|
ديمقراطية (الحزب السياسي)
روني علي
يبدو أن هناك جملة من المفاهيم
والمصطلحات التي نطلقها دون أن
نفكر في ماهياتها ودلالاتها، وقد
يكون موضوع الديمقراطية والتعامل
الديمقراطي داخل في سياقاتها ..
فالجميل هو أن ندعي الديمقراطية
ونقولها، والجميل هو أن نطالب
بالممارسة الديمقراطية في بناء
الموقف واتخاذه وتوظيفه، بحيث
تأتي منسجمةً مع الآليات التي
ننشدها والرغبة التي ندعيها في
بناء حزب مؤسساتي، يكون الدور فيه
للطاقات والإمكانيات.. ولكن كيف
يبدو الأمر حين يتعلق الموضع فينا
كشخص أو كحالة أو كإطار ..؟ هل
لنا أن نراجع ذاكرتنا المنسية
ونبحث عن أقوالنا وادعاءاتنا، أم
أن لكل مقام مقال، ولكل موقف
قرار، وإن كان يقف على النقيض، بل
في الجهة المعاكسة للقناعات التي
كنا نروج لها ..؟!.
فالداء الذي أصاب الحركة الحزبية
الكردية كمثيلاتها من الحركات
التي ابتليت بثقافة الأنا والنزعة
الشمولية، والخارجة من أحشاء
الاستبداد، على شكل مشاريع تهدف
الانقلاب على ذات الثقافة والخروج
من عباءة النزعات الاقصائية، هو
داء التفرد، والبحث عن الذات ..
هو داء التكتم على الحقيقة
والتبجح بالقشور، والتستر خلف
إنجازات الجماعة، إن لم نقل
تجييرها لمصلحة الأنا، وقولبتها
في إطار ما يخدم التضخم الأرجواني
النرجسي، حتى لو كانت بأساليب لا
تمت إلى الموضوعية، وتقييم
المجموع وفق مقاسات الشخص، بمعنى
أن ما نطرحه من مشاريع يجب –
بالضرورة – أن تجسد ذواتنا، لا أن
نكيف الذات من خلال المشروع
وعبره، وبالتالي نكون أمام شخصنة
كل شيء، حيث يكون الحزب هو الشخص
والشخص هو الحزب، وبما يمتلك من
آليات وقرارات ..
فالجميل إذاً هو أن نبحث عن
المناسب للمناسب، أن نبحث عن
المنطق ضمن ترهلات العقل
وانكسارات البنى، أن نبحث عن
الحقيقة وسط مخاضات التذمر من
البحث عنها، وأن نبحث عن المشروع
– المخرج – ضمن دائرة السكونية
الحزبية أو الفكرية، لكن يجب أن
لا يغيب عن بالنا بأن الرغبة
وحدها لا تكفي لصياغة أو تأسيس
مشاريع عريضة بحجم التآكل الذي
أصاب الجانب المعرفي في تكويننا
الذاتي، حتى بات الحديث عن كل شيء
مرهوناً إلى حد ما بالشكوك التي
تحوم حول المصداقية، سواء مصداقية
الطرح أو مصداقية التفاعل مع
الطرح، وهذا بحد ذاته يعود إلى
ذاك الخيط المنقطع بين المدعي
والمتلقي، بين الإملاءات التي سئم
الناس من وقعها، وبين استحقاقات
المرحلة التي تتطلب بالضرورة
التفاعل مع مفرداتها، وكل ذلك
يعود إلى غياب الحلقة الأساسية في
عملية التواصل والتفاعل بين الأنا
والآخر، وأقصد هنا الحاضنة
الديمقراطية ..
فبغياب هذه الحاضنة، وإقصاء الفعل
الديمقراطي عن العمل، تخبو
المشاريع، وكل أشكال النضال، في
ذاتها، وتتحول الأطر الحزبية عبر
الأنظمة الداخلية الستالينية
المتحكمة فيها، إلى مجرد واجهات
لحماية الشكل دون الأهداف،
وبالتالي نتصارع في التاريخ وحول
الانتصارات، لكن لا نمتلك القدرة
الفعلية على تجاوز العقد واجتياز
الخطوط الحمر، خاصةً حين نتمعن في
اللوحة الحزبية والشكل التراتبي
في بناء الموقف، والذي يخدم – لا
محالة – حالة التشرذم والتشتت
والتشظي، بل والتكتل أو الشللية
على أقل تقدير، ونقع بين ليلة
وضحاها في تناقضات، قد تصل إلى
درجة نسف ما كنا نمهد لبنائه أو
نؤسس لارتكازاته، وتتحول
الموضوعية إلى نوع من المهادنة أو
مغازلة مواقع القوة، والارتقاء
إلى شكل من أشكال التهور أو
التمسك بالقشور لإشباع رغبة لا
أكثر، دون أن نبحث في الجانب
المعرفي في صياغته وصيانته ..
فالحزب السياسي الكردي – باعتقادي
– يتآكل من الداخل يوماً بعد يوم،
وديمقراطية الحزب تتحول إلى مجرد
أنشودة تعزفها جوقة لا تلم حتى
بمفردات النوطة الموسيقية، كون
الكل يعبر عن ذاته على طريقة
مجالس العزاء في بلدنا، أو جلسات
المضافات الشتوية منذ أيام آبائنا
وأجدادنا، وحتى لو أراد البعض
الخروج برأسه من هذه الحلقة
الفولاذية، فإنه سيواجه السهام من
كل حدب وصوب، لأنه يشكل بمثابة
الشرارة الأولى للانقلاب على
السائد في التعامل والتعاطي ..
ويمكن أن نسوق تجربة الوحدة التي
أنجزت آزادي مثالاً في هذا
السياق، وإن كنا ندرك تمام
الإدراك بأنها – التجربة – لم تصل
بعد إلى ما ننشده من صياغات
وآليات، لكنها تعتبر الخطوة
الأولى في حقل الاختبار .. هذه
الخطوة التي تلقت الصفعات من هنا
وهناك ومنذ الإعلان عنها، والهدف
هو قتلها في المهد كي لا ينتشر
وباء التمرد على الآليات
المتوارثة ..؟!.
ما أود قوله، هو أن الحالة
المعاشة في الحياة الحزبية، والتي
فرخت دكتاتورية القرار، وأنجبت
بيروقراطية العمل، وأنتجت سلوكية
الأنا ونزعة التفرد، لا يمكنها أن
تتفاعل أو تتطور وفق مقاسات
الديمقراطية، سواء من جهة الإنتاج
السياسي والمعرفي، أو من جهة
الالتزام العضوي والأخلاقي
بالقرارات الحزبية، لكون الكل
وليد التشوه ونتاج التخبط، وما
نراه اليوم من بعض حالات النكوص
أو بعض مظاهر التمرد داخل الإطار
الواحد، أو حتى عدم الاستقرار في
الطرح السياسي ومخالفة الحزب
لقرارات الحزب، يعود بمرده إلى
الفهم المتوارث للديمقراطية في
الحياة الحزبية، والتي تغذي كافة
أشكال النزعات والأهواء
والنزوات.. وبالتالي يكون المنطق
المنبثق من هكذا ثقافة هو : ما في
حدا أحسن من حدا، ويدفع بالأنا
نحو المزيد من التشبث بالذات وما
ينتج عنه، وإذا كان هناك من يختلف
في الرؤية مع ما أطرحه، فمع كل
الاحترام لتلك الرؤى أقول، بأن
الأمثلة في الواقع الكردي أكثر من
أن تحصى، وأبدأ بحالة التفريخات
الجنونية في الحزيبات إلى أن
انتهي عند مؤتمر بروكسل وما كان
مطلوباً منه، دون أن أتجاهل حقيقة
قاتلة بأن الوعي الذي تشكل في
أحضان هكذا حالة قد لا يروق له أن
يرى الأشياء على عورتها، أو يقرأ
الوقائع في سياقاتها الطبيعية دون
رتوش أو تحوير ....
|