|
في النظريات الصارمة أن
النصَّ الشعري تحديداً،
إذا تحقق له، في راهن
إطلاقه، انتشارٌ كاسحٌ،
فلا يتوجب أخذه على محمل
عمق في الصيرورة الشعرية.
فالسواد الذي يستقيم له
ترجيح الانتشار للنص
بالحماسة له، والرعاية
الشعورية، هو سواد يغلب
عليه طبع القبول في
الذائقة على ظاهر المعنى،
وظاهر اللفظ، ودُربة
العادة على اغتراف السهل،
اللاممتنع، القائم على
البسيط في كيانه. غير أن
تاريخ الإبداع الشعري،
نفسه، مُنْجزٌ، في غالبه
على هذا "الطبع"، ظاهرٌ
به على سواه. فهل للحُكْم
النقدي، المشتغل في
القاطع الأكثر ثقلاًً من
مراتب النصوص، أن يتنازل
بقبول "رفاهية الشائع" من
الشعر بنعمة الذائقة
الشائعة اللامصقولة، على
أنه الوجه الآخر للصناعة
في الإبداع؟
كل نقيض هو في أساس وجود
نقيضه، يستدل به على
نفسه، ويتعرَّفها. ذلك
قانون الأضداد. ولمّا كان
العُرف الأخلاقي يستوجب،
بمثول النقائض في ميزان
العقل، اختيار "الخير"،
"المفيد"، الجميل"،
"الأصلح"، فإن هذا
المعيار يسري، حكماً، على
الشعر في حدّيه: المتطبّع
بالسائد يُتَقرّب به إلى
إنشائه، ويعيد بمثاله صوغ
روحه، والمتعالي على
ذائقة الشارع كونها
تستهدي، بعدُ، بالسماعي
فكراً لم تتحصل له مرتبة
"القراءة"، إذ القراءة
شراكة في امتحان النص.
فالشعر القادر على
الشيوع، بمطلق ظهوره إلى
"الشارع"، يحمل قيماً هي
ذاتها، بتجريد، ما يحتمله
"الشعر المستوحد"،
مختزلةً في حامل
"الفائدة" وعامله، كلٌّ
في اتجاه: المتعة العابرة
( وهي ضرورية في الاتفاق
الوجودي)، في الأول،
ومتعة التأمل الدائمة في
الثاني. وكلاهما "خير"
أيضاً، بما يتصف به الخير
من إشاعة يقين مّا، ينسجم
به الكيان مع حقيقته أو
ينفر ويختلف (كما في
القلق، مثلاً). وهما،
بالطبع، ناظرا "الجميل"
بحسب متلقييهما، ويشهد
على "الأصلح" فيهما
قارئان، كل من جهة علومه
في النظر إلى الشعر الذي
بين يديه، أو في سمعه.
قطعاً، لهو أمر معجب
سطوة شاعر مّا، من دون
غيره، على جماعة واسعة
شاسعة؛ شاعر بعينه، خرج
من "نسق" موجود قبله
فاستقلَّ بالخصّيصة، وشاع
وحده. شاعر، بضربات
قليلة، كما الحظ، سلك
الناس في كلماته، من غير
عناءٍ كثير، بل كأنما
أعادهم إلى كلماتهم هم،
ينطقونهم مكتشفين أنها
كانت فيهم قبل ظهورها عن
يده. فهو، بهذه الخصيصة،
تاريخ في تدوين المألوف
له ثقل أي تاريخ آخر،
تجدد "النخبة" عليه
الإنكار، حالاً بعد حال،
لكنه يبقى، بالسوية التي
تدفع إلى الحياة، ظرفاً
بعد آخر، أناساً على
التماثل ذاته سماعاً،
يروق لهم أخذ الشعر من
مرتبة البسيط اللاممتنع
ذاتها؛ الشعر سارحاً على
معنى مبذول، واضح، لا
يُجتهد فيه؛ متحققاً
بعلاقات لفظه كما في
نسقها، جلياً مكشوفاً.
هذا الشاعر، الذي تحقق
له وجه من التاريخ، ذو
مهمة واضحة: أن يُجْمِل
الحال ـ أية حال ـ في
صيغة العموم، بما يؤكد
الطباق المشترك في
الجماعة المتجانسة
المعرفة على كيفية
السليقة والتواتر بلا
عمق. وله، في الغالب،
ضربان من المطارحات:
الغزل والنقد الغاضب.
وهما المكمنان الأقرب
منالاً، لأن ذاتَ
الجماعة، بالنَّماء
الأُحادي الذي تحصَّل،
تلقيناً، وتعليماً
توجيهياً، في ظل الأبوة
المطلقة السلطة، تتنفس
(أو تتوهم ذلك) متحققةً
على زعمٍ باطن فيها إذا
سلكت قطبين: الحب،
والانتقام.
فالحبُّ هو لفظُ ذاتِهِ،
مقولاً على إنشاءٍ ذي
لوعة، متعذِّب، أو فاجر.
وكلاهما نسق محتقن،
يستحضره ما يدل على فعله
من تصوير؛ ما يدل عليه
مستعاراً من مخيلة القارئ
نفسه، بألفاظه، ومقارباته
البسيطة في النجوى،
مأخوذة من "شائع" الكلام
في مخاطبة دَلٍّ إلى
دلٍّ، أو جائع إلى جسد،
أو مستعذبٍ شقاء الحال لا
يستبدل به وصلاً في
الواقع.
اللمس، والنظر هما مفتاح
هذا الحب، وقفله، وصندوقه
السحري. الحب لا
متفكِّراً فيه هو هذا
الحبّ. هو الاستحواذ على
الآخر لذّةً، أو عبوراً
بالألم إلى لذة. حب
مستنسخ محمول إلى اللغة
ببيان موروث، هو عينه في
كل توسل بالكلمات إلى وصف
الأعماق وصبوتها،
ولوعتها، من جهة، ووصف
الآخر الانساني، موضوع
الرغبة، وفق "الرسم
التشريحي" لجمال الأعضاء،
ووفق "الرسم التوضيحي"
لشجرة "المُسْتَحَبِّ" من
سكنات المحبوب، وحركاته،
وسلوكه، بما لايخرج على
جدول النظام اللغوي،
المتراتب في هذا الغَرَض
ـ أي: الحب،مثله مثل
جداول القوافي في كتب
تعليم النَّظم والقريض.
أما النقد الغاضب شعراً
فهو في مقام إسقاط
الفَرْضِ عن الجماعة.
وذلك أمر لا ينتبه الشاعر
إليه، ولا نظنه أدركه
بحال من الأحوال في
راهننا. ولنا أن نتساءل،
في هذا المعرض، كيف لا
يُخرج الشارع على
"الفساد" المفتضح بهمة
القصيدة غاضباً، وهو
الشارع الذي يبايع تلك
القصيدة الملتهبة على
رؤوس الأشهاد؟ عشرات
الآلاف يرددون المقطع
الشعري ذاته، والبيت
الشعري ذاته، وشطر البيت،
وعنوان كتاب الشاعر حتى،
موقنين بكل خلجة فيه، وكل
اتهام فيه، وكل نبرة تفتح
جرحاً فيه،ذاهبين معه إلى
الأقصى في دعوته إلى
تطهير طوفاني في عالم
مرذول، خسيس، بشع، يحكمه
العته والحمق والوضاعة.
حري بتلك الجماعة
الشاسعة الواسعة أن تنفجر
على سطح القصيدة الغاضبة
في كل اتجاه. حري بها أن
تقود تظاهرة بعد الفراغ
من قراء السطر ما قبل
الأخير في القصيدة، وأن
تمزق أثوابها في الطريق
إلى قلعة النظام. لكن
الواضح أنها بايعت
القصيدة على أن يقوم
الشعر فيها بالمهمة
الباقية. هي ستغضب بغضب
الشاعر، وستتَّهم باتهام
الشاعر، وستنحرض بتحريض
الشاعر، على موجب يترك
للقصيدة انجاز الصِّدام.
ولأنهم بتركهم للقصيدةَ
أن تتولى القيام
بالفَرْضي، وإتمامه،
فإنما يعيدون القصيدة إلى
"واقعها"، أي: كونها
كلمات على ورق لاغير. فهل
انتبه الشاعر الشائع إلى
ذلك؟ كيف لم تحسن القصيدة
صنع إضراب في الوسط
المحتشد للشاعر على باب
شعره؟ كيف لم تتدبَّر
تظاهرة في شارع واحد من
الشوارع المليون التي
يقطنها ناس قصيدته؟. كيف
لم يحرق امرؤ قميصه
احتجاجاً، في منعطف ما،
أو ساحة، وهو يردّد،
صارخاً، كلمات من غضبه
المكتوب بحبر الشاعر
الشائع وغضبه الشائع؟.
أمرٌ محيِّر. والأشدَّ
حيرة أن الواقع يزداد
انحداراً إلى فساده،
واهترائه، ودنسه،
وعبوديته، وتمزُّ قه،
فيما القصيدة الغاضبة
ذاتها، على ألقها، من سنة
إلى أخرى، متناسلة في
قصائد أخرى، يتنامى في
ظلها شِسْعُ الجماعة
بطوناً وأفخاذاً. لماذا
هي "دستور" الغاضبين
يحتشدون للشاعر في
الملاعب، ويتلقفون كتابه
ساخناً من أفران المطابع،
من غير أن يبلغ الغضب
"جهالة الفعل"؟. أمر
محيِّر، إلاّ إذا عددنا
المسألة في باب "إسقاط
الفَرْض" المشار إليه.
وذلك، قطعاً، ليس ذنب
الشاعر، المستمر في تسطير
غضبه على الحافة، التي
ينزلق عنها الواقع إلى
خرابه "القدريِّ". لقد
اجهدَ الحبرَ في إضرام
النار تحت المراجل
والأنابيق: جماهيره تغلي.
تصعد مندفعةً إلى
الفوَّهة، ثم يتبخر
احتقانها.
هو، نفسه، سيكون في حيرة
من أمر الجماعات هذه،
التي تجد في ثورته ما
يُعفيها من سكب كلماته
الصهدية في قوالب آلات
تحملها الأيدي فؤوساً، أو
حجارة، أو عصيَّ بيسبول:
إنه ينوب عنها ـ هذا ما
تقوله له خِفيةً ـ في
إضرام حريق تتدفأ عليه
بين السطور، من غير أن
يمتد فاصلةً واحدةً أبعد
من قياس الورقة المطبوعة
عليها تلكم السطور.
إنه "كمين" الجماعة على
الأرجح، منصوب للشاعر
الشائع؛ كمين من الورد
والهتاف، لأنَّه مكَّنها
من الانتقام، في اللغة،
من واقع تريده مديداً على
ذلك النحو، بلا نهاية، كي
يستمر الشاعر غاضباً،
ويسقط عنها الفَرْض من
فرط حبِّها لدوام غضبه،
الذي يتضاعف، بالطبع،
ويتضاعف المحتشدون له، في
صعيد من التاريخ.
على الضفة الأخرى شاعر
أقل حظوة؛ بل حظُّه من
المحتشدين على قَدْرِ
اختياره. هو، أيضاً،
سيغدو متحققاً ببرهان
التاريخ، في الشيوع. وذلك
ما تدرج لغاتنا في القصد
إليه بـ "أنه سيُكتشَف".
غير أنه "اكتشاف"
لافجاءة فيه قط. فلن تفيق
الجماعة، ذا صباح،
هاتفةً: "وجدناه"، بل
سيكون قَدَرُه تراكماً،
بالجهد الذي يسعى به
آخرون، يفطن عديدهم، سنة
بعد أخرى، إلى أنه يعيد
صوغ أعماقهم، متعرفين على
أنفسهم فيه، ويحيلهم
شركاء في الكشف الذي
يدوِّن به أمل الكلمات.
متمهلاً يتقدم بحصافة
الشعر الذي يجلو المعاني،
ويعتق اللفظ من براثن
العادة. غضبه "الدافئ"
ليس دعوة إلى انتقام، بل
لهفة إلى استعادة العالم
حقيقياً كالرغبة. والحب
الذي يصفه يصف به الألوان
التائهة، والقلق،
والنعمة، واليأس، معاً،
بأمومة الحبر الجامعة
للكينونات.
|