|
تحلق بك الطائرة على ارتفاع منخفض
نسبيا ، تتمكن معه من رؤية
السلاسل الجبلية التي تشكل إقليم
كردستان وتحيط به من جوانبه
الأربع ، وقبل أن تهبط في مطار
السليمانية الذي أنشئ مؤخرا ،
يتاح لك أن ترى السهول المترامية
المبثوثة بين جبال أزمر وكويذة
وشانادر ، يتأكد لك ما كنت تعرفه
من قبل: لولا هذه الجبال ، لما ظل
الأكراد على قيد الحياة ، فهي
ملاذهم الآمن حين تشتد الخطوب ،
ومن بطونها تتدفق الثورات
والشلالات والأنهار التي تسقي
اللوزيات والخضار وأشجار الجوز
والعنب والتين ، وعلى سفوحها
الوعرة تنبت القرى الكردية
وتتكاثر ، تماما كما تنمو الأشجار
البرية والمثمرة وتتكاثر على سفوح
الجبال وحواف السهول والأنهار
والأودية. تأخذك اللحظة الأمنية
بترتيباتها الدقيقة ، فتتذكر أنك
في العراق أيضا ، حيث لا مأمن
لأحد في بيته أو عمله ، بيد أن
صوتا هادئا مطمئنا يهمس في أذنك:
لا تقلق أنت في السليمانية ، حيث
الأمن والأمان مستتبان ، تتظاهر
بأنك ودّعت القلق لكن شيئا ما في
داخلك يحفزك لسؤال أطراف "محايدة"
عن الوضع الأمني ، فيأتيك الجواب:
آخر عملية إرهابية وقعت قبل سنتين
أو سنتين ونصف ما عدت أذكر ،
تسترخي قليلا وتقرر أن تبدأ مشوار
زيارتك على اتساع بنود جدول
أعماله. تستقر بنا سيارات الدفع
الرباعي المصفحة أمام فندق "أشتي"
أي السلام باللغة الكردية ، نصعد
إلى الغرفة الفسيحة وتتذكر أنك في
مدينة عاشت ويلات الحروب
المتعاقبة وأهوال الحصار المركب
الذي عانى منه الإقليم ، حروب
العراق مع جواره ، وحروب نظامه
على أكراده ، أما الحصار فعدد ولا
حرج: حصار العالم على العراق
بإقليمه الكردي ، وحصار الحكومة
المركزية على الإقليم ، وحصار
الجوار القلق والطامع والتدخلي
المضروب على حلم الحرية
والاستقلال. نستعجل بزوغ صباح
اليوم التالي ، فالفضول يدفعنا
لرؤية المدينة والتعرف على أحوال
"الكيان الكردي" الناشئ ، ومن حسن
الحظ أننا نبدأ المشوار بزيارة
لجامعة السليمانية التي تخرج منها
كثير من الأردنيين قبل أن يغلقها
نظام صدام حسين ويقرر نقلها
بالكامل إلى أربيل كخطوة عقابية
للمدينة المنتفضة ، وفي الجامعة
وعلى امتداد الطريق المفضية إليها
، يسكنك انطباعان لا يفارقانك حتى
تغادر مطار السليمانية في رحلة
العودة إلى البيت: الأول ، أنها
مدينة ليبرالية في زمن قررت فيه
مختلف المدن والحواضر العربية
الانزواء في الجلباب والحجاب...والثاني
، أنها مدينة ـ ورشة بناء ، تنهض
من ركام الحرب والأنفال والحصار ،
وتقرر غذ الخطى للحاق بركب
المدنية ، فحيثما تذهب وأي طريق
تسلك ، تجد عمليات البناء وإعادة
البناء تسير على قدم وساق ،
وبصورة تشعر معها أن القوم في
سباق مع الزمن. هي مدينة ليبرالية
، مفتوحة على المذاهب والأديان
والطوائف ، فيها عرب وأكراد ، سنة
وشيعة ، أصحاب البلاد ومهاجرون
جدد ، أهل الحق والمسيحيون
والكاكائن والشبك وغيرهم ، نساء
لم يعرفن الجلباب ، وقلة قليلة
منهن يضعن حجاب الرأس ، وأماكن
تعارف سكان المدينة على تخصيصها
للعشاق ، بدءا من حديقة الحرية -
آزادي بارك - الكبرى ، التي كانت
ذات يوم مقرا لقوات حامية
السليمانية في الجيش العراقي ،
ويعتقد أن عددا كبيرا من أبناء
المدينة مدفونين تحت المتنزه
الكبير ، الذي خصص قسم منه
للاستخدام على طريقة الهايد بارك
وبذلك سبقت السليمانية عمّان في
تخصيص ساحة للحرية ، وانتهاء
بمنطقة دباشان حيث شيد على تلتين
متقابلتين قصر الرئيس جلال
الطالباني ومقر فضائية كوردسات
الأكثر انتشار في الأوساط الكردية.
وهي مدينة تعددية ، تنتشر في
شوارعها مقرات لأحزاب إسلامية
ويسارية وقومية وشيوعية ، إلى
جانب الحزب الرئيس في المدينة ،
الاتحاد الوطني الكردستاني ،
وعشرات الصحف ومئات المنظمات غير
الحكومية التي تتحدث عن المجتمع
المدني والتحول الديمقراطي
والحداثة والعصرنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدستور الأردنية، 24.05.2007
|