|
27. 02. 2008
rojava.net
من المعروف ان الحكومات المتعاقبة في
سوريا إمتنعت عن الإعتراف بوجود الشعب
الكردي، وأن سياسة التنكر هذه أصبحت جزء
من الرؤية الرسمية للدولة رغم إختلاف
الحكومات. إنتفاضة آذار2004 التي أصبحت
التعبير الاوضح عن وجود الكرد وآماله
وآلامه أرغمت النظام على الاعتراف بالواقع
ولكن بغاية التردد وصيغ تدعوا الى السخرية
والازدراء كأن يقول أحد الوزراء:
"المواطنون الاكراد العرب السوريون"، أو
تصريحات عقيمة لم تتمخض عن اي تحرك عملي
من شأنه أن يساهم في معالجة القضية
إيجابياً كالتصريحات التي أدلى بها رئيس
الجمهورية والتي تؤكد على أن "الكرد هم
جزء من النسيج الوطني السوري". من الواضح
أن هذا التردد والارتباك ناتج عن سياسة غض
النظر إزاء وجود الكرد وقضيتهم، هذا
التعتيم والحظر عندما يواجَه بنشاط عملي
يشد إنتباه الرأي العام الداخلي والخارجي
يضع النظام وممثليه في أوضاع حرجة وصعبة
يضطرون حينها للتعبير عن ذلك من خلال
مواقف تدعو الى السخرية، الامر الذي يضع
الكرد في مواجهة مهمة تاريخية في غاية
الاهمية وهي العمل باستمرار من خلال أنجح
الوسائل السياسية والجماهيرية لفرض وجودهم
في كافة الميادين وإرغام النظام على قبول
الحقيقة والاعتراف بها دستورياً، لأن
التجربة أثبتت أن الاعترافات التي ينتزعها
الكرد من أفواه المسؤولين كرد فعل إزاء
النشاطات المرحلية تكون مؤقتة ولا تخدم
إيجاد حل دائم للقضية بالاضافة إلى أنها
تهدف إلى إمتصاص الغضب الجماهيري داخلياً
وردود الافعال الخارجية.
القوميون العرب وبإختلاف الصيغ التنظيمية
التي عملوا في إطارها اتخذوا دائماً شعار
القومية الواحدة كمبدأ، وحاولوا دائماً
مستخدمين آليات السلطة التي تحكموا بها،
صهر القوميات الأخرى في بوتقة القومية
العربية. أما بالنسبة للكرد فإن الأمر
أكثر خطراً خاصة وأن سياسة الصهر قائمة
أصلاً ضدهم وتستهدفهم بالدرجة الأولى في
سوريا، بالاضافة إلى ذلك هناك الموقف
الاقليمي المتناغم والمتوافق الذي يهدف
إلى القضاء على وجود الكرد من خلال
المجازر الحمراء أولاً والبيضاء ثانياً.
إتحاد الموقف هذا بين الدول التي تقتسم
كردستان كان يبقى دائماً كإتفاق ضمني ضد
الكرد حتى أثناء الخلافات والتناقضات التي
كانت تشهدها علاقات الدول المعنية بين
الحين والآخر. إذاً مشكلة الكرد في سوريا
أيضاً كما في باقي أجزاء كردستان هي أن
النظام هنا في ممارسته للسياسات المعادية
للكرد يعتمد إلى حد كبير على السياسة
الاقليمية والعالمية التي تتجاهل وجود
الكرد. العوامل الموضوعية التي أدت إلى
تفاقم التنافضات بين القوى المختلفة،
وظهور مواقف عدائية استهدفت وجود الأنظمة
ذاتها كما كان الوضع عليه بين سوريا
والعراق في الثمانينيات من القرن الماضي،
أو حروب سافرة كما حدث بين العراق وإيران
أو محاولات تجاوز الوضع القائم كما يحدث
في ظرفنا الراهن. هذه الفجوات والأحداث
وفرّت هوامش ضعيفة لكي يتحرك فيها الكرد
بشكل محدود، مع العلم أن هذه الهوامش لم
تكن لتوفر للكرد فرص إنتزاع حقوقهم في أي
جزء من الأجزاء بل أن ذلك لم يكن ليتعدَ
محاولة استخدامهم كورقة ضغط ضد الخصم،
سوريا أيضاً بدأت تتعامل مع الملف الكردي
من هذا المنظور وبشكل ملحوظ إبتداءً من
النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي
وأن ذلك كان من شأنه أن ينعكس على الواقع
الكردي في سوريا سواء كان من النواحي
السلبية أو الايجابية.
النظام السوري في مرحلة حكم الرئيس السابق
حافظ الاسد تمكن رغم التحديات الكثيرة من
ضمان استمراريته عبر سياسات ووسائل "ماهرة
وناجحة" إلى حد ما. اعتمد بشكل أساسي على
السوفييت لدرء الخطر الأمريكي الإسرائيلي،
وحاول إقامة علاقات سرية أو علنية مباشرة
أو غير مباشرة مع قوى المعارضة في البلدان
المختلفة محاولة لردع ما قد يأتي من تهديد
من دول الجوار، بالإضافة إلى ترويض
المعارضة في الداخل والقضاء على ما لم
يتمكن من ترويضها والتحكم بزمام الأمور من
خلال شبكة معقدة من التنظيمات والمؤسسات
السياسية والعسكرية والاستخباراتية
وغيرها، وبالتالي فإن هذا النظام المهدد
من قبل الغرب وإسرائيل من جهة وكذلك من
الأنظمة العربية وغير العربية المجاورة من
جهة أخرى كان من شأنه أن يبحث عن الأرضية
التي تضمن ردع هذه التهديدات والاستفادة
قدر الإمكان من ما هو موجود من تناقضات
سواء كان على الصعيد العالمي أو المحلي،
في هذا الإطار من الممكن تناول مواقف
النظام إزاء الحركة الكردية في العراق
وتركيا، حيث السماح لأعضائها البقاء في
سوريا والقيام ببعض الأنشطة المحدودة.
الحقيقة الواضحة للعيان هي أن تلك المواقف
الايجابية لم تكن في إطار مساهمة يقدمها
النظام لإيجاد حل عادل لقضايا الكرد في كل
من تركيا والعراق ولكنها كانت محاولات
لردع ما قد يأتي من تهديداً للنظام من
جانب الدولة التركية والعراقية لأن سوريا
لو كانت لها فعلاً نية مبدئية في مناصرة
الكرد لكانت قد بدأت بالقيام بخطوات عملية
من شأنها أن توقف الممارسات التي تستهدف
الهوية القومية للكرد والأساليب التي
تواجه أبسط تحرك للتعبير عن الهوية
الكردية في أي كانت من الميادين بالعنف.
إذاً فإن الحالة التي عاشها الوضع الكردي
مع بداية الثمانينييات والتي أعتبرها
البعض نوع من الإنفراج النسبي، تعود
أسبابه بالدرجة الأولى إلى أن حالة
الإحباط التي سيطرت على الكرد نتيجة تراكم
الإخفاقات والتراجع وحالة التشرذم
والإنقسامات غير المبررة التي عاشتها
الحركة الكردية الأمر الذي أوصل النظام
إلى الاعتقاد بأن ممارساته قد أسفرت عن
النتائج التي يريدها وأنه لا حاجة إلى
الاستمرار في الملاحقات والتعذيب
والإعتقالات التي كانت تجري لأبسط
الأسباب، في ظروف إنعدام أي نشاط قد يؤدي
إلى إثارة الكرد للدخول في عمل سياسي
راديكالي، بالإضافة إلى ذلك هناك أهمية
إقامة علاقات ودية مع الحركة الكردية في
الأجزاء الأخرى من كردستان بالنسبة للنظام
وحتى تتوفر لهذه العلاقات حد أدنى من
المصداقية كان لابد له أن يغض الطرف عن
بعض التحركات، كأن يتمكن السكان الكرد من
تقديم المساعدة والتعامل مع أعضاء الحركة
الكردية على أرضية الإنتماء القومي الواحد
مثلاً، هذا "التساهل" كان من شأنه أن يوفر
ظروف أكثر مواءمة لإقامة علاقة سليمة مع
الأطراف الكردية والإستفادة منها خاصة وأن
ذلك لم يكن من شأنه أن يؤثر سلباً على وضع
النظام في الوقت الذي تعج في المدن
الكردية بالمؤسسات الاستخباراتية المزودة
بكل أنواع الصلاحيات لمنع أي توجه قد
يتعارض مع مصالحه.
ربع القرن الأخير شهد تنامي كبير للشعور
والإنتماء القوميين لدى الكرد في سوريا،
الإعتزاز بالإنتماء الوطني الكردستاني
والإستعداد لتقديم ما يلزم من تضحيات
لذلك، والأهم هو التخلص تدريجياً من حالة
الإحباط وعدم الثقة بالذات والإنتقال إلى
حالة من النشاط في الميادين المختلفة
واستعادة الثقة بالذات والأمل بمستقبل
يضمن حلاً لقضية الكرد في كل كردستان.
حالة من النشاط والحركة وتحرك متسارع نحو
تحقيق الأهداف مهما بلغت التضحيات، أذهلت
الجميع. وسنحاول بإختصار تسليط الأضواء
على بعض من الأسباب التي أدت إلى ذلك
بعيداً عن التحليلات العقيمة ووجهات النظر
التي حاولت دائماً التعتيم على الأسباب
الحقيقية لذلك.
أولى الأسباب هي أن حالة الإحباط والخمول
لم تكن تعني استنفاذ القدرات والطاقات
النضالية لدى الجماهير الكردية بل كانت
بمثابة رد فعل إزاء السياسات الخاطئة
المؤدية إلى الفشل والتي كانت تتبعها
الفصائل المختلفة في الحركة الكردية. وظهر
أنه إذا وجدت مؤسسة نضالية قادرة على
تمثيل آمال وآلام الشعب وبرهنت عملياً على
إرتباطها الصادق بقضايا تحرره فإن الشعب
كان على أهبة الإستعداد لإظهار قدراته
وطاقاته الكامنة بأكثر الأشكال نبلاً،
واختيار الطريق المؤدي إلى الحرية مهما
كانت التضحيات.
ثانياً: جاءت عملية تأسيس حزب العمال
الكردستاني ثم تنقل أعضائه بكثافة في غرب
كردستان وبعدها العمل المسلح الذي بدأ في
15 آب 1984، لتشكل قوة دفع كبيرة حركت
الروح النضالية لدى الجماهير وفجرت ما هو
موجود لديها من طاقات، حزب العمال
الكردستاني ببنيته التنظيمية وأهدافه
السياسية الواضحة وهويته الايديولوجية كان
يمثل حلاً لما هو موجود من أزمة تنظيمية
ومثالاً يحتذى به لتجاوز الأشكال العقيمة
من التنظيم، والتي تفتقر إلى الأهداف
وأساليب الوصول إليها، يبدو أن الكرد من
خلال الحزب قد عثروا على حلقاتهم المفقودة
والطريق الصحيح الذي طالما بحثوا عنه
للسير نحو هدف الحرية. حزب العمال
الكردستاني بمبادئه التنظيمية العصرية
وأساليب العمل التي تتخذ من التضحية
ونكران الذات أساساً، ونضاله المنتج
وأفكاره التقدمية الواقعية، أزال أزمة
الثقة وكل مبررات الإمتناع عن خوض العملية
النضالية دون تردد.
ثالثا: المصداقية التي وفرها الحزب
والمستوى العالي من الأداء النضالي أزال
كل الشكوك والشبهات حول النتائج التي
سيؤدي إليها هذا النضال، كان ذلك أحد أهم
أسباب إحتضان الجماهير للحزب والقيام بكل
ما تقع على عاتقهم من مهام خاصة إذا أخذنا
بعين الإعتبار كثافة حالات الإلتحاق بصفوف
الكريلا، والتي كانت تستند تماماً إلى
قبول مجتمعي دون أن تكون حالات مجردة
محصورة بين فئة من النخبة وبالطبع لم يكن
الأمر ليقتصر على عمليات الإلتحاق فقط بل
كانت متعددة الأبعاد والجوانب، كان وما
يزال عبارة عن تجانس يستمد قوته من
الإرتباط المبدئي بالقيم الثورية والثقة
المؤكدة بالنصر.
رابعاً: والأهم من كل ما تقدم هي تلك
الخصائص القيادية التي يتمتع بها القائد
آبو، قدرته على فهم الأوضاع وقراءتها بشكل
صحيح والتعرف على ما من الممكن أن تأتي
بها الاحداث من تطورات وتوفير المستلزمات
السياسية والتنظيمية للتعامل معها عملياً
وبشكل سليم، شكلت السمات الأساسية لما قام
به القائد في تلك الساحة. إن ما تم في
سوريا حول محور تمركز القيادة ومعسكرات
التدريب في البقاع وغيرها من المناطق،
متعددة الأبعاد ولا يمكن التعبير عنها من
خلال نظرة تكتيكية على أساس الإستفادة
المصلحية البحتة، رغم وجود هذا البعد إلا
أنه من الأهمية بمكان ملاحظة البعد
المبدأي الذي يتضمن محاولة إزالة الشكوك
ومواقف العداء عن العلاقات الكردية
العربية وتوفير الثقة في التعامل ودحض كل
النظرات الشوفينية التي تعمل على إقناع
الرأي العام العربي على أن الكرد دائماً
مصدر المخاوف ومسند للتهديدات الخارجية.
طبيعة الصراع في المنطقة والتحديات التي
كانت تواجهها سوريا وحلفاؤها شكلت الأرضية
المناسبة لإمكانية تمركز أعضاء حزبنا
لفترة طويلة واستكمال التحضيرات
والإستعدادات اللازمة لبدء مرحلة جديدة من
النضال في شمال كردستان، فالسمة الأساسية
لهذا التمركز كانت على أساس الحفاظ على
الإستقلالية والإرادة الحرة للحركة
بالإضافة إلى حل القضايا الايديولوجية
والتنظيمية، ولكن هل كان ذلك دون مقابل؟
لقد كان فعلاً للظرف الموضوعي دوره
بالإضافة إلى أن النموذج النضالي القائم
على التضحية ونكران الذات التي تُعد عادات
متأصلة في أعضاء وقيادة حركتنا جنبتها خطر
الفرط بالاستقلالية، مزيداً من الإعتماد
على الذات وبذل الجهود العملية التي كانت
في الكثير من الأحيان تفوق قدرات الانسان
الطبيعية، كل ذلك أدى إلى أن تتمكن الحركة
من فرض احترامها على القوى الموجودة في
الساحة وتحتفظ باستقلاليتها وإرادتها
الحرة.
هناك إذاً تحالف موضوعي على أساس الإلتقاء
في القواسم المشتركة التي تتمحور حول
مواجهة الهجوم الإمبريالي الصهيوني وهناك
في نفس الوقت موقف إنتقادي على أساس
الإلتزام بقضايا الكرد في سوريا وكذلك نقد
الممارسات اللا ديموقراطية بشكل عام.
فالمعادلة الصعبة التي تمكّن حزبنا من
حلها والتي تعتبر نجاحاً سياسياً كبيراً
هي تطوير العلاقات مع النظام ولو كان ضمن
الإطار الموضوعي، لأن هذه العلاقات أفتقرت
إلى الجانب المباشر بشكل عام. وفي نفس
الوقت المساهمة، بل القيام بالدور الطليعي
والأساسي في تطوير الوعي الوطني
الديموقراطي بين الكرد على أساس الإعتزاز
بالإنتماء الكردستاني والإستعداد للقيام
بكل ما هو مطلوب من مهام في إطار ذلك. لقد
تخلص المجتمع الكردي هنا من حالة الإنزواء
والركود، لتسيطر عليه حالة من النشاط
والإندفاع، أكتساب القوة التنظيمية واتحاد
شرائح المجتمع حول الأهداف الوطنية
المشتركة. ويمكننا قراءة هذه الحالة على
النحو التالي: إن النشاط العملي الذي شمل
كل مناطق تواجد الكرد والذي كان يرتبط بما
تحقق في شمال كردستان بروابط عضوية، أصبح
أمراً واقعاً قبلت به أجهزة النظام وأن
كان على مضض، خاصة وأن هذه الأجهزة لم تكن
لتتوقع حدوث ما حدث مسبقاً، أي كانت عبارة
عن مفاجئة سواءً كان بالنسبة لأجهزة
النظام الأمنية أو حتى بالنسبة للأطراف
الكردية أيضاً. لقد خرجت عملية التعبير عن
الهوية الكردية من السر إلى العلن نسبياً
وخاصة في المناسبات الوطنية وإحياء ذكرى
الشهداء الذين قضوا في الحرب الدائرة في
شمال كردستان وزيارة الآلاف من الكرد
لمعسكرات التدريب في البقاع وغيرها من
المناطق. الجانب الثاني هي أن هذه الظاهرة
أثبتت للجميع حقيقة أن تطوير الوعي الوطني
بين الكرد وتحركهم نحو أهدافهم المشروعة
قد يؤدي عملياً إلى توفر عامل الثقة
والتخلص من المخاوف والأحكام المسبقة التي
لا أساس لها من الناحية الموضوعية، أي أن
نضال الكرد من أجل حقوقهم ليس بالضرورة أن
تكون أنشطة تخريبية معادية للعرب وتخدم
مصالح القوى الخارجية، وبذلك تكون مرحلة
تحول نسبي في العلاقات الكردية العربية
رغم ما هو موجود من صعوبات. والنقطة
الرابعة الأخرى التي لابد من التوقف عليها
هي أن الكرد في سوريا ورغم تمسكهم بحقوقهم
الوطنية المشروعة إلا أنهم في النضال من
أجل إنتزاعها يبحثون دائماً عن السبل
والوسائل التي تضمن حل القضية في إطار
الحدود الموجودة على أساس أخوة الشعوب،
فالإعتماد على الدعم الخارجي أمر غير
مرغوب به ولا يتم إختياره من قبل الكرد،
وإن عملية الإلتفاف حول حزب العمال
الكرستاني ناتج عن المبادئ التي يلتزم بها
الحزب من أجل الحل وهي التفاهم بين شعوب
المنطقة على أساس التحول الديموقراطي
والإعتراف بالحقوق المشروعة، وعلى العرب
في سوريا جماهيراً ومسؤولين أن يدركوا
حقيقة أن ما قام ويقوم به حزبنا قد جنب
الكرد من أن يتحولوا إلى قوة احتياط للقوى
الخارجية. إن رفض عملية التحول إلى قوة
إحتياط للغير يفهمها البعض على أنها نوع
من التنازل للنظام وكأن حقوق الكرد من
شأنها أن تعود فقط إذا تمكنوا من الإعتماد
على القوى الخارجية، ولكن التجارب أثبتت
وما زالت تثبت حقيقة أن عطف القوى
الخارجية على الكرد ومساندتها لهم لا
يتعدى كونه محاولة استخدامهم كأوراق ضغط
على الأنظمة المختلفة في المنطقة، بالطبع
هذا لا يعني أن يمتنع الكرد عن الإستفادة
من ما هو موجود من تناقضات بين القوى
الإمبريالية وأنظمة الوضع القائم في
المنطقة. ولكن الأهم هو إتخاذ خيار
الإتحاد الديموقراطي الحر بين الشعوب
أساساً في النضال والإعتماد على القوة
الذاتية وإدراك أنه ليس من الضروري أن
تتحقق أهداف الكرد في الحرية مع تحقق
المصالح الحيوية للولايات المتحدة
وحلفاؤها، حتى أنه قد تتعارض هذه المصالح
مع أهداف شعبنا خاصة إذا أخذنا بعين
الإعتبار موقف العداء الذي تقفه الولايات
المتحدة إزاء حركتنا. إن هذا الخط السياسي
الذي يستحوذ على التأييد الأوسع من
الجماهير الكردية في سوريا يعتبر في نفس
الوقت الأرضية الأنسب لإقامة علاقات سليمة
بين الكرد والعرب وباقي الإثنيات التي
تشكل النسيج الوطني السوري، بالطبع قبل أن
يكون الأوان قد فات.
المؤامرة الدولية التي استهدفت قائد
حركتنا والتي قادتها الولايات المتحدة
بالتعاون مع حلفاؤها في المنطقة والعالم،
أدت إلى حدوث تغييرات في الإتجاهات
السياسية لدى الكثير من الأطراف. من
المعلوم وكما أكد على ذلك الكثير من رجال
السياسة والفكر، ومن بينهم بانكالوس الذي
كان يشغل حينها منصب وزير الخارجية في
اليونان والذي لعب دور مهم في تلك
المؤامرة التي أسفرت عن أسر قائدنا، كانت
مقدمة التدخل الأمريكي في منطقة الشرق
الأوسط. لقد كان من بين أهم أهداف تلك
المؤامرة ضرب حركة الحرية الكردية
المستقلة التي يقودها حزب العمال
الكردستاني وقائده، لكي لا تتمكن الشعوب
في المنطقة وفي مقدمتها الشعب الكردي من
الإستفادة من ما قد تحدث من تطورات نتيجة
التدخل الأمريكي في العراق. بعض الأنظمة
والأحزاب التي أصابها الإرباك والخوف،
وتجنباً للغضب الأمريكي وحلفائه سارعت
لتقديم وثائق حسن السلوك إذا جاز التعبير،
سارعت لتثبت لتركيا عدم وجود أي علاقة لها
مع حزب العمال الكردستاني، حتى إن وجدت
فإنه سيتم التوقف عنها والقيام بكل ما هو
مطلوب منها لإزالة الآثار "السلبية" التي
تسببت فيها تلك العلاقات، وقطع الوعود على
نفسها بالمساهمة في الحرب على حزب العمال
الكردستاني جنباً إلى جنب مع تركيا.
الهجمات الإيرانية على مواقعنا والتي بدأت
بعد المؤامرة بشكل مباشر تقريباً ومستمرة
بتصاعد حتى الآن، الحرب التي فرضت علينا
عام 2000 مع الاتحاد الوطني الكردستاني،
تزايد الضغط والممارسات التعسفية في سوريا
على أعضاء ومؤيدي حزبنا وغيرها من الأمور،
ما هي إلا إشارات تؤكد على ما حصل من
تغيير في سياسات هذه القوى في المرحلة
التي أعقبت المؤامرة الدولية.
ظلت سوريا ولسنين تصرّ على عدم توقيع أي
إتفاقيات أمنية حدودية مع تركيا، لأن مثل
هذه الإتفاقيات من شأنها أن تعني إعترافاً
سورياً بمشروعية الحدود الحالية وبالتالي
يعني التنازل وبشكل رسمي عن المطالبة
بإعادة لواء اسكندرون، ولكن سوريا رغم
السنوات الطويلة من الإمتناع إضطرت رضوخاً
للضغط الذي مارسته تركيا إلى توقيع
إتفاقية أمنية في مدينة أضنة التركية
والتي تضمنت بنود خطيرة بالنسبة لسوريا
وللكرد على حد سواء. لأن محتويات هذه
الاتفاقية جعلت سوريا جزء من التحالف
المعادي للكرد في المنطقة والذي تقوده
تركيا. في البداية ظهر كما لو أنه تفاهم
تكتيكي لأن السلطات في سوريا أكتفت ببعض
المضايقات وأستهدفت عدد من فعاليات حزبنا
الشبه علنية، دون أن يتحول ذلك إلى
ممارسات تستهدف مجموع الكرد في سوريا،
ولكن بعد وفاة الرئيس السابق حافظ الأسد،
سلكت الحكومة طريقاً تم فيه تجاوز
المقاييس والأصول المتعارف عليها، كتسليم
عدد من كوادر حزبنا إلى الأمن التركي وشن
حملات الإعتقال ضد مؤيدي الحزب وممارسة
التعذيب على المعتقلين الأمر الذي أدى إلى
استشهاد البعض تحت التعذيب كالشهيد أبو
جودي الذي كان عضواً في حزب الاتحاد
الديموقراطي. إن هذه الممارسات لا تعد
إعلان العداء للشعب الكردي فحسب بل هي في
نفس الوقت فرطاً بالسيادة الوطنية السورية
والقيام بكل ما تفرضه التبعية لتركيا
وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
من الواضح بأن النظام في سوريا يخدع نفسه
حين يظن بأن تقديم التنازلات والمساومة
على الثوابت القومية والوطنية من شأنها أن
تجنبه المواجهة مع الولايات المتحدة
وحلفائها الغربيين في الوقت الذي تصرّ فيه
أمريكا على تجاوز بُنى الوضع القائم في
المنطقة، وعدم القبول بأقل من هزيمتها أو
إستسلامها تماماً. وأن النظام في سوريا
يخدع نفسه أيضاً حين يظن بأنه ومن خلال
العداء للكرد والتعاون مع الدولة التركية
سيتمكن من التخلص من أزمته، لأن قراءة
موضوعية للماضي القريب تظهر أن العلاقات
الإيجابية التي أقامتها سوريا مع الكرد
وخاصة مع حزب العمال الكردستاني، كانت
تعود بالخير على سوريا أكثر مما تعود به
على الكرد، ونحن واثقون من أن حل المشاكل
وتجاوز الأزمات ممكن من خلال إعادة الحياة
لتلك العلاقات وتطويرها على أساس برامج
تتضمن الإعتراف بالحقوق والحريات.
التصريحات التي أطلقها الرئيس بشار الأسد
بعد تسلمه المنصب، رغم الحذر والشكوك،
تركت إنطباعاً كما لو أن سوريا بصدد
افتتاح مرحلة جديدة على أساس إحداث
تغييرات ولو كان بشكل تتدريجي من شأنها أن
تتجاوز الطابع الشمولي الإستبدادي وأن
تعترف بالتنوع الإثني والإجتماعي، وتفتح
المجال أمام حرية أن تقوم كل فئة اجتماعية
أو قومية بالتعبير عن مصالحها دون المساس
بالوحدة الوطنية السورية. أي أن الأمل كان
في حدوث تحول ديموقراطي يتم من خلاله
ايجاد حلول للمشاكل التي عانى منها
المجتمع السوري طوال العقود الماضية. وكان
الكرد أيضاً يأملون كباقي شرائح المجتمع
السوري بأن تقوم الدولة بإلغاء المشاريع
التي تستهدف وجودهم القومي والتوقف عن
الممارسات التي تمنع عليهم حق التمتع
بأدنى حقوقهم الانسانية. ولكن للأسف إن كل
ذلك لم يكن ضمن خيارات النظام بل على
العكس من ذلك سرعان ما خابت آمال الجماهير
عندما صدموا بلوحة أكثر غموضاً من السابق
لا تبشر بأي تقدم إيجابي.
النظام الحالي إتبع طريق تقديم التنازلات
للقوى الخارجية مقابل حريته في ممارسة
الضغط على الجماهير وقوى المعارضة
داخلياً. من السهل جداً ملاحظة الخلل في
التكافؤ إذا تناولنا العلاقات السورية مع
القوى المختلفة وخاصة تركيا. وبالطبع فإن
هذا الخلل هو لحساب تركيا. إن علاقات
الصداقة مع الكرد ومواقف أخرى كانت في
السابق توفر لسوريا إمكانية التعامل مع
الآخرين من موقع القوة، وإنها فقدت هذا
الموقع بسبب مواقفها العدائية تجاه الكرد.
أن أي علاقات أو اتفاقيات اقليمية تدخلها
سوريا مع تركيا أو دول أخرى، لها أبعاد
استعمارية تخفي العداء للآخرين وخاصة
الشعب الكردي سوف لن تعود بالنفع إلى
سوريا كشعب وكمجتمع، بل إنها ستؤدي إلى
مزيداً من الأزمات والاحتقان.
الإدارة السورية ومن خلال ممارسة المزيد
من الضغط على الكرد ومنع قيامهم بأي عمل
يعكس مطالبهم المحلية وإنتماءهم
الكردستاني، تحاول إرسال رسالة لتركيا
مفادها التطابق في المواقف إزاء الكرد
وقبول سياسة الإبادة والصهر التي تقودها
تركيا، ومقابل ذلك تسعى إلى أن تجد من
تركيا نافذة تطل من خلالها على الغرب بعد
أن تم إغلاق النوافذ الأخرى، دون أن تدري
بأنها تفرط بإستقلاليتها وتتحول إلى تابع
إقليمي لتركيا في المنطقة بعد أن كانت أحد
أهم اللاعبين الأساسيين. ولكن لا بد للرأي
العام العربي والإسلامي أن يدرك الحقيقة
التالية: هذه الحقيقة التي تحاول الأنظمة
العربية إخفاؤها، كما لو أنه يتم وبشكل
مقصود التستر على الدور التركي. الدور
التركي في المنطقة يكمن في العمل على
ترسيخ السيطرة الغربية الإمبريالية عليها،
ووثيقة التعاون الاستراتيجي التي وقعها
عبدالله غول حين كان وزيراً لخارجية
تركيا، مع الولايات المتحدة وغيرها من
المعاهدات والإتفاقيات ذات الطابع
الاستراتيجي، تكفي للتعرف على هذا الدور.
إن تركيا ومن خلال تبادل الزيارات مع
سوريا والعلاقات مع حركة حماس ولغة
المغازلة التي تشهدها العلاقات في الفترة
الاخيرة، تحاول الإستفادة من الوضع الحرج
الذي تعاني منه هذه القوى لتفرض عليها
مزيداً من التبعية، وتظهر للرأي العام كما
لو أنها تتضامن مع قضايا العرب والمسلمين،
ولكنها في الأصل تهدف إلى استخدام ذلك
كورقة ضغط على الولايات المتحدة لإنتزاع
بعض التنازلات والحصول على دوراً أهم في
التحولات السياسية المحتملة في الشرق
الاوسط. من الواضح أن ذلك لا يتعدى كونه
موقف تكتيكي بعيداً عن المبادئ وسياسة
قذرة تسعى من خلالها لإبتزاز الولايات
المتحدة، وبعد أن تحصل على ما تريد، لن
تتردد في بيع هذه القوى و تدير لهم ظهرها.
إن تركيا حليف الولايات المتحدة والغرب
والتي تتبع سياسة الإبادة والصهر ضد الكرد
وتواجه المطالب المتواضعة لحركة الحرية
الكردية بالعمليات العسكرية والممارسات
الفاشية التي تهدف إلى القضاء على أي
تواجد سواء كان عسكرياً أو سياسياً لهذه
الحركة، عمليات الجيش التركي المستمرة في
شمال كردستان وحملات الإعتقال الواسعة
التي تجري ضد المواطنين الكرد المدنيين
والهجمات الجوية المتكررة على مواقع
حركتنا خارج الحدود التركية في جنوب
كردستان، دليل واضح على ذلك. هذه الدولة
التي تصرّ على اللا حل سوف لن يكون لها
أية مساهمة إيجابية في حل القضايا العالقة
في المنطقة، وإن أي تحالف أو إتفاق مع
تركيا الحالية الرافضة لأي تحول ديموقراطي
بشأن القضية الكردية، سوف لن يكون له أية
فائدة لسوريا حكومة وشعباً. إن مثل هذه
السياسة من شأنها أن تؤدي إلى مزيداً من
الإحتقان وإثارة العداء بين الشعوب.
إننا كطرف كردي نؤمن بأن طريق الخروج من
الأزمة هو القيام بتحولات ديموقراطية
راديكالية. البحث عن الحلول على الأرضية
الثقافية والتاريخية للشرق الأوسط، بعيداً
عن الإتفاقيات المشبوهة وسياسات المساومة
مع القوى الخارجية، إن الديموقراطية
والتحول الديموقراطي الذي يضمن الإعتراف
بحقوق الشعب الكردي المشروعة، هي القوة
التي لا بديل عنها لتتمكن سوريا من مواجهة
التحديات وما تتعرض له من ضغط اقليمي
ودولي. إن إسكات صوت الشعب الكردي وممارسة
الضغط عليه ومواجهة مطالبه العادلة
وأهدافه التي لا تمس بوحدة الوطن السوري
بل تقوي دعائمه، بالعنف والممارسات
التعسفية، إن كل ذلك سوف لن يجلب لسوريا
سوى مزيداً من الضعف والتراجع، وإننا رغم
كل ما يتعرض له شعبنا مانزال نحتفظ بالأمل
في أن تعود العلاقات بين سوريا والحركة
الكردية إلى سابق عهدها، لتشكل الأرضية
الأنسب لإمكانية حل القضايا الموجودة
بالسبل الحضارية والوسائل السياسية
والحوار، لما في ذلك من دور إيجابي في
توطيد أواصر الأخوة بين الشعوب. قبول
الآخر والاعتراف بحقوقه بدلاً من سياسات
التهميش والتعريب والعداء والتي أثبتت
الأحداث عقمها وعجزها عن حل أي مشكلة مهما
كانت كبيرة أو صغيرة. الكرد في الوقت الذي
يحتفظون بآمالهم في أن يصغي النظام
ومؤسساته إلى صوت العقل، ويتم الإعتراف
بوجود الشعب الكردي، وفتح المجال أمامه
للتعبير عن ذاته في الميادين المختلفة،
وفق ما تقتضيه مبادئ العدالة الاجتماعية،
في نفس الوقت فإنهم سوف لن يقفوا متأملين
لما قد يحدث. ولن يقفوا مكتوفي الأيدي
تجاه ما يتعرضون له من ممارسات تعسفية
ومواقف سلبية إنكارية. إنهم مكلفون أكثر
من أي وقت مضى برفع وتيرة النضال
الديموقراطي بأغنى الأساليب والوسائل،
وتنظيم المجتمع على الأسس الكونفيدرالية
الديموقراطية لتقوم كل شريحة اجتماعية وفي
مقدمتها، ديناميكيات النضال المعاصرة،
الشباب والنساء، من خلال صيغها التنظيمية
الديموقراطية بما يقع على عاتقها من مهام
في طريق إنتزاع الحقوق والحريات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن مجلة الشرق الأوسط الديمقراطي
|