عودة للتاريخ ومن خلال المراجعة
والقراءة؛ قراءة في تاريخ شعوب
المنطقة ونضالاتها ودور النخب
السياسية والفكرية وغيرها من
الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية
وما حققتها لمجتمعاتها وخاصة في
مراحل النضال التحرري، سوف نكتشف
مدى فعالية وتأثير تلك النخب على
الجماهير والشارع من جهة ومن
الجهة الأخرى، دورهم في بلورة
البرامج ورسم الخطط ووضع كل من
إستراتيجية تلك الحركات
وتكتيكاتها المرحلية؛ وهكذا يمكن
تسمية هذه النخب بالعقل المبرمج
لتلك الشعوب وحركاتها التحررية.
بما معناه أن للأفراد أو ما يعرف
بالكاريزميات القيادية، دور فعال
في تحريك الجماهير نحو أهداف
وغايات تخدم البرامج السياسية
المرحلية والمستقبلية لتلك الشعوب.
من هذا المنطلق وكون الشعب
الكوردي ما زال في مرحلة النضال
التحرري ومحروم من أبسط حقوقه
القومية المشروعة وحتى الإنسانية،
في الكثير من القضايا وفي ثلاث
جغرافيات كوردستانية ما زالت تحت
"الوصاية" الغير شرعية؛ حيث أن
الجزء أو الإقليم الرابع، إقليم
كوردستان العراق يتمتع اليوم
بالفدرالية. وأيضاً كون الحركة
السياسية الكوردية، بأطيافها
وتنظيماتها مجتمعة، يعتبر الممثل
الشرعي وشبه الوحيد للشعب الكوردي،
فإن النخب الثقافية والفعاليات
الاقتصادية – الاجتماعية مدعوة
لأن تلتف حول حركتها السياسية هذه.
ولكن هذا الالتفاف والمناصرة
للحركة لا يعني، بأي حال من
الأحوال، السكوت عن أخطاءها وقصور
برامجها وأطروحاتها السياسية.
بل ومن خلال هذه المؤازرة
والانخراط في الحراك السياسي
والعمل المنظم، تكون تلك
الفعاليات النخبوية والتي لها
القدرة على القراءة الموضوعية
للواقع والمناخ السياسي الدولي
منها والإقليمي، قد أخذت المبادرة
الحقيقية للعمل النضالي. وبالتالي
فسوف تمتلك الحركة، ومن خلال
مبادرة كوادرها النخبوية هذه
وقراءاتها للمناخ الجيوسياسي
العام، برامج نضالية حقيقية تنسجم
مع روح العصر لتعمل من خلالها
وليس من خلال هذه البرامج
والأنظمة – على الأقل أكثرها –
والتي هي أقرب إلى أجواء الحرب
الباردة منها إلى مفاهيم
الليبرالية والتعددية
والديموقراطية. وهذا لا يعني أن
النخب الفكرية والثقافية الكوردية
بعيدة اليوم عن الحراك والعمل
السياسي؛ ولكنه عمل مشتت وضعيف
وتحتاج إلى نوع من التنظيم
والمؤسساتية، أي أن كل من المثقف
والحركة واحدهم بحاجة إلى الآخر
ويحتاجان إلى نوع من القران
والزواج وليكن متعوياً؛ من زواج
المتعة أو نفعوياً ومصلحياً، حيث
من مصلحة الجميع أن يتم هذا
القران أفراداً وأحزاباً وأولهما
وأكثرهم فائدةً تكون المسألة
والقضية الكوردية.
هذه من ناحية ومن الناحية الأخرى،
وكما نعلم جميعاً فإن البرامج
السياسية الكوردية هي دون الطموح
وسقف المطالب الحقيقية للشعب
الكوردي. بل جلها إن لم نقل
بالإطلاق تفتقر إلى الوضوح
والشفافية في قراءتها للواقع
السياسي الكوردي وأيضاً لخريطة
التغيرات والمتغيرات والتي تجري
في العالم وخاصةً على صعيد ومستوى
الشرق الأوسط وموضوع إعادة رسم
خارطة المنطقة من جديد، وبالتالي
فإن انخراط أو حراك هذه الفعاليات
النخبوية والعمل على تلك البرامج
والأطروحات، سوف تقرب بينها؛ أي
بين هذه البرامج، وهذه ستنعكس
إيجاباً على تقارب فصائل الحركة
السياسية الكوردية وتنظيماتها
وبالتالي توحد الكلمة والجهود
وتكون هناك ورقة كوردية للعمل
عليها وليس مجموعة آراء ومطالب لا
يرقى في الكثير من الأحيان إلى
مستوى ما تطلبها جمعية إنسانية
خيرية لجالية ما نزحت إلى جغرافية
غير جغرافيتها.
أما الهروب والتهرب من الأحزاب
والعمل من خلال تنظيماتها؛ بحجة
ضعف الحركة وتشتتها من جهة ومن
الجهة الأخرى، بأن برامجها
السياسية دون مستوى حقوق ومطالب
الشعب الكوردي وأيضاً اتهامها في
بعض الأحيان بالاختراق والعمالة
للدوائر الأمنية، فبقناعتنا ما
هذه إلا حججاً واهية نغطي بها
خوفنا وجبننا من مواجهة الحقيقة
وأنفسنا معاً. نعم؛ إننا نؤكد ولن
نعمم بأن، أغلبية فعالياتنا
الثقافية والاقتصادية والاجتماعية،
عندما تهرب من العمل والحراك
السياسي ضمن تشكيلات أحزابنا
الكوردية، مبرراً ذلك بهذه الحجة
أو تلك، فإنها تفعل ذلك نتيجة
جبنها النفسي لمواجهة حقيقة ذاتها؛
بأنها تريد التقوقع على الذات
والسكينة والسكون العدمي ولكي لا
يدخل في مواجهة حقيقية مع الدوائر
الأمنية والمخابراتية، ولذلك فهو/
هي يهرب من العمل الحزبي
و"المؤسساتي" مغطياً ذلك بتلك
الحجج الغير مقنعة حتى له.
وهذه ليست دعوة للعنف أو المواجهة
الدموية مع هذه الجهة أو تلك،
ولكن ومن حق الشعب الكوردي أن
تطلب من نخبها وكوادرها أن تمثلها
وبالتالي أن تكون صوتها في
المحافل والمنابر، لا أن يُترك
مصيره بيد أناس هم أنفسهم بحاجة
إلى قيادات حقيقية؛ مع احترامنا
لكل هذه الشخصيات القيادية
الحالية في الحركة السياسية
الكوردية، وما قامت به من دور
نضالي في مراحل معينة، ولكن الشعب
والحركة السياسية الكوردية بحاجة
إلى دماء جديدة. ولذلك ومن حقنا
وحق شعبنا أن نطالب هذه النخب
والتي هي خارج التنظيمات والأحزاب
السياسية الكوردية، أن تنضم إلى
صفوفها وهي حرة في اختيارها للحزب
والنهج الذي يراه منسجماً مع
تطلعاته وآراءه وأيضاً مدى فعالية
هذا النهج والتنظيم وقبوله
وانسجامه مع المناخ السياسي
الدولي المعاصر.
ولذلك وأخيراً ونتيجة لحاجة الشعب
والقضية الكوردية لجهود وخبرات
ومعارف نخبها وفعالياتها وفي هذه
المرحلة الدقيقة والحساسة من
تاريخ منطقة الشرق الأوسط بشكل
عام وعلى الأخص منه ما يتعلق
بمصير القضية الكوردية، فإننا
ندعو كل تلك الفعاليات والنخب
بالعمل من خلال هذه "المؤسسات"
والتي هي دون الطموح ولكنها بنفس
الوقت هي الممثل "الحقيقي"، كونه
واقع معاش ومن غير أن يكون لنا
بديل على الأقل في المرحلة
الحالية، وبالتالي فليس أمام هذه
الكوادر إلا أن تنضم إلى صفوفها
والعمل على برامجها السياسية
للارتقاء بها بحيث تكون معبرة عن
طموح وآمال وأماني شعبنا وأن تكون
بنفس الوقت منسجمة مع ثقافة العصر
ومبادئ حقوق الإنسان، ودون أن
نكرر أخطاء القوميين العرب أو
غيرهم من الشعوب المجاورة والتي
طرحت مشاريعها القومية، اعتماداً
على نفي وإقصاء الآخر أو سلبه
وطمسه واغتصاب جغرافيته كما هو
حاصل بحق الشعب والجغرافية
الكوردستانية من قبل تلك المشاريع
القومجية.. فليكن لنا ذاك الصوت
والمشروع الليبرالي الديموقراطي
في المنطقة، ولنكن نحن البادئون.
جندريس-2006
المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر
اصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع