . وهذا
لا يعني بأنّ هذه الأسماء
المستثنية ، لها نضوجٌ
ووضوحٌ في الأهداف
والوسائل ، بل هي الأخرى
تحتاج إلى كثيرٍ من العمل
، وإلى كثيرٍ من العزم
والإرادة ، وإلى كثيرٍ من
الوقت ، وإلى كثيرٍ من
الكوادر والأقلام التي
لها شخصيتها المختلفة
والمتميّزة .
نعرفُ
أنَّ كلّ الأعمال العظيمة
التي نعيشها في عالمنا
التقني المتطور كانت
أفكاراً بسيطة وخجولة في
وقتٍ ما ، بل يمكن القول
أنها كانت عبارة عن هواجس
طوباوية ، وأفكاراً
خيالية ، قد يكون تطبيقها
ضرباً من الوهم في نظر
أصحابها أنفسهم ، وهكذا
كلّ النظريات التي
أسهمِتْ في تطور العلوم
والحياة كانت كذلك ،
لكنها تحولت إلى واقع
ملموس نتيجة إيمان
أصحابها بها ، و توفر
الإرادة القوية لديهم ،
ليترجموها إلى واقعٍ
ماديٍّ ملموس . فليس
عيباً وفق هذا المقياس
أنْ يبدأ المرء بخطوة
شبيهة بهذه الكروبات ،
فخطوة صغيرة واحدة خيرٌ
من اللعنة على الجمود ،
وعلى الوقوف في المكان
جامداً حائراً ؛ لكن
السؤال الذي يطرح نفسه :
يا ترى هل أصحاب هذه
الكروبات لديهم برامج
ثقافية ، وإرادة تمكّنهم
من القيام بتلك الخطوة
الكسيحة ؟ أمّ أنَّ الأمر
يندرج في إطار ما يشبه (
موضة ) ثقافية ؟ فإذا كان
الغاية التي أُنشِئَتْ من
أجلها الكروبات الثقافية
هي الاشتغال بالشأن
الثقافي ، وتحريك الحالة
الثقافية الراكدة للتفاعل
مع الحياة ، فلِمَ نسمع (
الجعجعة ) ولا نرى الطحين
؟ هل تمتلك هذه
الكروبات برامج ولو
بسيطة ومتواضعة كتابية
تهتدي بها في نشاطاتها ؟
ثمَّ وضعت نصب أعينها
لتحقيق شيءٍ منها خلال
زمنٍ محدّدٍ ؟؟
أعتقد
أنَّ التناسل غير الصّحي
لهذه الكروبات سينتج
أسماء وجماعات ثقافية دون
إنتاج ثقافي أو معرفي ،
للأسباب التالية :
1 أنَّ
هذه الكروبات ليس لديها
برامج ثقافية واضحة
ومحدّدة ، أصرُّ على كلمة
( محدّدة ) ، فلو تخصّص
كروبٌ ما بجمع الفلوكلور
الشفاهي على سبيل المثال
، كالأغاني والحكايات
وغير ذلك بما يدخل في
إطار فلوكلوري ، لكان قد
أنتج شيئاً ما .
أو أعلنَ
كروبٌ ما بأنه سيصدر مجلة
خاصة بأمر معين ، وغير
ذلك من البرامج والأهداف
، لأنّ نجاح أيّ مشروع
في الحياة هو تحديد
البرنامج ، ثمّ وضع الخطة
التي ستحقّق ذلك الهدف ،
ثم الإصرار والسير في
الطريق حتى النهاية .
2 - إنَّ
هذه الكروبات الثقافية
تفتقر إلى الأقلام الجادة
التي لها حضورها على
الساحة الثقافية ، وما
تنتجه بعض الأقلام
المنتمية إليها من مواد
ثقافية ، عبارة عن أفكار
مكررة ، واجترار ثقافي
بائس ، لا يرتقي إنتاجها
إلى المستوى الإبداعي ؛
يعني هذا أنَّ الكروب
الثقافي لا ينتج ثقافة
بدون مثقّفٍ يكونُ مصدرَ
إبداعها.
3 يبدو
أنَّ مرض الأحزاب
السياسية قد انتقل عدواه
إلى تلك الكروبات ، حيث
بدأ عليها اللون الشللي ،
وبات الانقسام فيها
سيّداً لا يمكن مقاومته ،
وكلُّ خوفي أن تتحول
الكروبات الثقافية إلى
كروبات عائلية في يومٍ من
الأيام . هذا الأمر يثير
القلق ، فما المبرر من
التقسيم الكروبي ؟ وما
مستوى المثقف ( الفطحل )
الذي يعلن كروبه من
اللاشيء ؟
قد نستثني
بعض الكروبات الثقافية من
الوصف أعلاه ، و أخصُّ
الذكر ( كوميتا نوبهار )
هذه المجموعة تتميّز حسب
علمي بقيامها ببعض
النشاطات الثقافية دون
أنْ تصدر جعجعة كلامية أو
إعلامية ، وكأنها تريد
تقديم شيء ما وبصمت ،
وفيها بعض الكوادر
الإعلامية والشخصيات التي
لها وزنها الثقافي ، رغم
أنها هي الأخرى تفتقر إلى
برنامجِ عملٍّ محدّد ،
وإلى جانب هذا يجري الأمر
على أسماء أخرى وإن تفتقر
إلى برامج محددة ، لكنها
تعمل بجد وصمت مثل مكتبة
جارجرا ، وجلادت بدرخان
، وهما يستحقان الثناء .
و السؤال الذي يحاصرني
دائماً: لِـمَ هذا الكم
الهائل من الكروبات ؟ و
هلْ حقَّقت من فتحٍ
ثقافيٍّ وإبداعيٍّ ؟ وما
هي إنجازاتهم الثقافية ؟
وهذا السؤال موجّه إلى
الأخريات كجمعية بربروج
، كروبا كركي لكي ،كروبا
تيريز، كروبا ديرك ،
كروبا تربه سبيه ، كوجكا
قامشلو ، ...إلخ . وأسماء
أخرى قد لا يستطيع المرء
حفظ أسمائها . وقد يكون
للحديث بقية !!!.
|