|
مجرد كلمـات
روني علي
منذ أن ودعنا ذلك الجدار وذاك السور
الحديدي .. عتمة النهار ، وطول الليل ..
والزمن الذي لا محطات للوقوف عنده ، لا
نقاط ارتكاز ولا مواقف للذكريات .. اليوم
كالأمس والغد كاليوم .. وسنين من هذا
العمر الذي لا ندركه إلا من التواريخ
المدونة على تذاكر التوقيف وجلسات
الاستجواب . كان الشعور الملازم للأنا
الباطني هو الخوف من الخفافيش ، بل من كل
الطيور الشبيهة لها ، وما على شاكلتها .
شعور الخوف من كل ماسورة تشبه تلك المعلقة
على ظهور المليشيات ، وكل حلقة حديدية
تشبه تلك التي تزين زنار حراس الغابات ،
وكل شقوقٍ متصدعة في جدرانٍ مهترئه قد
تحوي عدسات أو عيون ، أو قد تحمل في
أحشائها طيور الليل ، أو من يهابون النور
، وينتشرون في الظلمات .. قد تحوي أشباه
البشر ، ممن يقتنصون الفرص ويهاجمون كل ما
هو نبيل ، لا لشيء ، فقط لإرواء عقدة
النقص فيهم .. أو لأن هناك من تخلى عن
جواز سفره أو فقد سند التمليك .. !! .
هو الخوف .. الانفصام .. والحذر من كل
قطعة خشب تشبه ذاك البساط .. وكل شريط
يشبه ذاك الكبل المجدول .. وكل وجه يشبه
تلك الأشباح ، بل كل قامةٍ تحمل في داخلها
قذارات الزمن ، والمتسكعين على أبواب
مراكز القرارات .. !!
منذ أن قٌذف بنا إلى الخارج / الداخل /
كنا نهاب المشي في الطرقات الطويلة ،
والتحدق في العيون .. كنا نلتفت بين الحين
والآخر ، لشعورٍ أن فوهةً ما دخلت ظهورنا،
أو أن هناك من يقف على الرصيف ويقرض
البذورات .. أو أن هناك من يسن سهامه
المهترئة ويتحين الظرف والفرصة ، لينصب من
نفسه الحاكم بأمر الله في موقع الظافر
بأمر الله .. لينصب من فراغه في الفراغ ..
هكذا كنا ، وما زلنا .. وقد نكون .. !! .
في بلد مساحته لا تتحمل كلمة ، فقط كلمة
.. وفضاؤه لا يتسع لمجرد رأي .. - وما
الكلمات التي تأخذ مكانها إلا تلك التي
تكون ممهورةً بأكثر من ختم ومن أكثر من
جهة . والرأي الذي يقال عنه رأي ، هو
الرأي المسلوب - .. تتقـزم القامات بقدر
ما تعلو الأبنية ، ويتخرب الإنسان من
الداخل ، بقدر ما يشاد من العمران ..
وتكثر الواجهات – الواجهات التمثيلية
والتنظيمية – ويبقى الإنسان – المحور – هو
الذي لا صلة له بكل ما يصله بصلة .. وكل
هذا على امتداد هذه المساحة والمساحات
الأصغر ، على مساحة الوطن ومساحة الحزب بل
ومساحة الفرد .. كل هذا على امتداد
الانتماء ، شرقياً كان أو أوسطياً أو من
دخل في فلك هذا النموذج ، بغض النظر عن
ألوان البشرة ، سامياً كان أم ميتانياً ..
بغض النظر عن كل الذي قال ويقال ، ولو أن
الطرح – ودائماً – يتجاوز الفعل ، والقرار
يتجاوز الإرادة ، والديمقراطية وحرية
الرأي صنوان لا ينفصلان مع كل حركة في
اللسان .
هو القدر – قدرنا – أن نلهو على الحبال
ونطير وسط السحاب ونرتل الجمل والمصطلحات
ونقفز فوق الزمن ، ولا يهمنا إن كنا في
أواخر الخمسينيات أو بداية الألفية
الجديدة .. إن كنا في طور التكوين أم في
زمن التدوين ، إن كنا نلتحف النسمات
الباردة والقادمة من الشمال ، وشمال
الشمال .. إن كنا في كماشة البوتوكولات
وتحت رحمة الخردل والسيانيد ، أو كنا في
قيلولةٍ على سرير حقوق الإنسان وبساط
المجتمع المدني ، وتحت سقف الدعوات التي
لا تنتهي .
هو القدر – قدرنا – أن نحطم ذاكرتنا
ونتجاوز ذاتنا - إلا الأنا الذي فيه ،
والذي هو باقٍ ولا يتجاوز بقدرة قادر –
ونعود من حيث بدأنا مع مزيدٍ المغامرات –
المزاودات – في كل محطةٍ من محطات
الذكريات .
وهنا صدق الشاعر الفرنسي فولتير عندما قال
: (( كل العواطف تخمد مع التقدم في السن ،
وحده حب الذات لن يموت أبداً )) .
|