|

غالباً ما أنصح معارفي
وأصدقائي: أن اكتبوا
بالكرديّة..!
وفي أكثر الأحيان أنتقد
كتاباتهم باللغة التركيّة،
وأقول لهم: لا تسلكوا
الطريق السهل, اتعبوا على
أنفسكم, طوّروا لغتكم
الكرديّة. رغم معرفتي
بأنّه من غير السهل تجاوز
هذه المحنة, لأنّ اللغة
التركيّة قد رُسِّخت في
أذهاننا, كونها ـ و للأسف
ـ لغة الكتابة في كردستان
الشماليّة, ولأنّ أوّل
عهدنا بها كان في تعلّم
القراءة والكتابة.
لقد تمكّنتْ هذه اللغة من
أفواهنا وعقولنا بطريقة
غادرة. ولكنّ هناك عدّة
طرق لنحوّل لغتنا في
الكتابة إلى اللغة
الكرديّة:
أوّلاً: أن نعاهد أنفسناً..
ثانياً: يجب أن تُعتمد
لغتنا الكرديّة كلغة
رسميّة في البلاد, كي
يتسنّى لنا وضع أسس لغتنا
كتابةً.
ولن تتطوّر وتتقدّم لغة
الكتابة لدينا إذا لم
نستطع اعتماد ألفباءٍ
كرديّةٍ موحّدةٍ, فنحن في
القرن الواحد والعشرين،
ولا زلنا نفتقر ككردٍ إلى
ألفباءٍ مشتركة, وكلٌ
يكتب بطريقة مختلفة عن
الآخر, ممّا يصعّب على
القرّاء قراءة كلّ ما
يُكتب بالكرديّة, فاللغة
الكرديّة غنيّة بألفاظها
بسبب تعدد لهجاتها,
ونتيجة عدم وجود لغة
موحّدة، فإنّ كل كاتبٍ
يكتب اعتماداً على لهجته.
بداية المدرسة
ذات حديث, كنّا نناقش في
الجامعة موضوع: الطفل
والمعلّم والمدرسة.
قالت محاضِرتنا: أغمضوا
أعينكم, عودوا بالذاكرة
إلى الوراء, تذكّروا أوّل
يوم بدأتم فيه بالدراسة
في المدرسة, حينها كيف
كانت أمانيكم, وماذا كانت
رغباتكم؟ كيف كان
معلّموكم, وكيف كانت
مدارسكم..؟!
هذه الأسئلة أعادت
الذاكرة إلى الثمانينات,
لا زلت أذكر ذلك اليوم
جيّداً وكأنّه حصل اليوم,
كنت مفعمةً بالأمل,
مرتبكة, أجهّز نفسي
للذهاب إلى المدرسة على
أمل تعلّ م القراءة
والكتابة, لم أكن أصدّق
متى سأبدأ بالذهاب إلى
المدرسة.
ليلتها لم يُغمض لي جفن,
فقد كنت مسرورة لأنّني
سأتعلّم القراءة والكتابة.
لن أنسى ذلك اليوم أبداً،
كنت بعمر الخامسة أو
السادسة, سرّحت أختي شعري,
صنعتْ لي جديلتين جميلتين,
ألبستني أجمل أثوابي, ثم
توجّهنا سويّة- أختي وأنا
إلى المدرسة.
عندما وصلنا كانت المدرسة
تعجّ بالأطفال, وكلّهم
كانوا مثلي في يومهم
الأوّل, ثمّ بدأ المعلّم
يتحدّث بالتركيّة,
ولأنّنا لا نفقه كلمة
واحدة بالتركيّة فلم نفهم
منه شيئاً, فقط كنّا
مستمعين.
ظلّت تلك الفرحة وذلك
الأمل حبيسا حلقي.لأنّي
كنت حتّى عمر السادسة
أتكلّم الكرديّة, فمن أين
خرجت لي هذه اللغة
التركيّة فجأةً..؟!!
أي أنّي إذا أردت تعلّم
القراءة والكتابة, فهل
لزامٌ عليّ تعلّم اللغة
التركيّة أولاً؟! حينها
اختلطت الأمور علينا, فمن
ناحية كنّا نتكلّم
الكرديّة في البيت, والآن
علينا تكلّم التركيّة في
المدرسة, ورغم طفولتي
وتفكيري الطفوليّ, كنت
أفكر كيف سأتعلّم هذه
اللغة الجديدة ولماذا..
؟! يا إلهي..! كم هي صعبةٌ
هذه اللغة..! محالٌ فهمها..!
كيف سأتعلّمها.. ؟!
مرّت الأيام والأشهر
والسنون, وشيئاّ فشيئاّ
تعلّمنا هذه اللغة التي
ستصبح فيما بعد وبالاً
علينا. كنّا نبدأ كلّ يوم
صباحنا بالقسم التركيّ,
ككلّ طفلٍ كرديّ في
كردستان الشماليّة. صور
أتاتوك التي كنّا نجهل
من هو أو ما هي كانت
معلّقة في كلّ ركن في
المدرسة.
قَسَم الأتراك (كنّا
نردّده بالتركيّة, لكن
لكي يفهمها الأكراد الذين
لا يتقنون اللغة التركيّة
فقد ترجمتها إلى اللغة
الكرديّة):
(أنا تركيٌ, شريفٌ, مجدٌّ.
غايتي: العطف على الصغار
واحترام الكبار, أحبّ
وطني وقوميّتي أكثر من
حياتي. هدفي السموّ
والتقدّم.
يا أتاتورك الكبير: عهداً
على السير في الطريق الذي
رسمته لنا, وعلى الأهداف
والأفكار التي أعلنتها
لنا دون تباطؤ. حياتي
فداءٌ لقوميتي التركيّة.
طوبى لذلك الذي ينتمي إلى
القوميّة التركيّة).
ما هذا....؟ أنا تركيّ...
؟؟!!!!.!!
لكنّي لو كنت تركيّاً,
فلماذا أتحدّث الكرديّة,
وليست التركيّة ؟
لمَ من الضرورة أن أقول
أنا تركيّ, أنا مجدّ...
كلّ صباح كنّا نبدأ يومنا
بهذا القسم... طفلٌ كرديّ
بعمر الخمس أو الستّ
سنوات, يردّد كلّ صباح
هذا القسم. ثمّ يذهب إلى
البيت ويتحدّث الكرديّة,
ويعلم أنّه حتّى قبل أن
يأتي إلى المدرسة كان
كرديّاً ويتحدّث الكرديّة,
فما هذه الـ (أنا تركيّ,
شريفٌ, مجدٌّ)..؟ من أين
جاءت؟!
التبست الأمور علينا,
وارتبكت عقولنا نحن
الصغار. من جهة كنّا كرداً,
ومن جهةٍ أخرى كنّا نردّد
كلّ صباح : أنا تركيّ,
فما هذا..!؟
إنّ هذا الأمر يجري على
الكثير من أطفالنا الكرد.
تعلّمتُ التركيّة كتابةً
وقراءةً, وأصبحتْ لغة
القراءة والكتابة لديّ
التركيّة, بينما بقيت
أتحدّث الكرديّة في البيت.
والآن سأشرح لكم مقصدي:
بعد أن يبدأ أطفالنا
التركية في عمر الخمس أو
الست سنوات, ويقولوا أنا
تركيّ, أنا مجدّ, ويقسمون
بالتركيّة, ويقرؤون
ويكتبون ويتحدّثون
بالتركيّة, حينها سيكون
من غير السهل ترك هذه
اللغة, لأنهم كتبوا
وقرؤوا وتحدّثوا بها
لسنوات طويلة, وممّا يزيد
الطين بلّةً هو ترديد
القسم التركيّ الصباحيّ.
لكن ثمّة حلٌّ يلوح في
الأفق, يجب ألاّ نستسلم
ونقول إنّ اللغة التركيّة
قد ترسّخت في أذهاننا,
ولا نستطيع ترك الكتابة
بها. فإذا لم تكن لنا نحن
الكرد إرادة, وإذا ما
سلكنا سهل الطريق دوماً,
فلن نتمكّن من تعلّم
اللغة الكرديّة قراءةً
وكتابةً أبداً.
يجب أن نشعر بمدى
مسؤوليّتنا تجاه لغتنا,
ونهتم لأمرها قليلاً.
صحيحٌ أنّ الأتراك أثّروا
عميقاً على لغتنا من خلال
التربية, لكنّهم لن
ينتصروا, ورغم الضغط
والتأثير اللذين مورسا
علينا أيضاً, يجب ألاّ
نستسلم, يجب أن نقاوم,
وأن نكون حماةً لهذه
اللغة.
مثلما قال الشاعر الخالد
جكرخوين:
ابعث لغتك أيّها المثقّف
فلا شعب دون لغة
لغتنا جميلةٌ, بهيّة
لو كنت متعلّما جيّداً
فلن تضرّها
لغتك الكرديّة لا تنساها
لو كنت جاهلاً بها
فتعلّمها
اقرأ الألفباء والدواوين
والأشعار
كي لا تصبح مثلي مُدمى
القلب
تأمّل كم هي ثريّة لغتك
حاول الوصول مرّة من
القرية إلى المدينة
وانظر كم هي جميلة هذه
اللغة
رفيعة المنزلة والمقام,
مهابة.
(زند أفستا)
*روزا كرد: كاتبة كرديّة
مهتمّة بالشأن التربوي
|