|
منذ يومين فتحت بريدي
الالكتروني فوجدت مقالة
للدكتور أحمد أبو مطر،
كان قد أرسلها إليّ
الصديق مزكين ميقري.
والمقالة عبارة عن رسالة
كتبها أحمد أبو مطر إلى
صديقه الدكتور خالد يونس
بمناسبة قصيدة
الأخير(الصوت الحزين)
وتحمل الرسالة عنوان(لا
مفر أن يتضامن المظلومون).
لقد قرأت الرسالة بانتباه
وعدة مرات. وأكثر ما لفت
انتباهي في الرسالة قوله،
وهو يخاطب صديقه خالد
يونس،(نعم أشعر من خلال
حياة الظلم والمعاناة
أنني كردي وأنك فلسطيني).
إنه لفخر كبير للشعب
الكردي أن يعلن شخص على
مستوى أحمد أبو مطر أنه
كردي. بمعنى أن القضية
الكردية هي قضيته، كما أن
القضية الفلسطينية هي
قضية خالد يونس، رغم
الظلم التاريخي الذي تعرض
له الأكراد من قبل
الأنظمة العربية منذ
الإمبراطورية الإسلامية
وحتى اليوم.
عندما أقرأ في الانترنيت
بعض المقالات لكتاب عرب
سوريين(وعراقيين) وخاصة
من اليسار السوري بكل
تفرعاته، ومن المثقفين
والساسة المتديين، وهم
يعلنون على الملأ أنه لا
يوجد شعب كردي في سوريا،
وأن الأرض التي يسكنون
فيها هي أرض عربية سورية،
وينكرون وجود مشكلة كردية
في سوريا، بل يعتبرونها
مجرد بعض المسائل التي
تتعلق بالمواطنة، ولا
يعلنون إدانتهم لإحصاء
عام 1962، ولا للحزام
العربي، ولا لتعريب
الأماكن، ومنع الأكراد من
تسمية أولادهم بأسماء
كردية. عندما أقرأ
لبعثيين وقوميين عرب
مهووسين بالعداء ضد
الأكراد، وأرى أيضاً
الحزب الشيوعي السوري
وتفرعاته المتشظية الذي
صمت ومازال يصمت أمام
التمييز العرقي المبرمج
الذي مارسه ويمارسه حليفه
البعثي ضد الأكراد منذ
أربعين سنة، بل نجده
يتخلى بين حين وآخر عن
بعض الإشارات التي وردت
في برامجه حول حقوق أكراد
سوريا نتيجة إملاءات
الحليف، ضارباً بذلك عرض
الحائط ألفباء المبادئ
الماركسية حول حقوق
الشعوب والأقليات. وعندما
لاحظت الحملة الشعواء ضد
الأكراد خلال وبعد
انتفاضة آذار 2004
وبإيعاز من حزب البعث،
حيث شارك فيها اليسار
الشيوعي وغير الشيوعي
والعديد من رجالات الدين،
وكذلك القسم الأعظم من
المعارضة السورية،
وأجمعوا، كما أعلنت
السلطة، بأن هذا الحدث هو
مؤامرة خارجية،
أمريكية-صهيونية، تهدف
إلى زعزعة الاستقرار في
البلد، دون الحديث عن
تراكم الاضطهاد والتمييز
العرقي الذي جرى على
الشعب الكردي السوري منذ
تأسيس الدولة السورية
وحتى اليوم، رغم بطولات
الأكراد في حرب الاستقلال.
عندما أقرأ كل هذا،
ينتابني شعور أعمى من
العداء ضد العرب، ولدرجة
أقول بيني وبين ذاتي لو
أن الجغرافيا قابلة
للانتقال لقلت للشعب
الكردي احمل كردستانك على
ظهرك، واذهب إلى أبعد
نقطة في هذا الكون بحيث
لن تسمع فيها كلمة عربي
إلى أبد الآبدين.
لكنني في الوقت نفسه.
عندما أتذكر مفكراً عظيماً
مثل هادي العلوي حين علق
على أحداث حلبجة بأنه
يتخلى عن عروبته لكون
الطيار الذي أسقط القنابل
الكيميائية على هذه
المدينة الوديعة ينتمي
إلى هذه العروبة. وعندما
أتذكر ذلك الضابط العراقي
الذي رفض أوامر صدام حسين
بضرب المدنيين ولو كانوا
أكراداً(قرأت ذلك في
جريدة عراقية بعد انهيار
نظام صدام حسين)، فقتله
زبانية صدام لأنه رفض
الأوامر. وعندما أقر
لمفكر مثل أحمد أبو مطر
الذي وقف ويقف ببطولة إلى
جانب الحق الكردي، ويعتبر
موقف الشوفينيين العرب
وصمة عار على جبين
الأنظمة العربية، وجبين
العديد من المثقفين العرب.
عندما أقرأ كل ذلك أشعر
بالخجل من شعوري السابق،
وأعود إلى رشدي لأقول: لا..
فهذه الأمة عظيمة بهذه
النماذج التي لا تتخلى عن
إنسانيتها مهما كانت
المبررات، وأن صدام حسين
وعلي الكيماوي ومحمد طالب
هلال، وكل من شارك من
العرب في الظلم على
الأكراد، بالفعل وبالكلمة
أو بالصمت المقصود، إن
هؤلاء لا يجسدون سوى
الجانب المظلم لهذه الأمة،
هذا الجانب الذي يرفضه
أحمد أبو مطر وأمثاله من
المثقفين والمفكرين العرب.
منذ سنوات أتابع كتابات
أحمد أبو مطر، وأشعر أن
هذا المفكر قبل كل شيء
يحمل في داخله قيماً
فكرية وإنسانية عالية، لا
يمكن أن يساوم عليها لا
من منطلق مصلحة ذاتية ولا
من منطلق مصلحة شعبه الذي
تعرض إلى ظلم تاريخي. إنه
يرفض أن ينظر إلى مصلحة
شعبه على حساب مصلحة شعب
آخر. أقول أن هؤلاء الذين
على أمثال هادي العلوي
وذلك الطيار وأحمد أبو
مطر وغيرهم، هم الذين
يعبرون عن جوهر الأمة
العربية، وهم الذين تحتاج
إليهم هذه الأمة في
ظروفها القاسية الراهنة
مع حكامها ومع العدو
الخارجي.
لقد كنت دائماً مع قضية
الشعب الفلسطيني، وكانت
لدي صداقات متينة مع
العديد من الفلسطينيين في
الخارج أثناء الدراسة وفي
سوريا. ولا أشعر بأي ندم
أنني كنت لفترة طويلة
أعرف عن حيثيات القضية
الفلسطينية أكثر من قضية
الشعب الكردي.
ولكني تعرضت إلى العديد
من الانتكاسات في موقفي
هذا، كلما كانت تجري
تبريرات من قبل بعض
المنظمات الفلسطينية وبعض
المثقفين الفلسطينيين
لجرائم صدام حسين في
حلبجة وفي قضية الأنفال
والقبور الجماعية.
وبالأمس القريب حدث ما لم
يتوقعه الأكراد من
الفلسطينيين كشعب.
منذ عدة شهور على ما
أعتقد، خطب الرئيس
الفلسطيني محمود عباس
أمام جماهير فلسطينية
غفيرة. وتطرق في خطابه
إلى الوضع الفلسطينيين في
العراق، وتعرضهم للهجمات
الإرهابية والاغتيالات من
قبل بعض الجهات العراقية.
فقال السيد محمود عباس
أنه اتصل شخصياً مع
الرئيس العراقي السيد
جلال الطلباني(وذكر ذلك
بصيغة فيها الكثير من
الاحترام) طالباً منه
التدخل شخصياً لحماية
الفلسطينيين. وبمجرد أن
ذكر اسم جلال الطلباني،
جرت همهمة بين صفوف
الجماهير المحتشدة تعبيراً
عن استهجانهم لذكر اسم
جلال الطلباني، ويبدو أن
ذلك كان تعبيراً عن
التضامن مع صدام
حسين"الرئيس المؤمن".
قارنت ذلك مع التضامن
الكردي، شعباً وقيادة، مع
قضية الشعب الفلسطيني منذ
البداية. هذا التضامن
الذي لم يضعف حتى في
الظروف القاسية التي تعرض
فيها الشعب الكردي لأشرس
أنواع التمييز العرقي
والاضطهاد العربيين.
لقد سال الدم الكردي من
أجل الشعب الفلسطيني منذ
عام 1948، والأخوة
الفلسطينيون يعرفون ذلك.
بل أتذكر، أن العديد من
الشباب الشيوعيين الأكراد
؛ من الجزيرة ومن عفرين
وكوباني ودمشق، ذهبوا
للانضمام إلى المنظمات
الفلسطينية المختلفة،
ليدافعوا عن بيروت وعن
قضية الشعب الفلسطيني
بمحض إرادتهم في
الثمانينات من القرن
الماضي، واستشهد العديد
منهم. وبالمقابل أتساءل
كم من الفلسطينيين
اعتقلوا أو اضطهدوا أو
استشهدوا في العراق وفي
سوريا دفاعاً عن قضية
الشعب الكردي؟
لا شك أن كل هذا لم يغير
من موقفي الثابت وموقف
الشعب الكردي إلى جانب
القضية الفلسطينية، مهما
كان مواقف الشوفينيين بين
صفوف الأمة العربية. ولا
أكون مغالياً إذا قلت أن
الشعب الكردي كان يجد
دائماً قضيته من خلال
قضية الشعب الفلسطيني
وكافة الشعوب المظلومة.
وكم هو مؤثر بالنسبة لنا
كأكراد، أن يعلن مفكر على
وزن الدكتور والأكاديمي
أحمد أبو مطر بأنه يجد
قضيته الفلسطينية من خلال
القضية الكردية. ولعل هذا
الموقف من أحمد أبو مطر
ومن أمثاله يدفعنا إلى
القول: أيها الصادقون مع
إنسانيتكم اتحدوا...،
فعلى أكتافكم سيولد فجر
جديد، فجر الشعوب
المتآخية في ظل المساواة
والحرية، فجر الشعوب التي
تعتبر حق الآخر مقدس كما
هو حقها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمن يريد الإطلاع على
رسالة الدكتور أحمد أبو
مطر، عليه العودة إلى
موقع
Gemiyakurda.de
|